قليل من الاسترخاء

 

 

الرابط : دراسات (:::::)

مهند النابلسي – الاردن (::::)

نحن كبشر معرضون في هذه الحياة لضغوط عصبية ونفسية كثيرة ، واذا كان قدرنا ان نكون من فئة شعوب العالم الثالث  ، ومن فئة العرب والمسلمين المعرضين دوما لأطماع الصهيونية والاستعمار  بأنماطه القديمة والجديدة ، ناهيك عن ضغوط الحياة الهائلة والتغييرات  والتداعيات الهائلة التي رافقت وما زالت ما يسمى ربيعنا العربي البائس – الهائج ، وبالرغم من ذلك  فهذه ليست أسباب وجيهة لكي نبقى دوما متشنجين متوترين  ، فنوائب الدهر والحياة كثيرة ، وعلى الانسان أن يحافظ على التوازن  بين قدراته الجسمية والعصبية والعقلية لكي ينجح باجتياز رحلة الحياة بالقليل من  المعاناة  والأمراض  ، ولنلاحظ ببساطة أننا شعب ” متجهم ومكشر ” ونضغط على أعصابنا أحيانا اكثر من اللازم  ، كما اننا نفتقد في حالات كثيرة لروح “الدعابة والمرح والفكاهة ” والتي ليست لها علاقة  ” بالتهكم والتجريح والتهريج “، معتقدين خاطئين أنها تضر وجاهتنا العتيدة وقوة شخصيتنا والصورة الصارمة المطلوبة لمظهرنا … وهذا خطأ  : فالمرح والفكاهة وحتى السخرية والنقد ، تعتبر أسلحة نفسية قد تساعد على مواجهة الاخفاقات والاحبااطات  والوجاهات المزيفة ، وقد تسمو بنا لآفاق  رفيعة من السلوك الراقي البعيد عن التفاهات…وهي كفيلة بتزويدنا بقدرات نقدية ذاتية تجعلنا نتامل مواطن العيب والتشنج في سلوكنا وتصرفاتنا ، ونكشف عن مواطن الغرور والزيف  والعظمة الوهمية ! وقد قرأت كتابا عن الاسترخاء وفنونه ، واريد ان يشاركني القارىء متعة الاطلاع على خفايا هذا الفن الرفيع ، الذي نحن بأمس الحاجة لممارسته في حياتنا اليومية : يعرف الاسترخاء بأنه حالة نفسية وجسدية تؤمن للانسان طمأنينة كاملة  ، وهو نوعان متكاملان، الاسترخاء الجسدي التدريجي  والاسترخاء النفسي او العقلي . يعتقد معظم الناس ان الاسترخاء يكون بسماع الموسيقى  والأغاني  او في مشاهدة بعض البرامج التلفزيونية أو القراءة الهادئة  ، وهذه وسائل لتمرير الوقت وقد تساعد على الاسترخاء أحيانا ولكنها ليست فعالة ، ولو استعرضنا قائمة الأشخاص  اللذين يلزمهم الاسترخاء  لوجدنا أنفسنا بشكل او بآخر ضمن أحد البنود التالية :  الشخص الذي لا يستغني عن التقدير والمكافأة  الشخص الذي يفعل امورا كثيرة في الوقت ذاته  الشخص الذي يحتاج دوما للربح والتحفيز  الشخص الذي يحمل يومه فوق المستطاع  الشخص الذي يميل  بشكل مفرط للمزاحمة  الشخص الذي يعمل أكثر من اللازم وساعات اضافية  الشخص الذي يكون هاجسه العجلة  الشخص الذي يلتزم بمشاريع عديدة ذات مهل محددة  الشخص الذي يفقد صبره اذا كان هناك تاخير  الشخص الذي يشعر بأهميته ويعاني من تضخم “الأنا”   ونلاحظ أن التوتر العصبي يظهر في السلوكيات التالية : صر الأسنان وقضم الأظافر واللعب بالشعر  واغلاق الفم بقوة  ، العزلة وعدم الاطمئنان للناس  وفقدان الثقة بالأصدقاء ، عدم الارتياح لمسرات الحياة ، الشعور بالتعب المزمن  والغضب لأسباب تافهة لا تستحق الانفعال ، كما نلاحظ تفشي مظاهر الحساسية المرضية ، وليس هناك أسهل من اثارة شخص متوتر الأعصاب ! وعلى عكس الاعتقاد السائد  فكثرة النوم لا تزيل الارهاق  والتعب ، أما من ينام عميقا ست لسبع ساعات يوميا ، فسيشعر  بقدر كاف  من القوة والنشاط . يؤدي الاجهاد العصبي والتوتر الدائم  للذبحة القلبية والقرحة الهضمية  ، وهناك تقنيات سهلة يمكن تبنيها لمقاومة الاجهاد والتوتر  منها : اسلوب  استرخاء الأطراف واسلوب التمطي  المعروف ( كالقطة ) ، الاستقامة في الوقوف والجلوس ،  وليكن شعارنا اليومي  : العقل سيد الحواس  ، والتنفس يسيطر على العقل ، فلماذا لا نزيد من فاعلية تنفسنا العميق ؟! ثم يتطرق الكتاب  لثلاثة عومل رخيصة ومتوفرة تساعدنا على الاسترخاء وتقوية الجسم وهي  الضوء والهواء  والشمس  ، فالحمامات الهوائية  الصباحية القصيرة لا تتطلب منا الا التنفس العميق ، وكذلك المشي في الربيع والخريف صباحا وعصرا ، واستغلال النسمات المسائية الرائعة قي أجواء الصيف للمشي بدلا من الجلوس في المقاهي وتدخين الأرجيلة او السجائر … وهناك سلوكيات استرخاء بسيطة تكمن بالصمت والتأمل والتنزه في المناطق الخضراء ، ولن ننسى دور الاستحمام البارد او الفاتر والساخن ، رفع الرجلين لأعلى اثناء الجلوس على الأرائك في المنازل والتدليك والتعرق ، تربية بعض الحيوانات المنزلية الأليفة ومحاولة التواصل معها ، واود بنهاية هذه المقالة التركيز على نوعين من الاسترخاء نظرا للفوائد الجمة التي يمكن ان تجنى من تطبيقهما : • الايحاء الذاتي ويعني طلب  الهدؤ والاحساس  بالثقل والدفء ، ويتمثل في حالاته المتطورة بادراك دقات القلب والتنفس بالشهيق والزفير  ، وقد يتوصل الانسان بعد ممارسته لفترة معينة لاسترخاء تام واستعادة للسلام الذاتي والهدؤ الداخلي وللسيطرة على النفس . • العلاج بالموسيقى ، وهو يختلف عن مجرد السماع اليومي للموسيقى والأغاني  ، وتشمل مجالات العلاج بالموسيقى والسيطرة على الانفعالات والمشاعر  ، وتتطور لتتجاوز الشعور بالألم ، وقد أثبت العلاج الموسيقي نجاعته في الوقاية من الاضرابات النفسية والعاطفية . •  لقد اقتبسنا من الغرب على مدى العقود ” موسيقى وأغاني الديسكو الزاعقة ”  التي تصم الآذان وتوتر الأبدان ، وحولناها لضجيج وزعيق  محلي ، يسمح لكل مدعي غناء او موسيقى أن يصول ويجول ساعات وهو يصرخ ويطبل امام اجهزة الصوت الألكترونية ، حتى يزعج الخلق والعباد المساكين ويصيب الجميع بالصداع والتوتر ، وبدا احيانا وكان عامة الناس لا يملكون بمعظمهم ذائقة موسيقية راقية ، وانتشرت كذلك أصناف الأغاني الشعبية الهابطة وأنواع الموسيقى “المعدنية ” الشيطانية وكذلك صنوف موسيقى وأغاني “الراب” ( الغربية والعربية ) ، ونسينا الموشحات الاندلسية الراقية وكلاسيكيات الغناء العربي الساحرة الشجية ( كعبد الوهاب وام كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش …الخ ) ، ولم نقتبس من الغرب حبه وشغفه بألوان الموسيقى الكلاسيكية الرائعة ( كسينفونيات باخ وبتهوفن  وفاجنر وموسارت وشايكوفسكي وغيرهم ) ، وكادت الموسيقى في غمرة انحسار الذائقة الموسيقة الراقية (التي أصبحت حكرا للنخبة) أن تتحول  كوسيلة ازعاج وارهاق عصبي ! مهند النابلسي [email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة