الانتفاضة التركيه

 

الرابط : اراء حرة (::::)

د. فايز رشيد – فلسطين المحتله (::::)

ينضم رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان إلى قائمة رؤساء الدول الذين يعتبرون سبب الانفجارات الجماهيرية في بلدانهم،بفعل”المؤامرة الخارجية”. كما أنه من الممكن تشبيهه ابالقذافي،عندما اتهم المتظاهرين في اسطنبول وأنقره وغيرهما من المدن والمناطق التركية باللصوصية والتخريب.من جهة ثانية فإن من الصعب تصورأن السبب الرئيسي للحراكات الجماهيرية هو: إلغاء حديقة عامة في ميدان تقسيم،واستبدالها بمبنى تجاري.الخطوة الأخيرة كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الغضب،والقشة التي قصمت ظهر البعير.ما جرى من حراكات هو نتيجة لعملية تراكم كبيرة انطبعت في أذهان المنتفضين ,وجاء الحادث الذي يفجرها.هناك العديد من الأسباب الداخلية والخارجية التي تمثلت في :سياسات حكومية انتجها أردوغان  زكانت سببا في اندلاع الانتفاضة , ومن أبرزها:   داخلياً: لقد انتهج أردوغان سياسات هدفت إلى : استئصال العلمانية , التي وضع أسسها مصطفى كمال أتاتورك, وله تمثال شهير في الميدان , سيزول إذا ما أزيلت الحديقة وفي ذلك استفزاز للعديدين من الأتراك. كما الأحزاب المعارضة التي تفعل فعلها في الشارع التركي،وسط استرخاء حكومي تركي يرتكز إلى الشعور والاحساس الدائم بتمثيل الأغلبية النسبية ,والأخيرة من الصعب الركون إليها فهي متحركة باستمرار.لقد كتب الصحفي قدري غورسيل في صحيفة”ميليليت”تحت عنوان”رسالة المحتجين”مقالة جاء فيها:إن هدف المتحجين ليس إسقاط حكومة أردوغان الذي جاء إلى السلطة بنسبة 50% لكن رسالة الشارع إلى السلطة هي:لا يمكن إدارة بلد في وقت تحتقر فيه الــ50% الأخرى التي تمنحه أصواتها, ويتساءل الكاتب في نهاية مقالته:هل وصلت الرسالة؟. من الأسباب الداخلية أيضاً:المحاكمات التي أُجريت للعديدين من كبار ضباط الجيش التركي في محاولة واضحة لإبعاد الجيش(الذي كان وصياً على الحكومات في تركيا)عن السياسة , فما لا شك فيه أن لهؤلاء امتدادات في أحزاب سياسية كثيرة.حزب العدالة والتنمية انتهج سياسة تهدف إلى إدخال مؤيديه من العسكريين في المناصب العليا للجيش،وهو ما أدى إلى استقالة مئات الضباط الأتراك  وبخاصة في سلاحي البحرية والجو.من الأسباب أيضاً:ميل الحكومة التركية مؤخراً إلى حل الإشكالات مع إسرائيل بعد اعتذارها الشكلي!عن حادثة الهجوم على السفينة مرمرة،دون تلبيتها للاشتراطات التركية ومنها : رفع الحصار عن القطاع،وهو ما استفز أهالي القتلى والجرحى في الهجوم على السفينة،وقرارهم  الأخير برفع دعاوى على إسرائيل أمام المحاكم التركية. في مسيرة أردوغان وبعد مضي ما يقارب العشر سنوات على تسلم حزبه للحكم،فإنه وفقاً للمصادر الصحيفة التركية،فإن هناك الآلاف من معتقلي الرأي في السجون التركية،كما أن رجب طيب أردوغان أخذ يميل إلى التفرد في القرار التركي(أي إلى الممارسة الدكتاتورية)من حيث: تقييد الحريات الصحيفة وحرية التعبير, وطرد المخالفين لسياسات الحكومة من وظائفهم ,وبخاصة أنه يريد تعديل الدستور وتحويل الحكم من نظام برلماني إلى نظام رئاسي،يكون فيه لرئيس الجمهورية معظم الصلاحيات. تجئ هذه المحاولة في الوقت الذي لن يستطيع فيه أردوغان رئاسة الحكومة التركية،فهو يتسلم منصبه للمرة الثالثة التي تنتهي بعد عامين.لقد فهم الأتراك من نية أردوغان لتعديل الدستور : أنه محاولة منه لتهيئة الظروف لأن يتسلم رئاسة الجمهورية التركية. أيضاً من الأسباب الداخلية ووفقاً للمصادر الداخلية التركية والأخرى الصحفية, فإن هناك تمييزاً حكومياً تركياً ضد الطائفة العلوية،التي يزيد تعدادها عن العشرين مليوناًوالتي لم تحقق الحكومة التركية أيا  من مطالبها العديدة. الأسباب الخارجية:عندما نقول أسباباً خارجية فلا يعني ذلك:تدخلاً خارجياً في الحراكات الجماهيرية التركية كما حاول أن يوحي أردوغان،وإنما نعني: السياسات الخارجية التركية.على هذا الصعيد يبرز التدخل التركي الكبير في الشأن السوري،فمن الأراضي التركية يدخل المسلحون ضد النظام السوري بمن فيهم:السلفيون كجبهة النصرة وغيرها،تركيا هي المحطة الرئيسية للمساعدات العسكرية الخارجية للمسلحين وتحركاتهم في البلد العربي،وتركيا جعلت من نفسها وصياً على الأوضاع في سوريا،وهذا يستفز قطاعات عريضة من الجماهير التركية ومن الأحزاب المعارضة , التي هي ضد التدخل،وقد شكلت(منذ فترة قريبة)وفداً بالإضافة إلى ممثلين لمؤسسات صحفية عديدة قام بمقابلة الرئيس الأسد.كما أن المناطق الحدودية التركية تأثرت سلباً من الزاوية الاقتصادية بسبب الأحداث السورية،ففي عز العلاقات بين البلدين فإن المدن والقرى الحدودية التركية انتعشت بشكل كبير. على صعيد آخر فإنه رغم الزيارات المتبادلة بين زعماء كل من تركيا وروسيا , فإن الأخيرة هي حليفة رئيسية لسوريا.كما أن البلد وريث الاتحاد السوفياتي انزعج كثيراً من نشر الولايات المتحدة والناتو في تركيا لأجزاء من خطة الدرع الصاروخية.هذا إضافة إلى نشر الناتو مؤخراً لصواريخ الباتريوت على الأراضي التركية لمواجهة ما يسمى”بالخطر السوري”!.في الحقيقة ليست سوريا هي المقصودة , وإنما موسكو.لقد قامت تركيا بإجبار طائرات روسية كانت في طريقها إلى سوريا على النزول في أحد المطارات التركية وقامت بتفتيشها ,وهو ما أدى إلى انزعاج روسي متراكم وكبير. تركيا التي تميزت قبلاً بتعاون وثيق مع الدول المجاورة كالعراق وسوريا وإيران , فجأة انقلبت إلى النقيض وتوترت علاقاتها مع كافة هذه البلدان!عملياً هذا الانقلاب في نمط العلاقة لا يمكن تبريره وتفسيره أمام الجماهير التركية سوى : أنه استجابة من الحزب الحاكم للضغوطات الأمريكية والأوروبية, دون إحراز أي تقدم في دخول تركيا لدول السوق الأوروبية, والتي في حالة دخولها ستعطي مزايا سياسية واقتصادية عديدة لتركيا ولشعبها،لكن”الفيتو”ما يزال قائماً أمام هذا الدخول , في الوقت الذي يطلب فيه”حلف الناتو”من تركيا(باعتبارها دولة عضو فيه)القيام بمهمات عسكرية عديدة منها:زيادة التعاون العسكري بينها وبين إسرائيل. كثيرون من الكتّاب والصحفيين يشبّهون ما يجري في تركيا بالحراكات الجماهيرية العربية.في الواقع لا يجوز المقارنة ،فلكل بلد ظروفه , وشكل النظام السياسي في تركيا مختلف عن الأنظمة السياسية القائمة في دول الحراكات العربية!قد يكون هناك تشابه في الشكل , لكن من حيث المضمون هناك اختلاف وحتى في المطالب  باستثناء مطلب:المزيد من الديموقراطية. أردوغان يحاول التخفيف من تداعيات الحراكات الجماهيرية التركية،التي حتى هذه اللحظة،تكون قد امتدّت لأسبوع.الاحتمالات أمامها مفتوحة،ومن الصعب تحديد الصورة التي ستنتهي إليها.لننتظر ونًرَ.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة