مهمة ( كيري) شبه المستحيله

 

الرابط : الولايات المتحده الامريكية (::::)

جيمس زغبي – واشنطن (:::::)

يعود وزير الخارجية الأميركي جون كيري للشرق الأوسط هذا الأسبوع، في خامس زيارة يقوم بها خلال ثلاثة أشهر، في إطار جهده المستمر لإطلاق محادثات سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وعلى رغم جهود الوزير الحثيثة، فإن توقعات تحقيقه لاختراق خلال هذه الزيارة تظل متشائمة. وفيما يبقى الجانب الفلسطيني في حالة من التمزق (ازداد في الآونة الأخيرة)، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه كيري، يتمثل بحسب ظني في إقناع نتنياهو، بأن يكون أميناً في التعبير عن نواياه وهو تحدٍّ ليس سهلاً بحال، لأن الصراحة المباشرة لم تكن أبداً من ضمن السجايا المميزة لرئيس الوزراء الإسرائيلي. ففي أثناء ولايته الأولى كرئيس وزراء، وجد الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون التعامل معه مثيراً للأعصاب. ولا زلت أتذكر حتى اليوم ما قاله ناشط السلام الإسرائيلي وعضو الكنيست الإسرائيلي السابق «يوري أفنيري» عندما سمع أن كلينتون قد دعا نتنياهو للتفاوض في مزرعة «واي بلانتيشن». قال أفنيري: «في تلك المفاوضات سيقول نتنياهو إما -لا – وبالتالي لن يذهب. أو ربما يقول -نعم- ثم لا يوافق على أي شيء. أو ربما يذهب، ويوافق على ما يقدم إليه من اقتراحات، ثم لا ينفذ شيئاً». وملاحظات أفنيري كانت في محلها حيث فضل نتنياهو الخيار الثالث. وبعد عودته لتولي منصب رئيس الوزراء، وفي الأيام الأولى لولاية أوباما الأولى، وجد نتنياهو نفسه يتعرض للضغط من قبل الرئيس الأميركي الجديد، صاحب الشعبية الطاغية كي يوافق على حل الدولتين للصراع العربي الإسرائيلي. وكان ذلك مطلباً عسيراً بالنسبة لنتنياهو، ولكنه أذعن على مضض لضغط أوباما وألقى خطاباً بدا فيه وكأنه يقبل بحل الدولتين. ولكن ما حدث في الأسابيع والشهور التي تلت ذلك الخطاب كان يتناقض مع قبوله هذا. فبعد بضع مناوشات مع أوباما حول بناء المستوطنات، وخوضه مواجهه كبرى بشأن إعلان الرئيس الأميركي أن أساس مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية سيكون حدود عام 1967 مع إجراء «مقايضات للأراضي» كسبها بدعم من الكونجرس الأميركي المتملق، لم يتم تحقيق أي تقدم نحو السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ ذلك الحين. وقد بدأ أوباما، ووزير خارجيته الجديد جون كيري، ولايته الثانية بمحاولة متجددة للبدء في المفاوضات المؤدية لحل الدولتين على اعتبار أن نمو المستوطنات وغيرها من أعمال البناء في الأراضي المحتلة كان يعني أن الوقت قد بدأ ينفد بالفعل بشأن إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وحافظ نتنياهو على مظهر الشريك الراغب في المساهمة في هذا السعي، وذهب في سياق حبك هذا الدور إلى حد مطالبة الفلسطينيين «التقدم للتفاوض معه» على أن يكون ذلك «من دون شروط مسبقة»، كما قال. ولكن مناورات نتنياهو اكتشفت هذا الأسبوع في البيان المشترك الذي أعلن في ختام مباحثاته مع نظيره البولندي الأسبوع الماضي والذي جاء فيه «توافق حكومتا إسرائيل وبولندا على الحاجة العاجلة لتحقيق تقدم في حل الدولتين»، ويجب على الجانبين أن يتجنبا «الخطوات الفردية التي لا تساعد على تحقيق سلام قابل للاستدامة». ولكن وبسبب استشعاره أن ذلك قد يفسر من جانب ائتلافه اليميني على أنه تنصل من بناء مستوطنات جديدة سرعان ما عمل نتنياهو على التبرؤ من ذلك البيان حيث ادعى المتحدث الرسمي باسمه أن الجانب الإسرائيلي لم يراجعه مقدماً قبل إعلانه. والسؤال هنا: نتنياهو يريد أن يخدع مَن: مجلس وزرائه وحكومته؛ أم الرئيس الأميركي، أم وزير الخارجية الأميركي الجديد؟ هذا في رأيي هو ما يجب على كيري أن يتبينه بوضوح، وهو يحاول المضي قدماً في جهوده. وكما أشرت من قبل تكثر المشكلات على جانب الفلسطينيين أيضاً، بيد أننا يجب أن نأخذ في اعتبارنا أن حكومتهم المتشرذمة، وغيرها من مظاهر الخلل والعطل، تمثل في مجملها أعراضاً طبيعية للعيش لما يزيد عن أربعة عقود تحت نير الاحتلال. أما الفكرة التي كان بوش قد عبر عنها من قبل وهي أن الفلسطينيين يجب أن يؤسسوا أنفسهم أولاً كديمقراطية عاملة، قبل أن يفكروا في أن تكون لهم دولة فهي فكرة كانت -وما زالت- شاذة. فالفلسطينيون على رغم ظروفهم الصعبة، حققوا إنجازات مهمة، وإن كانت هذه الإنجازات ستظل غير مكتملة لأن واقعهم يعاني من نقص فادح في الحريات. فالمطلوب ليس أن يرسخ الفلسطينيون أنفسهم ديمقراطية عاملة، وإنما المطلوب أولاً أن ينسحب الإسرائيليون من الأراضي الفلسطينية. وهذا الانسحاب سترافقه بالضرورة ترتيبات أمنية، ستتطلب وجود قوات دولية لحفظ السلام، وهو شيء رفضه الإسرائيليون دائماً. كما سيتطلب السلام إلى جانب ذلك مجهوداً دولياً في مجال الاستثمار والبناء وإعادة توطين الفلسطينيين وتقديم الدعم في مجال بناء المؤسسات، وهو ما سيتطلب وقتاً وجهداً كبيرين أيضاً. ولكن الإسرائيليين يجب أن يدعموا أولاً فكرة أنه يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة، وذات سيادة على الأراضي التي احتلت في حرب عام 1967. وهو هدف يبدو أن حكومة نتنياهو لم تلزم نفسها بتحقيقه. وكشف ما إذا كانت هذه الحكومة لديها أي نية في التحرك إلى الأمام أم لا، سيكون هو التحدي الذي يواجه كيري. جيمس زغبي

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة