شخير القرود

 

الرابط : القصة (::::)

بقلم: وليد رباح (::::)

انت تنام في امان الله على سرير قرب زوجتك.. يعلو شخيرها حتى تخال ان انقلابا عسكريا قد وقع في دولة عربية.. وذاك خرير الدبابات وقعقعتها.. اما نفحة الزفير فانها قد تعني البيان الاول في اذاعة عربية تتحدث عن الحياة الجديدة بعد ذلك الانقلاب.

 

تخزها باصبعك (الوسطى..لا مؤاخذه) مرات ومرات لكي تصحو.. تعدل من نومها وتسوي مخدتها.. تقول لك بالعامية الفصحى (ها) ثم تنام ثانية.. يعلو الشخير حتى يتحول الى مطارق تدق رأسك وتمنعك من النوم.. وفي غمرة الارق تتمنى من الله ان تتحول الى قرد في غمضة عين بدلا من كونك انسانا.. فاناث القرود لا تشخر الا بالقدر الذي تكون وجبتها دسمه.. اما زوجتك فانها ان نامت (شخرت) مع التشديد على وجود الراء.. وان جلست شخرت.. ان تحدثت شخرت وان ذهبت الى الحمام شخرت.. وكل ذلك غير الشخرة الغزاوية او الخليلية التي نعرفها في فلسطين.

 

تغوص في الذكرى يوم تزوجها فقد كانت زينة الدنيا.. وكنت انت زينة الرجال.. ولكنها اليوم بالثوب البالي كومة من (زجاجات الحليب) الطازجة التي تطعم الاطفال واحدا اثر الاخر.. وانت.. انت الذي طوقت الدنيا بذراعيك يوم كنت يافعا غدوت كيسا من الخيش المحشو بالملابس المطحونة من كل صنف ولون

 

. وفي غمرة ما يدور في رأسك.. تنهض من على السرير وتنظر في المرآة.. يبدأ الشعر بالبروز فوق جبينك.. ثم يمتد الى كل انحاء وجهك البشع.. تطول يداك وتقصر رجلاك.. وتتكور اليتك مثل الدائرة التي تخلو من الوسامة.. ثم يبدأ الاحمرار بالزحف اليها (الى اليتك) فتتأكد ان الله قد حولك قردا في هذه الساعة (المباركة). تقفز فوق جهاز التلفاز والاطفال نيام.. ثم تتشعلق فوق خزانة الملابس.. ثم تخرج (فارعا دارعا) الى شجرة الكستناء في حديقة منزلك .. تتشعلقها.. ترقص على اغصانها.. تتنقل من غصن الى آخر دون ان تستمع الى تعليقات زوجتك.. فهي لا تزال نائمه.. تقضي وقتا (ممتعا) مع النوم والشخير.. ثم يلسعك البرد فتعود ادراجك الى البيت وانت تدعو الله ان لا يفيق الاولاد قبل ان يعيدك الله سيرتك الاولى.

 

يبدأ بصيص الضوء بالبزوغ .. تفكر ان تذهب للصلاة ولكن الناس في المسجد سوف ينظرون اليك باستغراب.. تأتيك لمحات الفكر بان تذهب الى ساحة المسجد في المدينة كي تشرب السحلب المعمم بجوز الهند المبشور.. لكنك تعدل عن ذلك.. اذ سيلقى صاحب السحلب ابريقه فوق رأسك وانت (تتنطط) الى جانبه مثل …. القرود!! تفكر ان تقسو على زوجتك ثانية وتحاول ان توفظها كي تعدل نومها .. فقد علا الشخير حتى قرب جسدك على الاهتراء.. وبات تحولك الى شمبانزي اقرب اليك من حبل الوريد..

 

و الشمبانزي لمن لا يعرف اعلى من القرود بدرجة واحده.. تعدل عن ذلك لانها سوف ترفع جهاز الهاتف فورا وتتحدث الى جاراتها وصديقاتها فرحة بان زوجها قد تحول الى قرد من نوع (البابون) تفتش في خزانة ملابسك عن (كلسون) طويل عريض لكي يخفي اليتك الحمراء عن انظار الاطفال و الناس معا.. ولكنك تكتشف ان اولادك الكبار منهم قد استخدموا كل (كلاسينك) ولا يوجد ما يمكن ان ( تنتعله) سوى شروال ابيك الذي تركه هدية للذكرى قبل وفاته.

 

تفكر ان (تتحجب) بان تلبس ما يغطي رأسك وجسدك ويخفي الشعر الذي يبرز من كل انحاء جسمك مثل وبر الجمال و شعر (التيوس) لكنك لا تجد ما تلبسه.. فذلك يقتضي ان تفصل شيئا يمكن ان يوائم مقاسك الذي اصبح مختلفا عن ذي قبل. تجلس في مطبخ بيتك لتحتسي كأسا من الشاي.. ( وتلحس) بعض العسل بعد ان نضب العسل (البيتي) وافسده الشخير.. ثم تكتشف ان نفسك تطلب بعض (الموز) المكدس في ثلاجة المطبخ.. فتتأكد فعلا انك تحولت الى قرد لانك فيما سبق لم تذق للموز طعما.. فانت لا تحبه اصلا. تقشر (اصبع الموز) تأكد القشرة ثم ترمي اللب الى صفيحة الزباله.. تدرك انك تحولت الى خاروف بالاضافة الى كونك قردا.. تصرخ.. تزأر.. تنادي.. لكن صوتك لا يتجاوز حنجرتك.. تظل على حالك وانت مكتئب متقزز.. ثم تكتشف فجأة ان القرد خيرا من الانسان.. فالقرد له ميزة رائعة في الصمت ولا يتحدث الا بهمهمة لا يفهمها أحد ..

ولكن الانسان العجيب يرفع عقيرته بالصراخ كلما ضايقه احد.. وبين الشخير.. والاكتئاب.. والتقزز.. والكستناء.. تدرك ان الدنيا ما زالت بخير.. وان القرد الذي تقبل به سوف يقبل بك ان كنت تطعمه لب الموز لا قشره.. وهكذا تدور الدائرة.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة