من التاريخ السردي الى التاريخ الاشكالي

 

الرابط : الرابط : اصدارات ونقد (::::)

محمد أبر هموش – المغرب (::::) *

“يحتل التاريخ مركز الصدارة في العلوم الإنسانية…، شريطة أن يكون المؤرخ عالما اقتصاديا أولا، وعالما اجتماعيا ثانيا…” (ريمون أرون)

يحتاج التاريخ إلى عمق نظري وترسانة مفاهيمية تفتح سبل الالتقاء بين مختلف المناهج والعلوم الإنسانية. ويرتبط هذا العمق بطرح إشكاليات تمكن من الانتقال من تاريخ سردي تقليدي يكتفي باستعراض الأحداث والظواهر ووصفها، إلى تاريخ يسعى إلى تفسير هذه الأحداث والظواهر، والربط في فهم التاريخ بين الماضي والحاضر. من هذا المنظور يمكن تناول كتاب المؤرخ المغربي محمد حبيدة المهموم بقضايا التاريخ الاجتماعي ومناهجه، الصادر تحت عنوان “من أجل تاريخ إشكالي: ترجمات مختارة”.           يقترح صاحب الكتاب مجموعة من النصوص تهم التوجهات المعاصرة للبحث التاريخي كما تظهره مدرسة الحوليات الفرنسية في القرن العشرين. وتنتظم هذه النصوص في ثلاثة فصول: • الفصل الأول: تداخلات • الفصل الثاني: فضاءات • الفصل الثالث:عقليات وتمثلات

يكشف الفصل الأول عن التداخلات الحاصلة بين التاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى من خلال مجموعة من المقالات، أولها مقالة “من أجل علوم إنسانية متداخلة” لأولفي ديمولين، التي تقارب إشكالا إبستمولوجيا يتمثل في إلغاء الحدود المعرفية والمنهجية بين العلوم الإنسانية. وجاء النص الثاني تحت عنوان “التاريخ والإثنولوجيا” لفرانسوا فوري، يبيّن فيه التكامل الموجود والمفترض بين هذين المجالين المعرفيين، كون أن التاريخ يعمل على جرد الزمن، بينما تقوم الإثنولوجيا بجرد المكان، علما أن تطور البحث التاريخي وانتقاله من الاهتمام بتاريخ الدولة إلى دراسة تاريخ المجتمع هو الذي يسَّر هذا التلاقي الذي أثمر بحوثا هامة في هذا الشأن. وفي نفس السياق جاءت مقالة أندري بورغير بعنوان “الأنثربولوجيا التاريخية”، التي أزالت الستار عن التاريخ المنسي والمسكوت عنه، أي تاريخ اللباس والتغذية وتنظيم العائلة، وذلك بالعلاقة مع البنية الاجتماعية وتأثير الأنساق الثقافية.

ويبدو صاحب الكتاب منطقيا في ترتيب نصوص الفصل الأول حينما ختمه بسيرة المؤرخ الفرنسي فيرناند بروديل “تكويني كمؤرخ” التي يتحدث فيها عن تجربته كمؤرخ في سياق الاحتكاك بمؤسس مدرسة الحوليات لوسيان فيفر، والدور الذي لعبه السجن، من حيث التفكير والتأمل، عندما اعتقله الألمان إبان الحرب العالمية الثانية، في بلورة مفهوم “الزمن الطويل” الذي وظفه بقوة لفهم تاريخ الحوض المتوسط في العصر الحديث.

ويكشف الفصل الثاني عن أهم المجالات التي تدخل في إطار التاريخ الإشكالي، والتي تحمل في ثناياها آفاق المتون التاريخية وتجلياتها المعرفية. وهذه المجالات هي: • “التاريخ المقارن” بقلم جوفري باراكلوغ، الذي يُظهر نقدا مبَطنا لرؤية أرنولد توينبي الدياكرونية التي تبحث عن منحى التاريخ، ويقدم الأمور من منظور تزامني يقارن بين البنى ويكشف عن الاختلافات. • “التاريخ والذاكرة” للمؤرخ الفرنسي بيير نورا الذي خلخل فيه أغوار العلائق بين التاريخ والذاكرة، منتحلا في ذلك صفة مخبر إبستيمولوجي، يسرق النظر في الحدود بين الذاكرة والتاريخ، في زمن أصبحت فيه الذاكرة أكثر تأثيرا من التاريخ. • “التاريخ الشفهي” للباحث فيليب جوتار الذي يبين الدور الكبير الذي لعبته “المدرسة الأمريكية” في ظهور هذا الفرع من التاريخ، خاصة في زمن الثورة التكنولوجية التي جعلت الانسان يسمع ويرى أكثر مما يكتب. • “التاريخ الفوري” لبيرنار بايار الذي رفع الستار عن ممارسة الصحفي والسوسيولوجي لمهنة المؤرخ بطريقة خفية أحيانا، ومعلنة أحيانا أخرى، وأهمية هذا المجال، كونه يعزف على وتر الجدلية بين الماضي والحاضر، بتبني المنظور البروديلي لتعدد الأزمنة.           وتوج محمد حبيدة هذه الاشكاليات “المفاهيمية”في الفصل الثالث “عقليات وتمثلات”، مدرجا مجموعة من المقالات لرواد تاريخ العقليات، أمثال جاك لوغوف، وجاك روفيل، وميشيل فوفيل. هنا يبرز إلى أي حد يضع المؤرخ قفاز عالم الاجتماع وعالم الإناسة وعالم النفس، لأن مجالا كهذا يلتقي فيه التاريخ الاجتماعي بتاريخ الأنساق الثقافية والإحساسات والسلوكيات. وقد مكن هذا المنهج من بتبني مرجع مزدوج، يستحضر السيكولوجيا التاريخية والبنيوية، للكشف عن اللاشعوري الجماعي، الذي يتميز بالضبابية و”الحربائية”، كونه يقع في ملتقى معارف كثيرة. وقد استطاع مؤرخو العقليات تجاوز الطروحات المستهلكة، بالحفر أولا وقبل كل شيء في الصعوبات المنهجية لهذا الموضوع، والتي تتجلى في غموض مفهوم العقليات وضبابيته، والسعي إلى صياغة بؤرة يلتقي فيها الفردي والجماعي، اللاواعي والإرادي، البنيوي والظرفي، الزمن الطويل واليومي. وأمام هذا الجمع الهائل للمواضيع والأزمنة، قاربت هذه المباحث تاريخَ العقليات من خلال الأصوله اللغوية والاصطلاحية، بدءً باللسان العامي ووصولا الى بنى المجتمعات ودراستها كثيمات نفسية.

وقد ارتأى محمد حبيدة ختم مجمعة الترجمي هذا بدراسةٍ للفيلسوف الفرنسي بول ريكور “كتابة التاريخ و تمثل الماضي”، الذي يحمل في ثناياه أسئلة إبستمولوجية، موجهة لتاريخ العقليات. لم يكتف بول ريكور بنقد مفهوم العقلية، بالتركيز على الذاكرة وسياقاتها واستعمالاتها، بل اقترح بديلا مفاهيميا هو التمثل. فبالنسبة إليه التمثل أكثر شمولية ووضوحا من مفهوم العقلية. وقد تأتى له ذلك بفضل اقتناعة بتعدد التفسيرات واختلاف المقاييس ( الميكرو / الماكرو). وصفوة القول، انتصر بول ريكور في نهاية هذا المقال للتاريخ على حساب الذاكرة، بطريقة مقارِنة، فالذاكرة تمتاز باستعراف الماضي كشيء موجود ومنعدم في ذات الوقت، أما التاريخ فيحظى بالقدرة على توسيع النظرة في المكان وفي الزمان، بقوة النقد ضمن تسلسل الشهادة والتفسير والفهم، “لكن يبقى القارئ / المواطن هو المؤهل الوحيد لحسم هذا النقاش”، برأيه.

رغم القيمة المعرفية والمنهجية التي أسدتها مدرسة الحوليات الفرنسية للمتون التاريخية، فإنها لم تسلم  من جملة من الانتقادات، خصوصا في الفترة التي هيمن فيها جيل ثالث من المؤرخين، بعد فيرناند بروديل، عندما تبنى هؤلاء ما يسمى بالتاريخ الجديد، أو تاريخ العقليات، مع جاك لوغوف. لقد خلقت موجة تاريخ العقليات، حسب الدراسة النقدية التي أنجزها فرنسوا دوس تحت عنوان “التاريخ المفتت” انشطارا في الموضوعات التاريخية، إذ تعددت هذه الموضوعات وتجزأت على نحو مفرط، مما أخرج التاريخ عن الهدف الذي رسمه في أواسط القرن العشرين، أي التاريخ البنيوي الشامل الذي يبحث في البنى الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في زمن فيرناند بروديل، حيث امتازت مدرسة الحوليات، حينئذ، “بخفة اليد”، كما يقول عبد الله العروي، فاستحوذت على جميع المفاهيم والمناهج العلمية دون أن تكلف نفسها عناءً في تأطيرها لغويا واصطلاحيا في سياق ما يسمى بنظرية المعرفة.           لقد تمكن محمد حبيدة من فتح جملة من القضايا المنهجية، وخلق حوار إبستيمي، بتناول ثيمات الخطاب التاريخي المعاصر، الذي استحوذت عليه مدرسة الحوليات بدرجة كبيرة في أواسط القرن العشرين، بتجميع العلوم الإنسانية في جوقة واحدة يقودها التاريخ، بالرغم من المكانة الكبيرة للإثنولوجيا، وتألق رائدها كلود ليفي ستروس.

باحث في التاريخ / جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب*

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة