قطر : الربيع الذي نجح

 

الرابط : اراء حرة (::::)
د. عادل محمد عايش الأسطل – فلسطين المحتله (::::)
بنظرة أمريكية خالصة، فقد سجلت خطوة أمير قطر الشيخ “حمد بن خليفة آل ثاني” بشأن التخليّ عن الحكم لصالح ابنه الشيخ “تميم بن حمد” تاريخاً جيداً وفريداً من نوعه، باعتبارها خطوة غير مسبوقة في العالم العربي، لا سيما وأنه ما يزال في سن الشباب -61 عاماً- وقادراً على إدارة دفة الأمور الداخلية والخارجية للبلاد، كونه أبى إلاّ أن يعتزل الحكم لصالح ابنه الشاب -33 عاماً- الذي أكّد بدوره بأنه أبداً لا يريد الحكم لنفسه، ولكن فقط من أجل الوطن. وأعلن من فوره وعلى رؤوس الأشهاد الذين حضروا حفل تسليم السلطة، بأنه حان الوقت لفتح صفحة جديدة يقودها الجيل الجديد. لبدء رحلة جديدة يتحمل خلالها المسؤولية مع أفكاره المتطورة والمبتكرة.
وبنظرة أمريكية أيضاً، فقد كانت لسياسات أمير قطر الشيخ “حمد” منذ توليه السلطة في يونيو 1995، الجانب الأكبر في تغيير وجه قطر حيث حولتها الى دولة حديثة، من خلال العمل على تحسين صورتها في العالم واستطاع جلب الأدوار الرئيسية في عددٍ من القضايا والسياسات الاقتصادية الإقليمية والدولية الهامة، وخاصةً تلك التي تتصدرها الولايات المتحدة والدول الغربية بشكلً عام.
لقد شكّل الشيخ “حمد” النموذج الأمثل بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وكان الأكثر اعتدالاً بين الملوك والرؤساء العرب الذين تعتبرهم الولايات المتحدة يمكثون لديها في مربع الاعتدال. ولا شك فإن الصورة الوردية التي خلقتها الولايات المتحدة للشيخ “حمد” وأرادت الحفاظ عليها كما هي وإلى نهاية الشوط، يبدو أنها هي التي ساعدته في تبؤّ المكانة العالية والمؤثرة بين دول العالم.
لكن الأمور التي تجاوزتها الولايات المتحدة وحاولت تغطيتها في هذا الشأن، هي كثيرة وبائنة، بدايةً من اعتبارها خطوة الشيخ “حمد” (سابقة) في العالم العربي، ومروراً بقصص ومبررات تنحّيه عن الحكم طواعية، ومروراً بتعدادها لمناقبه وآثاره طيلة ما يقرب من عقدين من الزمن. فبالرغم من العلاقات التعاونية والحميمية الزائدة عن الحد التي ارتبطت بها مع الولايات المتحدة وشملت المستويات كافة، السياسية والعسكرية والأمنية وغيرها، حيث جعلت الولايات المتحدة تنام ملء جفنيها، لاطمئنانها على جملة مصالحها في تلك المنطقة على الأقل، وبدرجةٍ مماثلة إن لم تكن أعلى بالنسبة إلى مصلحة ومصير إسرائيل، إلاّ أن هناك أمور دعت وبشدة إلى الحاجة – لخدمة الطرفين- إلى تغيير المشهد القطري، بحرفة وحذقٍ متناهيين. ولا يخفى على أحد، بأن كانت هناك مقدمات تدل على هذا التغيير، لا سيما وأن العالم كله كان قد تحدث كثيراً حول انتقال شعلة ما يسمى بالربيع العربي إلى منطقة الخليج، وبالصورة التي شهدها العالم منذ الربيع التونسي في أواخر عام 2010.
إن المتأمل للمشهد القطري خاصةً في هذه الأثناء، سيقطع من غير تردد بأن الذي حصل هو بالضبط -ربيعاً قطرياً– ولكن بصورة أخرى ومذاق مختلف، وعلى غير الصورة والمذاق المختلفين اللذين عاصرتهما بعض الدول العربية بغض النظر عن نجاحها أو فشلها. إذ ليس في الوارد أن يجبر الإنسان نفسه على التصديق بأن التخلي عن الحكم هو بإرادة ورغبة ذاتيتين.
بغض النظر عن درجة القرب بين الشيخ “حمد” وكل من الولايات المتحدة من حيث التعاونات في المجالات المختلفة، ودرجة التقرًب من إسرائيل، حيث برع منذ السنوات الأخيرة في كيفية بناء وتمتين العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وتكثيف الصلات معها، حيث التقى بصورة متواصلة مع المسؤولين الإسرائيليين في كل من القدس والدوحة، أمثال وزيرة العدل الحالية ووزيرة الخارجية السابقة “تسيبي ليفني” أيضاً مع الرئيس الإسرائيلي اليوم “شيمون بيريز”، ورئيس الوزراء السابق “إيهود أولمرت” في العاصمة باريس على هامش مؤتمر دول البحر الأبيض المتوسط 2008، وكانت كلها جيدة للولايات المتحدة ولإسرائيل، إلاّ أن هناك بعض المنغصات الناتجة عن خطوات كان يقوم بها الشيخ “حمد” بالرغم من الاستئذان المسبق لما سيقوم به ويراه نافعاً لمكانته وتاريخه، ولكنه كان مخجلاً للولايات المتحدة ومحرجاً لإسرائيل إذا ما أرادتا ممانعته وخاصةً في المسائل التي لا تروقهما سياسةً أو اقتصاداً، وسواء التي كانت تمس مصالحهما بالكليّة، أو التي تجرح مشاعر دول وجهات عربية وأخرى صديقة.
فمنذ أن أعطى الأمير “حمد” الأمر بتأسيس شبكة أخبار الجزيرة في العام 1996، – في البداية كانت شبكة لا تذكر من حيث تأثيرها، للولايات الأمريكية ولا إسرائيل- ولكن على مر السنين، وبفضل مساعدته واسعة النطاق، ومن خلال الشعار الذي اعتمدته(الرأي والرأي الآخر) أصبحت الرائدة لمشاهدي العالم العربي والإسلامي ضد إسرائيل والعالم الغربي، كذلك موقفه المناهض للحصار الدولي المفروض على القطاع منذ العام 2006، وللعدوان الإسرائيلي (عامود السحاب) على القطاع ضد حركة حماس والقوى المقاومة الأخرى أواخر عام 2012، وقيامه بالتوسط في شأن المصالحة الفلسطينية، وإصراره على توقيع اتفاق الدوحة بين حركتي (فتح وحماس) في نفس العام، ثم قيامه بتنفيذ الزيارة التي أثارت الجدل في حينها إلى قطاع غزة، وقدم مساعدات سخية لحكومة حماس. إلى جانب دعمه المباشر لحكم الإخوان في مصر وطمأنته لهم بالمال والعتاد، ولا يمكن نسيان نشاطه في جلب وتثبيت الاتفاق بين الخصوم السياسيين في لبنان عام 2008، بما في ذلك تنظيم (حزب الله)، بعد أعنف صراع سياسي وعسكري بين التنظيمات الشيعية والموالية لها، وسلطة الحكم في بيروت، كل هذه وغيرها أدّت إلى نفاد الصبر الأمريكي وتبرّم الجانب الإسرائيلي، وبلغ أقصاه بالتزامن مع اكتمال من هو أفضل منه، سن 33 عاماً.
وفي ضوء ما تقدم، فإن الرضا التام قد ظهر مبكراً لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، على اتمام الربيع القطري على هذه الشاكلة ونحو رغبتهما تماماً، لكن ماذا بشأن العلاقات المستقبلية للدولة الجديدة، التي تربطها مع بقية الدول والجهات التي تعتمدها قطر في تكبير صورتها وتطوير مكانتها لدى العالم وفي المنطقة على الأقل، وبالمقابل تستند إليها تلك الدول والجهات الأخرى من حيث الدعم المادي والمؤازرة المعنوية وما يتعلق بهما؟
ما تبدو به المعطيات السياسية المتلاحقة، وما نضح عن الأمير الجديد، بأنه منذ الآن، هنا (قطر الجديدة) وأنا الأمير الجديد. ما يعني أن هناك سياسة قطرية مختلفة تماماً عن التي كان يقودها الوالد العجوز. وبالتالي ستكون كل من مصر وحركة (حماس) متضررتين أكثر من قِبل السياسة القطرية الجديدة.
لقد كان الشيخ “حمد” مسكيناً طوال فترة حكمه أمام المتطلبات الأمريكية والإسرائيلية، وسيكون بالحتم الشيخ الصغير مسكيناً أكثر أمامهما، وسيطول وقوفه على رجلٍ واحدة، من أجل عدم تكرار أخطاء أبيه الماضية والعمل على تنمية وتطوير المصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكلٍ عام، ولو أدى ذلك إلى إغلاق الجزيرة أو تخفيض نبرتها إلى المستويات الدنيا، أو إلى انسلاخ الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً من محيطها العربي والإسلامي أيضاً. فقط ننتظر تشكيل الحكومة لكي تتوضح الصورة أكثر.
خانيونس/فلسطين
25/6/2013

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة