رواية السلك : للروائي المعتقل عصمت منصور

 

الرابط : اصدارات ونقد (::::)

بقلم توفيق العيسى – فلسطين المحتله (:::)

غزة حبلى بالانفجار
صور من أوجه متعددة … دولتان فوق الأرض وتحتها ومدينة تتقمص حتى ساكنيها

هي غزة، مدينة… مخيم وقاعدة عسكرية، علاقتها مع البحر علاقة مرتجلة، وهي خزان بشري هائل مرشح للانفجار بأية لحظة، في رواية السلك للروائي المعتقل عصمت منصور التي ستصدر قريبا عن الرصيف الثقافي في رام الله يحول القلم إلى “كاميرا” سينمائية تلتقط صورا وأوجه متعدد من غزة التي تتقمص الفرح والحزن والبطولة وتتقمص حتى سكانها. 
الهروب بوصلة العودة
 تبدأ الرواية في حوار داخلي لبطلها ” وليد الغزاوي” الذي ينتحل شخصية أخيه ” أحمد” ليعبر البحر إلى مدينة عسقلان المحتلة، ليكتشف طريقا جديدة أو ثغرة جديدة كما يقول في روايته تنفذه إلى عسقلان، هذا الهروب كان بالنسبة لـ” وليد” أما بالنسبة لمن بعثه فهي محاولة لاختراق الحصار فمن بعث وليد لاختراق الحصار؟
تدور أحداث الرواية انطلاقا من مدينة غزة، إلى عسقلان والرملة إلى مدينة طولكرم في الضفة الغربية عبر حقب زمنية تمتد منذ الانتفاضة الأولى وحتى انقلاب حماس الذي سمي بالحسم العسكري، على امتداد هذه الفترة لم يكن هروب ” وليد” من غزة بسبب الفقر كما جرت العادة أن تصور أبناء القطاع، لكنه هروب يبحث فيه البطل عن وجود آخر، وعن مكان اقل تناقضا، وأكثر اتساعا

وفي هروبه المتكرر ومن ثم عودته سجينا أو مطرودا من عسقلان والرملة، يؤرخ عصمت منصور لتاريخ المعبر منذ أن كان سلكا باليا وحتى تحوله إلى سلك الكتروني ومعبر، بتعاقب ثلاث سلطات متعارضة ومتناقضة، اتفقوا أن هذا السلك خط لا يمكن تجاوزه.
يعايش ” وليد” أحداث متعدد انتهاء بالانقلاب وعمله في الأنفاق ومن ثم مطاردته من السلطة ” الجديدة” عوامل عدة تجمعت على مدى أعوام جعلت فكرة الهروب لديه أكثر رومانسية، لذلك فهو لن يتردد حين يعرض عليه أحد التنظيمات الإسلامية في غزة أن يخترق البحر بحثا عن ثغرة جديدة ينفذ إليها هذا التنظيم ويكون براءة اكتشاف لـ” وليد” وأداة لتحقيق حلم جديد / قديم. 
التنظيم وبراءة الاكتشاف… استغلال أم سياسة؟! 
ويعرض منصور عددا من أوجه العلاقة السياسية والاجتماعية بين الإنسان والسلطة السياسية والتنظيم السياسي، موجها النقد للجميع وعلى رأسها تنظيمات اليسار التي باتت رغم حاجته إليها سؤال برسم الإجابة، فهو حين يقول لنا انه انتمى لتنظيم يساري سعيا منه لإيجاد عمل ومن ثم وفي فترة الانقلاب كعشيرة جديدة تحميه من المتغيرات التي قد تطال رأسه بأي لحظة ودون سبب، نقرأ حوارا يدور بينه وبين أحد مسؤولي حزبه يسأله فيها عن توجهات التنظيم في هذه الفترة ” الانقلاب” ليجيب ” نحن مع الوحدة” إلا أن هذا الجواب لم يكن مقنعا لـ” وليد” وهو بذلك يبدي موقفا سياسيا وأخلاقيا من موقف هذه التنظيمات

فالوحدة شعار عام وفضفاض وليس برنامجا سياسيا اجتماعيا يقف في وجه عاصفة المتغيرات المتلاحقة والانقسام،” سألت بسذاجة، نحن مع من وضد من بعد أن اقتطع كل طرف قطعة من الوطن وأقام نظامه الخاص، قالوا مع الوحدة.. هل يحتاج هذا إلى سؤال؟ سخروا..!!” 
ليعيد سؤاله مرة أخرى عله يجد إجابة فنراه يصف لنا المشهد بقوله ” ذهبت إلى مسؤول الحزب وممثله في المخيم، أعدت عليه السؤال لكنه لم يتحمل إلحاحي ولم يشأ أن يخاطر بالإجابة..قال بعصبية “رأس التنظيم الكبير قد قطع، شو بدك تسمع مني؟” 
التنظيم الذي تحول إلى سؤال بلا إجابة سيدفعه هذه المرة إلى الهروب تحت الأرض، لتكون أنفاق غزة أو الدولة الجديدة تحت الأرض ملجأه من الفقر وهروبه الجديد.
ويذهب منصور إلى نقد آخر ولتوجهات أخرى، فهو وفي ظل التيه الذي يعيشه بعد أن أعلن عن اسمه كأحد المطلوبين للسلطة الجديدة، سيجده تنظيم إسلامي هذه المرة يطلب منه اكتشاف ثغرة جديدة في البحر، ولو تمعن القارئ في هيكلية أي تنظيم سيجد أن التخطيط لعمل عسكري أو أمني ليس عملا عاما بقدر ما هو خصوصية سرية يفرض على هذا التنظيم أو ذاك أمنا حديديا فلماذا طلب من ” وليد” أن يشترك في هذا العمل لتنظيم لا ينتمي إليه؟ لعل الراوي أراد أن يصف لنا الحالة الأخلاقية في القطاع من منظور آخر فالاستغلال وصل إلى أن يكون وسيلة وأداة في العمل العسكري ضد الاحتلال، وإشراك ” وليد” في عمل كهذا لم يكن إلا من باب جعله طعما إن نجا فقد استفاد منه التنظيم وإن قتل أو أسر فلن يخسر التنظيم أحد أعضاءه.
العودة سلك آخر
في كل مرة يعبر فيها السلك، قبل وبعد أن يعبر، نجده في مواجهة والده الذي يريد العودة إلى مدينته الذي هجر منها لكنه لا يريد أن يعود طريدا ولاجئا جديدا، وعلى الرغم من مخاوف الأم التي تخشى على ابنها الاعتقال أو القتل نجد إن معارضة الوالد لعبور ابنه هي معارضة سياسية أكثر منها تخوفا، فهو لا يردي العودة بهذه الطريقة وإنما عودة حقيقية.
ويحيلنا الراوي إلى جو درامي مشحون بالذاكرة والألم والحنين، عبر روايات والده عن أبيه عن سكان المدينة، وأحداث لم يعشها ” وليد” ولكنها ستعيشه في كل فترة زمنية وفي كل التفاتة.
ويأتي هروب وليد من القطاع للعوامل التي ذكرناها سابقا مضافا إليها ذاكرة والده، وهو ليس هروبا من الذاكرة بقدر ما هو هروب من سلك آخر أورثه إياه والده عن أبيه، لا يجد له بطل الرواية مخرجا.

قد يجد القارئ أن ” وليد قد مل قصص والده وذكرياته، إلا أنه سيتفاجأ كما تفاجأ وليد بنفسه عندما دخل عسقلان عاملا أنه يتتبع روايات أبيه، ويعيشها بتفاصيلها، ويتخيلها كما لو أنه عاشها.
وفي ظل المواجهة الدائمة بينه وبين والده سيجد الاثنان أنفسهما غريبان عن بعضهما البعض لا لغة تجمعهما وينسحب هذا الإحساس على المشاهد الدرامية التي يصورها الكاتب حتى وفاة الوالد اللحظة التي يجد وليد نفسه يتمنى لو أنه كان يمتلك يقين أبيه.
اليقين نتيجة وليس سببا
إذا كان يقيننا بالأشياء والأفكار والأحلام هو ما يدفعنا للسعي نحوها ولتحمل الأعباء في سبيلها فإنها في رواية السلك تأخذ شكلا آخرا، فيقين الوالد الذي تمنى ” وليد” لو أنه يمتلكه جاء في أشد الحالات سوءا، فرغم هربه المتكرر حتى من الذاكرة سيجد أن لا حل له سوى هذا اليقين وحلم أبيه.
اليقين والاندماج بالنقيض
كما أن هذا اليقين ينسحب على شخصية نتالي الفتاة الفلسطينية من طولكرم التي تؤجر العمال الغزيين مساكنا للعمل بعد اتفاقية أوسلو، وهي ” ناتي” كما يريد أن يسميها أبيها الذي يحلم بالاندماج ” بالدولة العبرية” وعبر علاقة حب بينه وبين نتالي التي تدرس في الجامعة العبرية وتتقن اللغة العبرية واتخذت لها حبيبا يهوديا / إسرائيليا يكشف لنا عن صعوبة هذا الاندماج فهي لم تترك حبيبها لأنها اكتشفت أنه قاتل أطفال فقط ولكن لأنها بعد سنوات الاندماج أيقنت ذلك فتراه يقول على لسانها ” كانت نتالي تعتقد أن الحياة والاندماج هو أن تتكلم العبرية، قالت: ” إنك لما تتكلم عبري، لازم تلبس عبري وتوكل عبري وتفتح رجليك بالعبري، وكل هذا حتى تعرف في النهاية أنك لن تكون أبداً جزءاً من هذه اللغة.

“
غزة الانفجار أو الانتحار 
لم يكن لوصف عصمت منصور أوضاع غزة بعدا روائيا في تصوير الحالة الإنسانية والاجتماعية والسياسية فقط، إنما يذهب إلى عدد من التنبؤات التي هي بالأصل واضحة للعيان لكنه متفائل بها أكثر من غيره، فوصفه الدائم للعلاقة المرتجلة بين غزة والبحر، والخزان البشري الهائل، سيجعل منها مؤهلة للانفجار بأية لحظة، ان كان في وجه سلطة أبنائها أو الاحتلال، فنراه يحدد حل أزمة الخزان البشري الهائل بيقين أبيه وحلم عودته كما يتنبأ لمن لا يزال يعيش في حلم الاندماج بانهيار الحلم، لكنه لم يكن بهذه الرومانسية فقط فمن ضمن الأسباب التي حددها لهذا الانفجار المتوقع، هو رغبة البعض في الانتحار عوضا عن الانتظار، وهو ليس انتحارا متعمدا ولكنه يصور لنا ” تيم” صديقه الذي كان يخوض ” حرب عقول” مع مصممي السلك الالكتروني أثناء تهريبه للعمال من خلاله، يخوض مواجهة مع سلطة حماس عند السلك محاولا اختراقه، ” تيم” الذي كان يعرف نتيجة هذه التجربة قامر بحياته للخروج من الخزان وسقط قتيلا.
الأنفاق دولة أخرى وطبقة مستحدثة
انقسمت الدولة الجديدة في غزة إلي قسمين تحت الأرض وفوقها، ولكل منهما سياسة وتقاليد خاصة، فلقد باتت الأنفاق جزءا لا يتجزأ من طبيعة الحياة الغزية

وهي وإن كنا نجد لها مبررا في تخفيف وطأة الحصار وأثناء المقاومة، إلا أن الراوي يصف لنا قصصا أخرى تتعدى هذه الرومانسية إلى استغلال لفقر القطاع ومحاولات سيطرة اقتصادية واجتماعية، تصل إلى حد الاستهتار بحياة البشر – العاملين بالأنفاق- وقد أفرد الراوي مساحة كبيرة لهذه الفكرة عبر شرحها بتفاصيلها كافة عبر روايات دونها من أصحابها في المعتقل الإسرائيلي، حيث لم يكتفي بالحديث العام عن الأنفاق بل ذهب إلى رسم الحياة تحت الأرض بتفاصيلها عبر سرد درامي مشوق، ولا أعتقد أن هناك من سبقه إلى سرد هذه الحياة أدبيا قبلا وهو ما يحسب له في هذه الرواية.
فنجده يقول عن هذه الحياة الأخرى” إن الأنفاق التي تنخر الأرض الرملية في رفح على جانبي الحدود، خلقت حولها حياتها الخاصة، قوانينها، إيقاعها وترتيبها ولغتها التي لا تميزها عن ما عداها فقط، بل جعلتها تمسك بأطراف أصابعها الخفية غير المرئية، وبعرض خيوط وأذرع تمتد من تحت الرمال الحارة لتطال وتطوّق حياة القطاع بأكلمها، وتهب القوة والنفوذ لمن يتحكم بها ويسيطر عليها .. لتنشأ طبقة جديدة.. غريبة ومستحدثة.

“
من حنا مينا إلى القعيد مدرس آخر
لم يميز أدب حنا مينا – بنظرنا- موضوعة البحر فقط ونضالات أبطال رواياته فيه وضده ومعه، بل يكمن تميز هذه الروايات بالشخصية الأثيرة الدائمة وهي الأستاذ، المعلم، الذي يرافق البطل في مراحل توجهاته الأولى ليصيغ بعضا من فكره وتوجهه، حتى وإن كان هذا البطل ” وحشا” لا يقرأ ولا يكتب، قتظهر هذه الشخصية في ظل الاحتلال الفرنسي لتؤنسن الوحش باتجاه حقوقه ودوره، ويبدو أن هذه الميزة اليسارية في التوجه قد انسحب بعضا منها على رواية ” السلك” بشخصية عامة غير يسارية ترافق البطل في مراحل مختلفة وهي شخصية المدرس الغزي ” عبدالله القعيد” أستاذ التاريخ الذي تشله رصاصة الأخوة فيما يشبه حربا أهلية أفضت إلى انقلاب / انقسام /حسم عسكري.
وعبدالله القعيد ليس مدرس القرية كما الروايات والأعمال الدرامية القديمة، فهو ليس مبشرا بتغيير ثوري ورومانسية مبدئية ينظر لها، لكنه نبض يتحرك على دولابين مطاطيين، يستنطق التاريخ في كل لحظة ليوازي بين سقوط بغداد والحالة الفلسطينية، ويحذر من أخطار قادمة.
ويعتبر ” القعيد” في سياق الرواية قيمة تاريخية وشعبية، فهو بطل بلا سيف أو معارك، وهو المتنبئ في كل مرحلة، ونراه في مرحلة ما ينبئ ” وليد” عن حالة الانفجار التي يتنبأ بها الراوي لكنه انفجار سلبي فيقول لـ ” وليد” الذي أطلعه على نيته مغادرة القطاع بعد الأمر التنظيمي في اكتشاف ثغرة جديدة” لن يبقى على أرض هذا القطاع إذا ما نجحت محاولاتك أحد سوى المعقدين، وأصحاب الذقون الطويلة التي تنبت فجأة!”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة