ما ان قبلها حتى غادرها

الرابط : سياسة واخبار (::::)

بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان *  – فلسطين المحتله (::::)

الجزء الثاني من العنوان: “وماذا بعد؟!” هو الأهم، كما ينبغي له أن يكون، ذلك أن النظرة إلى المستقبل (المجهول في حالتنا الفلسطينية الراهنة) هي التي ينبغي لها أن تحتوينا وتستحوذ على همنا واهتمامنا. فالمستقيل المتعجل في استقالته- وهو ذاته الذي كان قد تعجل أيضاً في قبول تكليفه- لن ينال في هذا المقال مبلغ همنا إلا بقدر ما يتصل بالشق الثاني من عنوانه، وهو السؤال الملح “وماذا بعد؟!”    لن نتحدث- إذ لا ضرورة ولا جدوى ولا أهمية للحديث- سواء عن قرار الحمد الله بقبول التكليف الرئاسي له بما لذلك من أسباب ودوافع ودواعٍ، أو عن قراراه بالنكوص عن ذلك التكليف ومغادرة وظيفته الرفيعة- رئيساً للحكومة- بتقديم استقالته منها.    لن نتحدث- حيث لا ضرورة كما أسلفنا للحديث- عن محفزات تعجله في القبول أو عن مسوغات تعجله في التخفف مما كان قد تعجل في قبوله منذ نحو 18 يوماً. الحديث في كل هذا ربما لا يجدي في سياق ما نحن فيه من التيه والفراغ الحاصلين الآن بعد تجربةٍ يبدو أنها كانت أثقل عليه من القدرة على الاحتمال والتصور، على الرغم من أن تجربته لم تزد مدتها عن  18 يوماً لم يَجِفّْ  خلالها مدادٌ خطَّتْهُ أسلاتُ أقلامِ المهنئين الذين طفحت فضاقت بتهانيهم صحفنا الفلسطينية الرسمية وشبه الرسمية الصادرة في الضفة الغربية المحتلة.    “وماذا بعد؟!” سؤال مُلِحٌّ نجد الآن أنفسنا- على الرغم منا- قبالته. صحيح أنه إذا كان من أسباب استقالة الحمد الله بعد 18 يوماً من ركوبه صهوة الحكومة هو الخلاف على الصلاحيات، فإن سؤالنا “وماذا بعد؟!” يكتسب أهمية خاصة تنطلق من إيمان البعض بـ “قوة القانون”، فيما إيمان البعض الآخر بـ “قانون القوة”، وهي مسألة تتصل اتصالاً كاملاً ووثيقاً ينفك بقضيتنا الوطنية، شعباً وأرضاً وهوية.    “وماذا بعد؟! ليس مهماً أن يقبل الرئيس استقالة الحمد الله أو يرفضها، ذلك أن قبوله لها مشكلة لها تبعاتها ورفضه لها مشكلة هي الأخرى أيضاً ولها تبعاتها. إننا لا نقلل من أهمية السبب أو الأسباب التي دفعت الحمد الله إلى تقديم استقالته، ولكن ما ينبغي له أن يستحوذ على الهم الأكبر والأهمية الكبرى لدينا هو الإجابة عن السؤال الملح: “وماذا بعد؟!”    “وماذا بعد؟!” إذا قبل الرئيس استقالة الحمد الله، فمن ذا الذي سيأتي به الرئيس بعده، رئيساً للحكومة، بديلاً عنه؟! وهل ذاك الذي سيأتي سيستمر، وهل إذا استمر سيكون مالكاً لصلاحياته ومتمتعاً بها، وهل سيكون من النوع الذي لا يقبل إلا بصلاحيات كاملة دونما انتقاص منها، أو من النوع الذي يقبل بما ينعم عليه الرئيس به، حيث مبلغ همه ليس الوطن والشعب والأرض والهوية، وإنما مبلغ همه كرسي رئاسة الحكومة، ولو على لا شيء!    حينما تحدث الرئيس عن حكومة الحمد الله فوصفها بقوله “حكومتي”، فإنه كان يعني ما كان يقول. الحكومة برئاسة الحمد الله ولكنها حكومة الرئيس التي لن تخرج عن النص الذي يمليه الرئيس، ولن تتجاوز الحدود والهوامش الحمراء التي يحددها الرئيس، فالملفان الأمني والسياسي المرتبطان أولاً وثانياً وأخيراً بدولة الاحتلال العسكري الإسرائيلي هما تحت إبط الرئيس. أما الملف الاقتصادي فهو في حوزة محمد مصطفى، نائب الحمد الله، ورئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني، وأما السياسة الخارجية فملفها يحمله- وتحت إشراف مباشر من الرئيس- زياد أبو عمرو، نائب الحمد الله أيضاً. إذاً، ما الذي تبقى لـ “الحمد لله” من ملفات أو أجزاء منها ليتأبطها الحمد الله ويكون مسؤولاً عنها؟! وعليه، فربما كان سبب استقالة الرجل هو الخلاف على الصلاحيات، سواء مع الرئيس، أو مع نائبه الأول محمد مصطفى، أو مع نائبه الثاني زياد أو عمرو، أو مع ثلاثتهم معاً في آن، وإن كنت أتمنى لو حدثت الاستقالة ليست الآن، وإنما بعد بعض وقت يكون الحمد الله قد حاول خلاله التوجه إلى فعل ما يستطيع حيال أمور حيوية في حياتنا الفلسطينية اليومية مثل: 1) التقريب بين فتح وحماس، توطئة لإنهاء الانقسام، 2) إنهاء الحصار على قطاع غزة، 3) تخفيف أعباء الحياة اليومية على المواطنين.    وإذا عدنا إلى قبول الاستقالة أو رفضها، فإن القبول أو الرفض أمران كلاهما مر، فضلاً عن أن مرارة المرارة تكمن في تقديم الاستقالة ذاتها بعد 18 يوماً فقط، بغض النظر عن قبولها أو رفضها. وفي كل حال، فإن قبلت الاستقالة، فهذا يعني العودة إلى ما قبل عهد الحمد الله، الأمر الذي يفرض العمل على إعادة ترتيب وضع السلطة، بدءاً من محاولة إيجاد رئيس جديد للحكومة، بديلاً عن الحمد الله المستقيل.    غير أن الأهم من كل شيء في السياق الذي نحن الآن فيه ليس هو: من يكون رئيساً للحكومة: فياض، أو الحمد الله ، أو مصطفى، أو أبو عمرو، أو عشراوي، أو عباس نفسه، وإنما المهم- بل الأهم- هو ماذا يكون رئيس الحكومة؟ بماذا يؤمن؟ وماذا لديه؟ وما الذي يفهمه عن حاجات وطنه وشعبه؟ وما الذي يمكنه عمله؟ ماذا؟ وماذا؟ وماذا؟ وهل؟    فإن رفض الرئيس استقالة الحمد الله، فقد وجب على الحمد الله حينها أمران: إما أن يصر على استقالته، وإما أن يفرض شروطه المنبثقة عن أسباب استقالته، وأن يعرف كيف يفرض تلك الشروط. إنَّ على الحمد الله- في حال رفض الرئيس لاستقالته – أن يتصرف على أساس مبدئي مفاده أن رفض الرئيس لاستقالته إنما هو تسليم من الرئيس بمبررات استقالته، الأمر الذي يفرض عليه (أي على الرئيس) الاستجابة لأسباب استقالته. أما إن قبل الرئيس استقالة الحمد الله وأتى ببديل عنه، فإن كل الأسماء والشخصيات- رجالاً كانوا أو نساءً- لن يختلف أحدهم عن الآخر قط إلا بما يراه وما سيفعله حيال الآتي: 1) إنهاء الانقسام من خلال عوامل كثيرة أولها التقريب بين فتح وحماس. 2) إنهاء الحصار على قطاع غزة. 3) تخفيف العبء اليومي الحياتي على المواطن الفلسطيني. 4) العمل على تهيئة موقف وطني رسمي وشعبي حيال الاستيطان والتنسيق الأمني. 5) العمل على تهيئة موقف وطني رسمي وشعبي حيال المفاوضات مع التسليم بفشلها بعد أن اعترف بفشلها المفاوض الفلسطيني ورئيس السلطة. 6) العمل على تهيئة موقف وطني رسمي وشعبي وعربي وإسلامي وديني وإنساني حيال مدينة القدس. 7) العمل على تهيئة موقف وطني رسمي وشعبي وعربي وإسلامي وديني وإنساني حيال المقاومة، وتأكيد الإيمان بأنها ليست ضرورة فحسب، بل واجب أيضاً، لا سيما في الحالة الفلسطينية الراهنة التي تعاني من الاحتلال العسكري الصهيوني. 8) الإيمان بأن خطة كيري للسلام الاقتصادي هي ذاتها خطة نتنياهو، وهي مشروع تصفوي من مشاريع تصفية قضيتنا الوطنية. 9) الإيمان بأن تعبير “كسر الجمود” الذي يستخدمه المفاوض الفلسطيني بين الحين والآخر إنما هو الاسم الحركي للتطبيع. 10) التسليم بأنه لا وجود لما يسمى حل الدولتين، انطلاقاً من تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين بين الحين والآخر. 11) استنكار التباهي بتسليم 96 جندياً إسرائيلياً لدولة الاحتلال. 12) التصدي للتهاون في حق العودة، واستنكار ما يصدر من عبارات مثل عبارة: “إسرائيل وجدت لتبقى، دولة لها كيانها، وليس لكي تزول”. 13) الإيمان بضرورة إعادة تشكيل وإحياء منظمة التحرير الفلسطينية، استناداً إلى الميثاق الذي انطلقت منه ومن التوافق الفصائلي الذي تم الإجماع عليه 14) الإيمان بأن اللجوء إلى المحاكم الدولية- بما فيها محكمة لاهاي- واجب وضرورة.    أما آخر الكلام، فالرئيس عباس إن ظل لهاثه وراء الرضا الأمريكي، فإن عليه أن يعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يعنيها منه أو من أي رئيس حكومة يأتي به إلا بقدر ما يعنيها من مدى تنفيذ طلباتها وإملاءاتها والاستجابة لأجندتها.

كاتب وأكاديمي فلسطيني جامعة الأزهر بغزة

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة