المفاوضات : عودة الى الكونفدراليه

 

الرابط : سياسة واخبار (::::)

د. عادل محمد عايش الأسطل – فلسطين المحتله (::::)

برغم نجاح وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” خلال جولته الأخيرة للمنطقة، في حصوله على موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى استئناف المفاوضات المباشرة فيما بينهما، إلاّ أنه سرعان ما تبيّن أنه لم يشهد لاستئنافها وعلى المستويين، إلاّ العروس ونفر من أقاربها.

رسخت في أذهان الفلسطينيين طوال الفترة الماضية في شأن العودة إلى المفاوضات المباشرة، بأنها لن تتم إلاّ عند تلبية شروط القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها وقف كافة المشاريع الاستيطانية سواء في الضفة الغربية أو مدينة القدس الشرقية، وإطلاق سراح (جميع)أسرى ما قبل أوسلو، إضافةً إلى التأكيد على مطالب تتصل بمرجعية ذات أجندة ضامنة ومحددة، التي من شأنها أن تخلق محفزات ودوافع جيدة وأن تجعل العودة إلى المفاوضات أمراً مرغوب فيه.

القيادة الفلسطينية كانت لا تنوي تغيير قرارها الاستراتيجي نحو الامتناع عن كل تفاوض حقيقي مع إسرائيل، لأنه بغير قبول الأخيرة لتلك الاشتراطات، فسيكون من الصعب التفكير في العودة إلى التفاوض معها. وقد جرى التأكيد على القرار، قبل وبعد تسلّم الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” لفترته الرئاسية الثانية، وزيارته لكلٍ من القدس المحتلة ورام الله أواخر مارس/آذار من العام الجاري، حيث لم يخرج بشيء من طرف القيادة التي بقيت مصممة على شروطها، مضافاً إليها جولات “كيري” الست، التي أعقبت تلك الزيارة.

كانت هناك صدمة، للذين كانوا يأملون في ثبات القيادة الفلسطينية على نهجها الرافض لكل الالتفافات السياسية والشكلية والاقتصادية، بعد أن تبيّن لهم بأن القيادة تخلّت ومن غير ضرورة عن إصرارها البقاء على شروطها، وبدت أكثر مرونة، متأثرة بالضغوطات الأمريكية بضرورة تحريك العجلة التفاوضية، وبالمرغّبات الأوروبية التي اتخذت قرارها ضد التعامل مع الاستيطان، حيث أن المرء اعتبر بأن كل الاشتراطات الواردة، كانت في إطار القرارات التكتيكية فقط، حينما وافقت على العودة للمفاوضات وإن كانت تحت مبررات ومسميات أخرى، لكنها بالإضافة إلى أنها غير مبررة فإنها تبدو لديهم غير موفقة أيضاً. ربما الحسنة الواضحة في كل هذه الهلمّة، هي إطلاق بعض الأسرى ممن هم ما قبل أوسلو، حيث اعتُبرت إنجازاً يدعو إلى التفاؤل ويطرح الفرح بين الفلسطينيين. حتى أن الرئيس “أبومازن” ذكّر الفلسطينيين بأنه قال لهم ذات مرة، بأن المفاوضات لها جدوى.

بالمقابل وبالتأكيد، فقد اعتبر الإسرائيليون ذلك إنجازاً لهم، باعتبار الإقدام على هذه الخطوة، ثمناً وجب تقديمه لأجل تليين الموقف الفلسطيني نحو العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات، لا سيما وأن هؤلاء الأسرى المنوي إطلاقهم بغض النظر عن أن (أيديهم ملطخة بالدماء) وتحذير رئيس الشاباك “يورام كوهين” من الإفراج عنهم، فإن أدوارهم قد انتهت الآن، لا سيما وأن قيادتهم التي قامت بإرسالهم ليقوموا بأفعالهم، هم من تحدث ويتحدث الإسرائيليون معها الآن، وهي تميل إلى فعل السلام مع إسرائيل، وأن إسرائيل ليست بحاجة حتى إلى متابعتهم، بالإضافة إلى أن مهمة إطلاقهم مرتبط بسير العملية التفاوضية – وسيلة للابتزاز السياسي- أي على دفعات وعندما يستوجب الأمر تنفيذ مثل ذلك الإجراء.

وفي خضم هذه الضبابية من جانب، وعدم الثقة وتعليق الآمال نحو التوصل إلى حل وفق صيغة “كيري” حتى إلى ما بعد التسعة أشهر التي تم تحديدها- وهي قابلة للتمديد حسب الحاجة والتطورات- من قِبل العديد من الأحزاب والتنظيمات والحركات الفلسطينية في الوطن والشتات، بعد أن لقيت تلك النقلة، رفض أغلبية ساحقة من أعضاء اللجنة التنفيذية خلال اجتماعها الأخير، بسبب أن الصيغة المطروحة لا توفر أساساً مناسباً للذهاب إلى المفاوضات.

بالإضافة إلى ما سبق فإن عدم الارتياح المعلن لدى الفصائل والتنظيمات، جاء كنتيجة مباشرة في أعقاب بروز أفكاراً وتكهنات متواترة بالرغم من إنكارها إلى هذا الوقت، باتجاه العملية التفاوضية برمتها نحو الكونفدرالية مع المملكة الأردنية، وذلك بعد تقديم تنازلات فلسطينية في قضايا جوهرية أخرى، حيث تتخلّى بموجبها القيادة الفلسطينية عن قرارات دولية لا سيما في مسألة الجدار العنصري، وعودة اللاجئين وترك أراضٍ للإسرائيليين لمواصلة الاستيطان عليها، وهذه بدى استثمارها منذ الإعلان عن بدء المفاوضات، خاصةً بشأن الجدار كحدود أمنية دائمة، ومواصلة بناء مدن استيطانية توسعية جديدة.

كما يبدو فإن القيادة الفلسطينية قد وصلت إلى سن اليأس في شأن حل الدولتين، حيث تراه يتآكل مع مرور الزمن، بالنظر إلى الوقائع الجارية على الأرض والواقعين العربي والدولي العاجزين عن فعل الشيء الكثير بالنسبة للقضية الفلسطينية، ما جعلها أقرب إلى القبول بكونفدرالية بعد إجراءات ستبدو مقبولة للفلسطينيين بعد فترة. لا سيما وأن من المعلوم أن الفكرة (النظرية) كما يتخيلها غير الإسرائيليين والفلسطينيين بوجهٍ خاص، والتي تعني (مخطط الدولتين) هي على أرض الواقع سيختلف معناها باليقين، بحيث لن يتم بهذه السهولة إنشاء دولة فلسطينية في الوقت والصورة كما يقصدهما أولئك الآملين.

بالنسبة إلى الإسرائيليين، فإن المحاولة باتجاه الدفع نحو الكونفدرالية، فهي ستنجيهم من وجهة نظرهم من عذابين أليمين. الأول، عذاب حل الدولتين وإن كانت الدولة الفلسطينية (مسخاً) في البداية ولكن لا أحد يستطيع ضمان المستقبل، لا سيما وأن الإسرائيليين يأخذون أي حديث فلسطيني مأخذ الجد وإن على سبيل المزاح، أو بسبب زلّة لسان. حيث قاموا بالتعليق على قول القيادي “جبريل الرجوب” بأن فلسطين هي من النهر إلى البحر وعاقبوه على ذلك. وأمّا العذاب الثاني، وهو عودة التعلّق باتجاه الدولة الواحدة وهو العذاب الأكثر إيلاماً للإسرائيليين حيث نهاية الصهيونية واليهودية معاً.

ليس هناك أي تعليق حول ما بدى أنها تخوّفات إسرائيلية فيما إذا نجحت المفاوضات أو فشلت، وحتى عند وضع الكونفدرالية جانباً، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتانياهو” لا يبدو حتى الآن مغفلاً إلى الدرجة التي نظن، حيث أعلن بأن سياسة حكومته واضحة، والمبنيّة على فكرة إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، على أساس دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بالدولة اليهودية إلى جانب ترتيبات أمنية وثيقة لإسرائيل, ولا يوجد أي تجديد في هذه الصيغة. كما تم من خلال اللجوء إلى العودة للمفاوضات على هذه الشاكلة، هو كسب المزيد من الوقت لتنفيذ سياساته الاستيطانية من ناحية، ومن أخرى تحقيق مطلب نسف إمكانية توجه القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة ضد إسرائيل مدة عامٍ أو أكثر. ثم أعلن في النهاية، بأن هناك قانوناً سيجعل أيّة حلول مع الفلسطينيين خاضعة لاستفتاء الشعب الإسرائيلي، وهو أمر معجز في ظل حكم (ديني متشدد) متمدد أفقياً ومتصاعد أكثر عمودياً.

من المؤكد أن “كيري” سيستمر في هذه الأثناء في جهوده ليدفع الى الأمام بكل سبيل ممكنة لإيجاد تفاهمات، لكن احتمالات نجاحه خاصةً فيما يتعلق بشأن (حل الدولتين)لا تبدو الآن وردية على نحو مميز. وقد تكون جهوده مثمرة أكثر نحو الكونفدرالية لا سيما وأن نجاحه نبع من المملكة منذ البداية. خانيونس/فلسطين

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة