تونس : بكالوريا ام امبريالية الرياضيات ؟

 

الرابط : اراء حرة (::::)

محمد الحمّار – تونس (::::)

إنّ الذي خلق تسمية “امبريالية الرياضيات” ليس كاتب المقال وإنما هو الفيلسوف وعالم الرياضيات، الفرنسي ‘روني طوم’ (توفي في سنة 2002). يقول ‘طوم’ “إنّ تدريس الرياضيات مثلما يمارَس اليوم يفسر لماذا يتأخر الفكر (…) فهذا التعليم أضحى تقريبا غير ضروري لفهم عدد لا بأس به من المواد العلمية” (عن ‘قي صورمون’ في كتابه “المفكرون الحقيقيون لهذا العصر” ص 64؛ ترجمتنا من الفرنسية) وينتهي ‘طوم’ إلى اقتراح ما يلي لإنقاذ العلم من الاحتقان الراجع إلى الشح في النظريات والمفاهيم: “الكف عن تدريس الرياضيات بالطريقة التي تُدَرس بها الآن”(ص64).  والسؤال الذي نطرحه بالنظر إلى استنتاج روني طوم هو: إلى متى ستقبع طاقات تونس التلمذية والطلابية، والشبابية عموما، ساجدين لمعيار لا يساوي شيئا بالمقارنة مع قاطرة المواد الدراسية كلها، ألا وهي اللغة، أو مع بطانة المواد كلها، ألا وهي الفلسفة؟ ولو تمعنّا في المنظومة التربوية في تونس لاكتشفنا أنها تتميز بمستوى من الرداءة لا يضاهيه لا المستوى في بلدان إفريقيا وآسيا التي نالت استقلالها السياسي بعدنا، ولا المستوى في البلاد التي تعرف جرّاء الجهل وضعف التكوين التعليمي أمراضا اجتماعية فتاكة مثل انتشار المخدرات واستشراء الجنس و العنف والجريمة المنظمة وتجارة الأعضاء الجسدية.  وأكبر دليل على هذا الانحدار التربوي والتعليمي ما حدث خلال الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا لهذه السنة، في شعبة الرياضيات بالخصوص، من مزايدات وشكوك وإشاعات وخاصة من توجس وانتقادات حول كيفية إعداد مواضيع الاختبارات وأيضا بشأن طريقة تقييمها. ومن بين المؤشرات على الرداءة والانحدار غير المسبوقين اللذين يتصف بهما المنظومة التربوية في مجملها ببلادنا أن ليس للشباب الممدرس (وغير الممدرس أيضا) لغة بينما في الآن ذاته تشدد المنظومة على مادة أو اثنتين أو ثلاثة (الرياضيات، والفيزياء/ الكيمياء، وعلوم الحياة والأرض) والحال أنّ هذه الأخيرة عمادُها اللغة السليمة.  فماذا حدث لمّا ركّزت المنظومة، عبر نظام الضوارب (وهو نظام استبدادي حقا)، على تلك المواد على أنها أساسية، لكن في المقابل دونما أيِّ حرصٍ على أن يكتسب جُلّ المتعلمين مهارات لغوية تكون، في أسوأ الحالات، أعلى من الدرجة المتوسطة ؟ الذي حدث هو تبديل كيان المادة العلمية، من حالتها الأصلية كتخصص يتضمن بطانة تواصلية وبالتالي قابل للتوظيف في شتى مجالات الحياة العملية، إلى حالة متدهورة تتمثل في كونها سلعة تباع وتشترى (بالمعنَيين المجازي والحقيقي) في سوق همجية، لا يسفر تمَلُّكها إلا عن تكريس العقلية النفعية المركنتيلية وتدعيم أنماط التفكير الإقصائي وتوليد المزيد من النماذج الفرعية للاقتصاد الرأسمالي المتوحش. فبالله عليكم، يا معشر زملائنا التربويين و يا سياسيين، رفقا بالأجيال الصاعدة. ولكم منا كل الضمانات بأنّ هذه الأخيرة ليست غافلة عن الحقيقة بل لها دراية فائقة بمثل هاته الشوائب. إذن لا تزيدوها ظلما وإلا فنخشى أن تفاجئكم بحساباتها. محمد الحمّار

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة