بالونات العيد

الرابط : القصة (:::)

قصة سحر حمزة – الاردن (::::)

يحكى أن طفلة تدعى فرح ،خرجت صباح يوم العيد تحمل بالونات ملونة رائعة جميلة ،وجهها مشرق وإبتسامتها مفعمة بالحب والجمال ،رقيقة رائعة ، حلوة كالسكر ،خفيفة الظل مبتهلة متهللة،ترقص كالفراشة فوق الأزهار ، كنسائم الريح العبقة بشذى الطبيعة ، رائعة كشجر السنديان هادئة كبحر أزرق يركن إلى الهدوء قبل أن يتقلب لتعكر مزاجه بيد إنسان عابث ،كانت فرح تحب المرح واللهو والإبتسام والضحك ، تبتسم مهللة مستبشرة بكل من يقابلها ، ترقص بين الطرقات عبر الساحات و في المتنزهات ،ومع اقتراب المناسبات الجميلة مثل يوم العيد بعد الصيام تتألق وتزهو فرحا ويستبشر الناس برؤيتها بثوبها الجديد يوم العيد . بقيت فرح هكذا طول حياتها تجمع مصروفها اليومي وتضعه في حصالتها ،كي تشتري أشياءً كثيرة تحبها مثل ،الحلوى،والملابس خاصة، والشرائط الملونة لتربط شعرها والكثير الكثير مما تتمنى ، والأجمل من ذلك أنها تحب البالونات كثيراً، ففي حفل ميلادها كانت تعلقها في الزواية وتنثرها كالفراش فوق أرض غرفتها وتعلقها بالسقف مثل ايقونات ملونة تنعكس ألوانها في الأرجاء من حولها ، وفي كل مساء تحتضنها عند نومها حتى تفرقعها فتهدأ وتنام …وتعوَّدتْ أمها منها على ذلك،فتتركها كي يوم تلهو بها دون أن تنهاها أو تزعجها ..

وكانت فرح في الرحلات المدرسية تضع البالونات في ذيل الحافلة التي تقلها بالرحلة،وحين تصل مكاناً ما تفرقعها وصديقاتها ،معلنة فرحها الغامر بوجودها بين أحضان الطبيعة في الربيع معهم ، وفي أيام العطل كانت تلهو بها وتبقى تملؤها بالهواء لحين سماعها صوت فرقعتها وحين يأتي العيد تكتمل فرحتها، فتشتري كميات كبيرة منها طويلة وقصيرة وصغيرة وكبيرة ملونه بالأحمر بإعتباره رمز القوة والعطاء والحب ،و توزعها على صديقاتها لتعبر لهن عن حبها من خلالها، بالأخضر تعطي بسخاء كل من يقابلها وبالأصفر تعلن وجودها وغيرتها على كل من يلوث البيئة ويرمي القمامة في الشارع ،وتعترض باللون البرتقالي على من يتدخل في أمور هوغير مسؤول عنها أو من يكسر ألألعاب في الحدائق ،وتغضب ممن يضغط عليها ويمنعها من اللعب ، أو يثيرها ،وبالأزرق تهديها لكل عشاق البحر والسماء كي يسمون بأخلاقهن ،وبالأبيض تعلن السلام والوئام بين الأحبة ، وباللون الأسود تعلن سخطها على قتلة الأطفال ومجرمي الحروب وكل من يفكر بالشر والعدوان على الأبرياء وضحايا العنف . هكذا عرفت فرح وكانت أمها تلقبها “أم البالونات” ،وكانت صديقاتها ينتظرنها كي تعطيهن بعض بالوناتها ،وحتى أولاد الجيران وكل من يعرفها ، و كبرت “فرح”وأصبحت صبية فاتنة رائعة الجمال ،ولم تختلف فرح في قصة عشقها للبالونات فقصتها مع البالونات صاحبَتْها في كل مكان :

فقد كانت تحمل البالونات في حقيبة مدرستها وفي رحلاتها وتجوالها ،وعند زياراتها جميعها … وفي اول الربيع أعلن اليوم عبر المذياع أنه العيد عيد الفرح ، وعيد فرح سيكون عيدين ،مع بدء الربيع وعيد البالونات الرائعة ،بدأت تنفخبالوناتها المختلفة ذات الألوان المختلفة منها الصفراء والسوداء والبرتقالية بالهواء ،وجمعتها في شريط واحد ثم ألقتها بالهواء تراقصها وتحلق بها كفراشات الحقول في الربيع . ،ذلك اليوم لاحظت أمها أن سحابة حزن تجتاح وجه فرح فدعتها وقالت لها: يا فرح اليوم ربيع والجو بديع وملامحك لا تبدو عليها السعادة فرقصك لا يعبر عن فرح وحتى بالوناتك غير تلك التي تجمعينها بكافة الألوان ،صمتت قليلاً ،ثم أجهشت بالبكاء ،فقالت لها امها ما يبكيك يا فرح وأنت لا ينقصك شيء؟!هنا تنعمين بحنان أسرتك ومن حولك ، تلعبين كما يحلو لك ترقصين تتعلمين في مدارس متميزة وبيتك في وسط البساتين والطبيعة الخلابة ! فما الذي ينغص بهجتك؟!

فقالت فرح: “كيف أهنأ يا أمي وهناك أطفال كثيرون محرومون من الفرح يعيشون تحت مظلة القهر والظلم والحرمان ،ما بين اليتم والفقر ونقص في التعليم ،ويعانون الجوع وبعضهم أسير في فلسطين جميعهم غير مستقرين في العراق في الصومال جياع وكذلكالسودان والآ لام والأحزان في سوريّـة والنزاع في لبنان وحروب الصليبين ، وفي كل أرجاء الأرض قتل وتدمير ،كيف أفرح وهناك طفولة تعاني الحرمان ،ترى من ينقذها ومن يلملم أشلاءها ،هناك أطفال في غزة وسائر فلسطين وسوريا والعراق وغيرها من البلدان يعانون من حرب دامية ،وهناك أطفال تشردوا وارتحلوا إلى عالم آخر وفقدوا معاني الطفولة البريئة والفرح المفقود من حياتهم ، لهذا يا أمي أحمل هذه البالونات اليوم معبرة باللون الأحمر رمز الحب والتضحية وهي تعبير عن غضب يلوث الفرح والسعادة بدم الأحرار..

أنا يا أمي سأنفخ بالونات صفراء وخضراء وبيضاء وسوداء وحمراء وهي ألوان الأعلام العربية ،أحاول أن أعبر في ألوان بالوناتي في هذا العيد يا أمي عن أمنياتي بتجديد الوحدة العربية ،و أرسل لهم رسائل خاصة ، سأبعثها لكل الأمم هي دعوة للبلاد الإسلامية والعربية كي تتوحد وتجتمع على الحب ،لتسترجع القدس التي هانت عليهم بين براثن الصهاينة ،والتي يقايضون عليها لتسيير أمورهم ،أدعوهم جميعا للتعاون في مواجهة الخطر القادم من الغرب أدعوهم إلى الوفاق والاتفاق لرفع الظلم عن سكان سورية ألوح لهم أطالبهم بدرء المخاطر البيئية عن الأطفال وعن الديار وحماية الطبيعة من الاندثار ،أحاول أن أرسل رسائل سلام للجميع من خلال البالونات الملونة ، يا أمي في هذا العيد الحزين كثيرون يعايشونالآلام والأحزان في اليمن وغيرها ، ووراء النهر ،خلف الجدار في فلسطين ،طفولة محرومة من فرح العيد وكثيرون في فلسطين يعيشون النكبة وفي غزة محاصرين.

دعيني يا أمي أذهب إلى مهبط الطائرات المهجور ،مقابل القدس الأسيرة، على مقربة من البحر الميت بجوار مدينة عمان هناك سأطل على أراضينا المحتلة سأطل على مآذن القدس الحزينة وعلى مهد السيد المسيح وكنائس بيت لحم والمسجد الإبراهيمي في الخليل وأرى سهول نابلس .

دعيني أخبرهم أني أحتاج لصابون نابلس كي أغسل همومي ،وللكنافة اللذيذة، وأشتاق لتفاح الشام وفاكهتها العجيبة التي تشوهت من الحروب ،وتشرد السكان من البطش والفتن والدمار ،ومن غادرها حزناً لاحتلال الجولان التي تنتظر التحرير ،وطفولة محرومة تنتظر قرب بيت حنون وخان يونس ومخيم النصيرات ،لأعلق بالوناتي هناك على بوابات القدس على باب الأسباط وباب المغاربة والزاوية وغيرها من المواقع المحتلة سأغني أغنية الفرح بالعيد ،وقد يأتي العيد بشيء جديد يغير أحوالنا وكل البلاد لنصر أمتنا العربية الإسلامية ،،،سأفرقعها في كل مكان هنا وهناك.

نظرت الأم إلى ابنتها فرح وقالت بسعادة وفخر،إنك والله أنت أقوى من كثيرين ،تحملين في فكرك كل هموم العرب وترسلين رسائل الحب والأمنيات الكبيرة لكل الناس وأنك يا فرح أكبر معنى وأكثر تعبيراً منا جميعاً بهذه البالونات الرهيبة التي تحمل آلاف الرسائل وكل المعاني الواضحة الصريحة البالونات حين تمتلئ بالهواء فتفرقع بصوت رائع محبب معلنة غضبها من الضغوطات بهواء ينفث بهموم المساكين ، مثل كثيرين صامتين وثوار يفضلون الموت عن البقاء تحت نير غاصب محتل أو في ظل الإهانة ومذلات لا تقبلها القوانين والتشريعات الإنسانية.

هيا يا فرح سأذهب معك إلى مهبط الطائرات المهجور على قمة جبل نيبو لمدينة مأدبا الفسيفسائية قرب متحف التاريخ وحكاية التراث الموروث في تلك البقعة المطلة على فلسطين الحبيبة السليبة ،وصرخت بفرح وقالت هيا لنفرقع عشرات البالونات معك ، ونعلن سوية فرحنا بالربيع الطبيعي الرائع،تعبيرا عن  رفضنا لاحتلالٍ فلسطين ورفضنا لحصار غزة ، وسلب أرضنا المقدسة  الطهور  وأسر شبابنا ،وحصار القدس والمسجد الأقصى وأسرهم تحت نير المحتلين  وقتل الطفولة وأسرالأبطال الاحرار  المقاومين ،،هيا بنا نذهب .،وانطلقت فرح مع أمها وقد علقت البالونات الملونة  بأطراف السيارة من الخلف  وابتسامتها تعلو وجهها والفرح يرقص في زرقة عينيها وبدت على محياها علامات الرضي النابعة من أعماقها بعدما وجدت بأن بالونات العيد ورسائلها  أقوى تعبيراً مما في داخلها من السخط والحقد على المحتلين ، المؤتمرات والقمم  والمنابر  الاعلامية التي تدعي الكثير وتعِدُالناس بما هو مستحيل.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة