تونس : هل التجديد التربوي مسألة مباهج ام مناهج ؟

 

الرابط : دراسات (::::)

محمد الحمّار – تونس (::::)

لنترك جانبا مسألتي التواضع والغرور من عدمهما ولنعلن صراحة وبلا مرارة، بل تبعا لكل التوقعات: أيعقل أن يتم تكريم 13 مُدرسا “مجددا” دون دعوة مدرسين مجددين للحضور (في أسوأ الحالات وبأضعف الإيمان)، ناهيك أننا نعيش في تونس الثورة وبوزارة للتربية يشرف عليها وزير جديد؟ وإذ نحمد الله الذي حَبَانا بملكة المتابعة العلمية و السياسية للفعاليات التي تحدث في الحقل المدرسي والميتا- مدرسي، فضلا عن ملكة التجديد في التعليم، إعدادا وممارسة، فلا ننتظر حمدا من وزارة التربية ولا شكورا من رموزها. أما خطابنا فنتوجه به إلى الشعب ليعلم لماذا يعاني أبناءه من سوء التربية المدرسية. فالشعب هو مصدر كل حمد وشكور، كما هو مصدر كل نبذ ونفور. وإذا دقت ساعة الإصلاح في مسامع التربويين فلا نخالهم معاذ الله يستقدمون ساعة أو يستأخرون.  وفي هذا المعنى نود تسليط بعض الضوء على ما يسمونه “تجديدا” و ما نراه على العكس من ذلك تكريسا للتبعية العلمية والثقافية، وتثبيتا للقابلية للاستعمار: أولا، انعقد مؤخرا بتونس ما يسمى بـ”ملتقى المدرسين المجددين ” وكان ذاك في يوم 1 جوان من سنة 2013. وهذه التظاهرة، كما تعرض نفسها لنا من الوهلة الأولى، عبارة على إحياء للذكرى الأولى لانعقاد “الملتقى الخامس للمدرسين المجددين” في فرنسا بإشراف وزير التربية الجديد (هو الآخر) فانسون بايون، و تم تدشينه في يوم الجمعة 1 جوان (أيضا) في سنة 2012. ثانيا، لو فرضنا جدلا أنّنا سنسلك نهج التسامح إزاء هذه  المحاكاة الدالة على تبعيتنا للغرب عموما ولفرنسا على وجه الخصوص ، إلا أننا مع ذلك سنرتطم حينئذ بما هو أخطر حيال السياسات التربوية في تونس المعاصرة. ونختصر ذلك في النبذة التالية: أ. في أواخر الثمانينات من القرن المنقضي كنا (في المعهد النموذجي بأريانة) نُدرّس اللغة الانقليزية للشباب بواسطة ما كان يسمى “تعليم اللغة المستعين بالحاسوب” (“سي آي آل آل ” بالانقليزية) فضلا عن الوسائل والأدوات المتعارفة مثل السبورة والكتاب والكراس والأشرطة السمعية. كانت الحواسيب المستخدمة هدية من عند بريطانيا، لكن كان المدرس يغتنم الفرصة للإبداع بواسطتها على أمل تطوير هذه المنظومة ، لِمَ لا، بفضل تبيئة استعمالها في المناخ المدرسي التونسي وحسب المتطلبات المحلية والوطنية. فالمهم هو أن تكون هنالك بعدئذ المتابعة المتسقة مع الواقع المدرسي المستحدث. ب. لكن لا التطوير ولا التبيئة حصلتا، لا لشيء سوى لأنّ بالرغم من أنّ التجهيزات أضخت بالية إلا أنه لم يتم تعويضها بشكل يسمح للمدرس وللمتعلم بالحفاظ على الخيط التجديدي المكتسب، مهما كان هذا الخيط رفيعا.  عُدنا إذن آنذاك إلى حالة الاكتفاء بوسائل الإيضاح السرمدية من سبورة وكتاب وكراس وأشرطة. وهي متعة بحدّ ذاتها طالما أنّ المدرس كان ملؤه الإيمان بأنّ ملكة التجديد تسكن عقل الإنسان (المدرس) لا عتاد الحاسوب، وبأنه لا قيمة للبرمجيات من دون تأصيلها في العقل من باب أول وأحرى. ج. في أواسط السنوات الألفين، طلع  علينا اسمٌ جديد في نطاق تحوّل المجتمع الكوني من “مجتمع المعلومات” إلى “مجتمع المعرفة”، ألا وهو “تقنيات المعلومات والتواصل (“آي سي تي” بالانقليزية”). وتجندت وزارة الإشراف، كعادتها، لترويج المسمى وإيضاحه للمدرسين وإقامة الورشات بشأنه. لكن ذلك لم يمنع نفرا من المتمرسين منا من أن يصابوا بالذهول لمّا اتضح لديهم أنّ  الـ”آي سي تي” ما هي إلا امتداد للـ”سي آي آل آل”. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كانت الفكرة الوافدة علينا ستعرض علينا على أنها إبداع جديد مع أنها تتمة لطريقة كانت مستعملة، لو لم تكن الذاكرة الإدارية والتنظيمية والبيداغوجية المحلية في حالة غيبوبة؟ د. سوف لن تتوقف باثولوجيَا الـ”شيزوفرينيا التربية” عند هذا الحد وإنما سيتفشى الداء عبر مسمى آخر يُقال له “مخبر اللغة”. وسيكون ذلك ابتداءً من السنة الدراسية 2008-2009 حيث شرعت الوزارة في توزيع “المخابر” (وهي عبارة على خزائن متحركة توَضب فيها حواسيب محمولة يناهز عددها الـ 15) على عدد من المؤسسات التربوية بِنِية تعميمها بالتدرج.  أمّا الذي بقي لديّ كانطباع عن هذه الحملة الالكترونية الشعواء فينقسم إلى ثلاثة مشاهد، أولها أنّ “مخبر اللغة” قد ذاع سيطه كسلعة ذات قابلية عالية للسرقة والانتشال، وثانيها أنها هدية تكرّم بها علينا بلد معروف ببضائعه المزوّرة، وثالثها أنّ السبق الذي تحمله هاته الحواسيب يتمثل في كونها محمولة، وهذا مما نزل بردا وسلاما على مدرسين يلهثون يوميا عسى أن يعثروا على قاعة يتوفر فيها مقبس كهربائي حائطي ليُشغلوا بفضله آلة القراءة الصوتية للأشرطة .  هذا في صورة يكون الحاسوب المحمول مشحونا. أمّا إذا كان خزانه  خاويا فسرعان ما تنتفي عنه مزية الرحمة و تصبح كل آمال المدرّس عالقة بالعثور على مقبس واحد ليشحن بواسطته الحاسوب في المقام الأول. ه. أما عن “السبورة الذكية” فحدّث ولا حرج. استقبلناها وقمنا بالواجب إزاءها وبواسطتها، وأدينا الدرس الشاهد تحت سامي إشرافها، أمام الكبير والصغير والذي يدبّ على الحصير، وبحضور الروس والأمريكان، إلى أن جاء اليوم الذي باغتنا فيه شباب من الولايات المتحدة كنا استضفناهم لحضور “الدرس الذكي”، وذلك بإبدائهم ملاحظة كان مفعولها أن اجتثتنا من حلمٍ مزعج : “كم أنتم محظوظون. نحن في مدرستنا في ‘ممفس’ لا تتوفر لدينا مثل هذه السبورة”.  ومنذ ذلك الحين بتّ أفتش عن متنفس جراء الضغط العالي الذي تسبب لي فيه سؤال ” لماذا تركوها هُم وتبنيناها نحن؟” و. أخيرا وليس آخرا، جاء عام الثورة (2011) وحصل لي شخصيا، مثل الكثير من المواطنين، شرف المشاركة في تأسيس جمعية لـ”الموارد الرقمية”. وبعد ممارسة ما تيسر لي من الصلاحيات عبر بعض الأنشطة في صلبها، قررت أن أضع حدا لصلوحيتي فيها. كان ذلك لمّا تأكدتُ أني لو أبقيت على هاته الصلوحية، لن أكون سوى عون إشهار للبرمجيات وللعتاد الذي تروّج له، على قدم وساق، أكبر الشركات العالمية. بالنهاية، بإطلاعنا مؤخرا على خبر انعقاد “ملتقى المدرسين المجددين” (1 جوان 2013) جاءنا التأكيد على أنّ مثل هذه الملتقيات لا تعدو أن تكون سوى سوقا لترويج سلعة لا تستجيب لحاجيات من اخترعوها، ناهيك أن تلبي حاجيات من انبهروا بها. محمد الحمّار

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة