بديل المفاوضات العبثيه

 

الرابط : دراسات (::::)

هاني المصري (::::)

يعتقد أنصارُ خيار “المفاوضات حياة” أنّها الأسلوب الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنيّة، وأنّهم قادرون على إفحام مجادليهم من خلال الادّعاء بعدم وجود بديل عملي غير شعاراتي من خيار المفاوضات، وبالتالي – على حد زعمهم – لا بديل من هذا الخيار بالرغم من علّاته ومخاطره.

ويرددون إنّ الاستيطان مستمر سواء كانت هناك مفاوضات أم لا، والمفاوضات تستطيع أن تحقق إبقاء القضيّة حيّة، والاهتمام الدولي بها، ومواصلة الدعم الأميركي والدولي، فالمليارات الأربعة التي وعد بها كيري “على الطريق”. ويواصلون سرد حججهم بترديد الوهم باحتمال قيام الإدارة الأميركيّة وأوروبا والمجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل ما دامت هناك مفاوضات، فلا يكفيهم أكثر من عشرين عامًا من المفاوضات التي تعرض فيها للضغط الجانب الفلسطيني وليس الإسرائيلي، ويتجاهلون مصير الاتفاقات مع إسرائيل على بؤسها التي لم تطبق معظم التزاماتها فيها، ومصير الوعود والضمانات الأميركيّة التي نكثت من الرؤساء الأميركيين بلا حياء، كما يتجاهلون الفرق بين استيطان بغطاء من عمليّة سياسيّة يشارك فيها الفلسطينيون، ويهبط سقفها السياسي باستمرار، وبما يمنحه الشرعيّة، واستيطان يقاومه الفلسطينيون بكل ما يستطيعون من قوة.

وإذا لم ينجح أنصار هذا الخيار بحصول الضغط على إسرائيل فإنهم يتأملون بأن العالم وأميركا سيتفهمون لجوء الفلسطينيين إلى خيارات جديدة، بما فيها استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة، ومقاطعة إسرائيل والسعي لعزلها، وفرض العقوبات عليها، وإعطاء الأولويّة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة، وتعزيز مقومات الصمود والتواجد البشري الفلسطيني على أرض فلسطين، وتنظيم مقاومة شاملة للاحتلال، واستعادة البعد العربي والتحرري والإنساني للقضيّة الفلسطينيّة، مع أن التجربة أثبتت عكس ذلك، فالفلسطينيون هم الذين يلامون في كل مرة ويتلقون الضغط، وتذهب إسرائيل بالإبل.

إن خيار المفاوضات العبثيّة (لأن ليس كل مفاوضات خاطئة وعبثيّة) ليس وجهة نظر فقط، وإنما ترتب عليه اتفاقات والتزامات سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة، وأوجد نظامًا سياسيًّا هو “سلطة حكم ذاتي محدود” تحت الاحتلال، وترتب عليه أيضًا إصدار وإيجاد شبكة من القوانين والسياسات والأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة نما فيها أفراد وشرائح داخل السلطة وخارجها، التي أصبح لها ثروة ونفوذ كبيرين بفضل اتفاق أوسلو، فلذا من مصلحتها استمراره، ولو من جانب واحد بعد تخلي إسرائيل عن التزاماتها فيه.

على هذه الخلفيّة، نلاحظ أن موازنة السلطة ومخططاتها للمشاريع السابقة واللاحقة تصب في مصالح تلك الشرائح المستفيدة التي ستقاوم أي تغيير، وتدفع إلى استمرار اتفاق أوسلو والتزاماته، خصوصًا اعتماد المفاوضات الثنائيّة كأسلوب وحيد، ووقف المقاومة ونبذها، والتخلي عن جميع أشكال المجابهة الحقيقيّة والمستدامة التي من دونها لا يمكن إنهاء الاحتلال وتحقيق أي هدف من الأهداف الفلسطينيّة.

في هذا السياق فقط يمكن تفسير: لماذا تصر السلطة على التمسك بالتزاماتها في اتفاق أوسلو بالرغم من الكارثة التي أوصل الفلسطينيين إليها، خصوصًا التنسيق الأمني الذي بفضله لا تقل نسبة الأمن في موازنات السلطة عن 30%؟ ولماذا يتم إهمال الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والمشاريع الإنتاجيّة، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة القادرة على الصمود في ظل المجابهة المفترض أن تكون مستمرة مع الاحتلال؟. وبدلًا من ذلك يتم التركيز على المشاريع في الخدمات والسياحة والعقارات والمدن الصناعيّة، التي تزيد الارتباط الفلسطيني بإسرائيل، وتشجع التطبيع معها بكل أشكاله، وتكون عائقًا أمام تنظيم مقاومة شاملة الآن أو في المستقبل.

وعندما تقوم القيادة الفلسطينيّة بخطوات جيدة، مثل إصدار الفتوى القانونيّة لمحكمة لاهاي، وتقرير غولدستون، والتوجه إلى الأمم المتحدة والحصول على الدولة المراقبة، واعتماد المقاومة الشعبيّة، وتفعيل ملف المصالحة؛ فإنها تفعل ذلك متأخرة وبشكل جزئي وانتقائي وتكتيكي، ويكون الهدف ليس شق مسار سياسي جديد، وإنما الضغط لاستئناف المفاوضات أو تحسين شروطها، وبالتالي يتم التوقف عن مواصلة هذه الخطوات، ولا تُعطى الأولويّة ولا الإمكانيات المناسبة، ويتم التخلي عنها إذا استؤنفت المفاوضات أو إذا مورست على سلطة أوسلو عقوبات أو تم تهديدها بعقوبات، لذلك يتم إهدار هذه الإنجازات، والدليل واضح للعيان: أين فتوى لاهاي وتقرير غولدستون، وأين استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة ومقاطعة الاستيطان، وأين المقاومة الشعبيّة والوحدة الوطنيّة، وأين المجابهة الحقيقيّة التي من دونها لا يمكن تغيير موازين القوى وإنهاء الاحتلال؟!

هناك خيار بديل من المفاوضات يمكن أن تكون النقاط الآتيّة من أبرز علاماته: •التركيز أولًا على جمع أوراق القوة والضغط الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة حتى يذهب المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات مسلحًا وليس ضعيفًا يعاني من حالة الانقسام والإحباط، وهذا يتطلب تبني إستراتيجيّة مقاومة تزرع حتى تستطيع المفاوضات الحصاد. •يمكن الجمع لأسباب اضطراريّة واستثنائيّة وتكتيكيّة بين المفاوضات والمقاومة، بحيث يمكن استكمال الذهاب إلى الأمم المتحدة في نفس الوقت الذي يتم فيه استئناف المفاوضات، على أن تكون المفاوضات في هذه الحالة اعتراضيّة، ولكسب الوقت اللازم لبناء مقومات إستراتيجيّة جديدة. •استناد مرجعيّة أي مفاوضات قادمة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بحيث يكون هدف المفاوضات تطبيق هذه القرارات، وليس التفاوض حولها، ومن ضمنها قرار الاعتراف بدولة فلسطينيّة على حدود 1967، بما فيها القدس. •إغلاق ملف العودة إلى المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة انفراديّة وشاهد زور اسمه “اللجنة الرباعيّة الدوليّة”، والإصرار على عقد المفاوضات متعددة الأطراف في إطار مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، يوفر الضمانات الضروريّة لكي تكون مفاوضات جادّة، وبما يؤمن آليّة ملزمة لتطبيق ما يتم الاتفاق عليه خلال جدول زمني قصير. •استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة بتوقيع الاتفاقيات الدوليّة، والانضمام إلى الوكالات الدوليّة، بما فيها محكمة الجنايات الدوليّة، ضمن خطة متدرجة؛ لما يتيحه هذا التوجه من مزايا سياسيّة وقانونيّة وأخلاقيّة يمكن أن تحسن من ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل، وتعيد الصراع إلى طبيعته الأصليّة بوصفه صراعًا بين الاحتلال وشعب واقع تحت الاحتلال. •تفعيل الفتوى القانونيّة لمحكمة لاهاي وتقرير غولدستون وجميع الاتفاقيات والقرارات الدوليّة، وخصوصًا قرار الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كـ”دولة مراقبة”، بحيث يفترض التعامل في كل الجوانب على هذا الأساس، وليس التصرف بعده وكأنه لم يكن، والسعي للحصول على اعتراف كامل بهذه الدولة. •عدم الاعتراف عمليًّا باتفاق أوسلو والتحرر التدريجي من التزاماته، والتصرف على هذا الأساس من دون إعلان إلغاء رسمي له، تمامًا كما فعلت إسرائيل، حيث أجهزت عليه منذ زمن بعيد لكنها لم تدفنه؛ حتى لا تتحمل أمام العالم كله المسؤوليّة عن ذلك. •إعطاء الأولويّة لإعادة إحياء المشروع الوطني ووحدة الشعب والقضيّة والأرض، بما يعنيه ذلك من بلورة ميثاق وطني جديد يحفظ الحقوق الوطنيّة الأساسيّة، ويجسد القواسم المشتركة التي تجمع شعبنا، وقواعد العمل التي تحكم منظّماته ومؤسساته الوطنيّة والمدنيّة، وبلورة برنامج سياسي يستند إلى هذا الميثاق الوطني ويتمتع بالجمع بين الحفاظ على الحقوق وحريّة الحركة السياسيّة الفاعلة، بحيث ينطلق من الاعتراف بالواقع، ولكن من أجل تغييره لا تكريسه. •إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير بحيث تضم الجميع، أو تفعيلها وتطويرها وإصلاحها بشكل شامل إذا تعذر إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي بوصفها أداة من أدوات المنظمة وتغيير شكلها والتزاماتها ووظائفها، بحيث تخدم المشروع الوطني ولا تبقى وكيلًا أمنيًا للاحتلال.

إن هذه الخطوات ضروريّة حتى لا تؤدي المجابهة المحتملة إلى انهيار السلطة أو حلها من إسرائيل، وإلى وجود حالة فراغ، بحيث تسد المنظمة وما تقيمه من مؤسسات وتشكيلات هذا الفراغ. •العمل من أجل الاستناد إلى الديمقراطيّة على كافة المستويات والمجالات القطاعيّة والمحليّة والنقابيّة والسياسيّة، على اعتبار أن الانتخابات الدوريّة المنتظمة تعبيرٌ عن أنّ الشعب وحده هو مصدر السلطات، على أساس أن تكون جزءًا من معركة الشعب الفلسطيني ضد طمس قضيته وهويته ودوره، ومن دون ذلك تكون الانتخابات شكلًا من أشكال حسم الصراع الداخلي وتعزيز الانقسام، وتضفي الشرعيّة على الاحتلال والتعايش معه. •توفير عوامل الصمود والتواجد الشعبي الفلسطيني على أرض فلسطين، وتنظيم مقاومة شاملة للاحتلال يساهم فيها جميع تجمعات الشعب الفلسطيني، بحيث يقوم كل تجمع باختيار أشكال النضال الملائمة لظروفه وخصائصه، فما هو مناسب في غزة قد لا يكون مناسبًا للضفة و48 والخارج، ولكن جميع هذه النضالات بكل أشكالها لا بد أن تصبّ في مجرى واحد من خلال قيادة واحدة ومؤسسة واحدة وبرنامج واحد؛ بهدف تحقيق الأهداف الفلسطينيّة المتمثلة أساسًا في هزيمة وتفكيك المشروع الصهيوني الاستعماري الإجلائي العنصري، وإنهاء الاحتلال، وحق العودة، وتقرير المصير، والمساواة، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الفرديّة والعامة داخل الوطن المحتل وخارجه إلى حين إنجاز أهدافه الوطنيّة وممارسة سيادته على أرض وطنه. •استعادة البعد العربي (خاصة الشعبي) للقضيّة الفلسطينيّة، خصوصًا في مرحلة الزلازل العربيّة التي بالرغم من كل ما عليها وما تسببه من أضرار للقضيّة الفلسطينيّة؛ إلا أنها أفرزت واقعًا جديدًا وقيمًا جديدة ستغير في نهاية المطاف وجه المنطقة العربيّة، أهمها: شعور المواطن العربي بأهميّة دوره وقدرته على التغيير، وأن الديمقراطيّة ليست ترفًا ولا اختراعًا غربيًا، وإنما هي أحد شروط التقدم والتنمية والعدالة والتحرر الوطني والاستقلال الحقيقي.

•تطوير حركة التضامن الدولي وتعزيز دورها في مقاطعة إسرائيل سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وأكاديميًّا.

[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة