Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

انتفاضات الربيع العربي بين شتاء العرب القارس وصيفهم الساخن

 

الرابط : اراء حرة (::::)

نايف عبوش – العراق (::::)

شهدت أقطار الوطن العربي بمشرقه ومغربه، انتفاضات شعبية متلاحقة ولا زالت،حيث انها كانت قد بدأت مشوارها بالمطالبة بالإصلاح،وصعدت سقف المطالب،مع تطور الصراع، لتنتهي بإسقاط النظام والمطالبة بالتغيير.وفعلا تمكن البعض من تلك الانتفاضات من إسقاط النظام،والسير على طريق التغيير.في حين أن البعض الآخر منها، لازال في طور التظاهرات والاعتصامات،او في طور المواجهة المسلحة،التي تصر على تغيير النظام.على أن التململ في الأقطار العربية الأخرى،بدا يستجلي معالمه،في التهيئة تصريحا،أو تلميحا،للمباشرة بالتظاهرات،على قاعدة التأثير بالإشعاع.والسؤال المطروح، هو لماذا تفجرت الانتفاضات الشعبية في وقت واحد تقريبا؟ وكيف اتفق أنها تستخدم نفس الشعارات؟ وتنادي بنفس المطالب تقريبا؟.

ما من شك،أن التحديات التي واجهتها الأقطار العربية،على اختلاف ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تكاد تكون متماثلة.فبعد مرحلة التحرر من الاستعمار، التي قادتها نخب، وأحزاب،وحركات التحرر الوطني،في النصف الثاني من القرن الماضي.. واجهت الأقطار العربية،تحديات خارجية وداخلية،كان في مقدمتها تباطؤ النمو،وإخفاقات التنمية،والبطالة،وغيرها من التداعيات المتمثلة في الحلقات الخبيثة للجهل والمرض والتخلف،حيث كانت ابرز ملامح الحال في  الأقطار العربية. يضاف إلى ذلك بالطبع،استبداد النظام السياسي العربي،وغياب الحرية بمعناها الشامل، الاجتماعي والسياسي الاقتصادي، وما تترتب عليه من تهميش الجماهير،وإقصائها عن المشاركة الحقيقية، في صناعة قرارات مصيرها، بالرغم من حالات مشاركة شكلية هنا وهناك.وتزامن هذا الوضع،مع ظاهرة التوزيع غير العادل للثروة،وانتشار الفساد والمحسوبية في الدولة، وانحسار تداول الثروة، في أيدي قلة من المستفيدين والمنتفعين

وقد تضافرت تلك العوامل مع أخرى غيرها،على تكبيل طاقات الشعب العربي،وحدت من إمكانات الإبداع والتطلع،وعمقت ظاهرة العزلة، واللامبالاة،والقنوط،في الوسط الشعبي العربي، مما عمق بدوره ظاهرة التخلف،و راكم مشاعر الكراهية للوضع القائم، وكبت متنفسات الحرية، وفاقم الحرمان من الرفاه، بتبديد الموارد.

وإزاء هذا الواقع المرير، ومع ازدياد وطأة عوامل التحدي الخارجي، المتمثلة بالاستهانة بالوجود العربي،ودعم الكيان الصهيوني،وضمان تفوقه التقني والعسكري والاقتصادي،واستباحة الثروات العربية،من قبل الشركات الاحتكارية،وتآكل العوائد النفطية العربية بالتضخم،وتقييد تداولها في الاحتكارات البنكية الدولية المتمركزة.. ازداد الواقع العربي سوءا،واستوطن القنوط في غياب الإصلاحات،دواخل المواطن العربي، حتى  بات لا يثق بقياداته الوطنية،ولم يعد يكترث لسماعها، بل ويصم أذنيه عنها.فعاش حالة من الاستلاب المقرف، الذي جعل منه مواطنا سلبيا، لا يعير أي انتباه يذكر لحركة الحياة في بلده طيلة العقود الماضية. وساهمت ماكنة الإعلام المفتوح،ومواقع التواصل الاجتماعي،وثورة الاتصال والمعلوماتية،في فضح سوءات الحال،وتأليب الرأي العام على واقعه المزري،مما هيأ الأجواء لكسر حاجز الخوف، والتمرد على النظام، والثورة على هذا الواقع المتردي، دون تردد.الأمر الذي ضاعف استعداد المواطن للتضحية، من واقع قناعة تامة تبلورت لديه، بان أي تضحية يدفعها للتخلص من الحال،هي أهون عليه، من بقائه في دائرة معاناة الحال البائسة، التي أعيته بتراكماتها المريرة،والتي  طال أمدها عليه كثيرا،فلم يعد يرى ضوءا في نهاية نفق معاناته المظلم،للخلاص منها في الأفق المنظور.

ومع ان سوء الحال هو كما مر وصفه،فقد كان العامل الخارجي حاضرا قبل حصول انتفاضات الربيع العربي بموجب استقراءات الوضع الاقليمي لتامين المصالح الحيوية في المنطقة العربية،حيث تعالت وكما هو معروف صيحات الغرب بالمطالبة بضرورة القيام بالاصلاح في الوطن العربي في العقد الماضي،وتراوحت الرؤى بين ضرورة ان يتم الاصلاح بالتدريج من الداخل،مراعاة للخصوصية المحلية،ومستوى التطور، وكانت هذه الرؤية هي رؤى النخب،وهي في نفس الوقت رؤية الانظمة الاستبدادية العربية الحاكمة، مجاراة لتلك الضغوط الخارجية ،والحاح الداخل بالوصف الذي مر ذكره،على امل الحفاظ على كرسي الحكم،في حين كانت الرؤى الغربية تضغط باتجاه ان يتم الاصلاح بالتغيير من الخارج بكل الوسائل.

وبالفعل فقد تحقق النمطان في التغيير معا بشكل متوازي ،حيث تم فرض التغيير من الخارج بالقوة في العراق بالاحتلال العسكري المباشر، الذي اطاح بالنظام الوطني بذريعة تحرير العراق من الدكتاتورية، ونقل الديمقراطية اليه،تحت غطاء امتلاكه اسلحة الدمار الشامل،وتعاونه المزعوم مع القاعدة، وكذلك جرى الحال في ليبيا،في حين تحقق التغيير من الداخل في انتفاضات التغيير العربي فيما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، الذي جرى في تونس،ومصر، ويجري الان في سوريا.

والملاحظ ان احزاب الاسلام السياسي ركبت موجة انتفاضة الربيع العربي، ونجحت في تجيير النتائج لصالحها بالانتخابات التي جرت في تلك الاقطار ابتداء. ولان التداعيات في كلا النمطين من التغيير،كانت سلبية بسبب واقع المحاصصة، والإقصاء، والتهميش،والفساد المالي، وغياب الامن،وانعدام الخدمات، وانتشار البطالة،وغيرها، فقد وصلت الجماهير في تلك الاقطار التي جرى فيها التغيير،الى يقين تام بان الديمقراطية المتحققة بهذا الشكل من الإقحام المتعجل،لابد انها ستأتي بمضاعفات سلبية حادة، الامر الذي حدى بالجماهير في تلك الاقطار الى الانتفاض مجددا لنزع الشرعية التي افرزتها انتخابات متعجلة لم تستكمل شروط النضج الموضوعي المطلوب، ولم تستجب لتطلعاتهم التي انتفضوا من اجلها في الاطاحة بسلطة الاستبداد،ونجحوا فعلا في اطاحة سلطة الدكتاتورية الجديدة،ولعل هذا هو ما يعكسه الواقع الراهن في مصر،وما ينتظر ديمقراطية تونس من مصير مماثل.

والآن.. ولكي لا تختطف الثورة، من أصحابها الشرعيين، الذين هم الغالبية العظمى من الشعب،فان المطلوب أن يضع شباب الثورة وجمهورها خارطة طريق،يحددون فيها بوضوح الأهداف التي انتفضوا على الواقع المر من اجلها، بحيث تكون مطالبيهم الشعبية، في صلب هذه الخارطة،وفي مركز اهتمامهم، واهتمام من سيختارونه في المرحلة الانتقالية لتمثيلهم،وان يستحضروا ثوابت الأمة،في الدين والموروث الحضاري،في عملية استلهام واعي لها،من خلال تعشيق الحاضر بروح الماضي،بما يؤمن التواصل الحي في  حركة الأمة،صوب التوحد بأي صيغة ممكنة،للحفاظ على الهوية،وتجاوز الاغتراب بالعصرنة،وتفجير الطاقات الكامنة للأمة،التي عطلتها التجزئة،بالحالة القطرية،في المرحلة السابقة.مع ملاحظة أن التحرر من الاستبداد،والتبعية للغير،وممارسة الديمقراطية الحقيقية،التي لا تقفز على خصوصيات الواقع العربي،تأتي في مقدمة أهداف المرحلة.ولاشك أن التوزيع العادل للثروة،ومكافحة البطالة والفقر،من خلال توظيف العوائد العربية،داخل الوطن العربي، في سياسة تنموية تكاملية،ستكون استراتيجية مرحلة بأولوية ملحة،من مركز دائرة اهتمام خارطة الطريق. ولعل الانتباه إلى خطورة احتمالات اختطاف الثورة،والقلق عليها،من أي طرف داخلي،انضم إليها بدوافع تكتيكية،وتحصينها من أي تأثير خارجي،قد ينجح بركوب موجتها،ويستأثر بها،لتمرير أجنداته،في غفلة من شباب الثورة،أو لأي سبب آخر،هو قلق مشروع،إذ أن تجليات محتملة من هذا النوع،إن تحققت،تعني العودة بالحال،إلى نفس المربع الأول،مما يفوت على الشباب المنتفض،بعد كل هذه التضحيات،فرصة المبادرة،لقيادة الحال نحو الأفضل،وينهك طاقات الأمة، بتداعيات سلبية، يفترض أن يتم تجنبها،عند الشروع بمباشرة عملية النهوض المعاصر للأمة،ومغادرة ركة الحال الراهن،بالاقتراب المتجسد من صفحاتها المشرقة في التاريخ.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة