اتصال بالعالم الاخر

 

الرابط : القصة (::::)

سحر فوزي – مصر(::::)

لم تتردد في الإقدام على الاتصال هاتفيا بأمها ..فهي في أمس الحاجة لمحادثتها اليوم بالذات ، والبوح بما يكنه صدرها من أسرار ، يصعب عليها حملها وحدها..فهي كما عودتها طوال حياتها تحكي لها مشاكلها، فتسمعها ثم تتبع ما سمعت ، بعلاج نفسها المعذبة بمهارة فائقة ، فتضمد جراحها ببعض من كلمات المواساة ، وتسكن آلامها بكثير من الحنان ، وتداوي داءها بالحب ، وتشمل معاناتها بالعطف ..فسرعان ما تطيب جروحها ، وتجف دموعها ولا تتركها حتى تتأكد ، وتشاهد بعينها انفراج أساريرها ، فتهدأ النفس المعذبة ، وتعود الفرحة والابتسامة إلى الروح الحزينة اليائسة ..فتعبر عن امتنانها بالدعاء لأمها بالبقاء وطول العمر ..ضغطت أرقام الهاتف …رن الجرس رنات حزينة رهيبة ، وقت طويل ، وهى تنتظر الإجابة ..انقطع الجرس ، وبدون مقدمات بدأت في عتابها : أين كنت يا أمي كل هذا الوقت؟ لماذا لم تردي على مكالمتي سريعا؟ الم تعلمي انك غبت عني أياما طويلة دون اتصال ؟ اتصلت بك مرارا وتكرارا ولم تجيبي ؟ هل أخطأت في شئ أغضبك مني؟ كيف طاوعتك نفسك أن تنسي سؤالك اليومي عني ؟ على كل حال ، أريد أن أحكي لك ما أنا فيه من عناء ، أرجوك أن تستمعي إلي جيدا: فهذه الأيام حالي لا يسر .. أشعر بغربة شديدة ..أحاول أن أتأقلم مع كل من حولي دون جدوى .. يطاردني الخوف والرهبة والرعب ..محاصرة دائما بالوحدة والملل .. أرسم ابتسامة باهتة على وجهي المتعب الحزين ، أتصنع كل ما أفعل ، فبداخلي شرخ عميق يهدد دائما بانهياري …حاولت كثيرا أن أصلح من أحوالي ، ولكن محاولاتي تأتي دائما بما لا أشتهي.. الأيام ثقيلة متشابهة ..أتسول الحنان والعطف ، أجبيهم بنفس ذليلة كسيرة.. الوجوه حولي جامدة ، والابتسامات زائفة .. والمشاعر باردة .. فأضحيت عبدة لكل من يعطيني جرعة حنان تعينني على تحمل آلامي  .. مذبذبة أنا ، كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، لا أدري إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء أنتمي ، ولا بمن أحتمي ..دليني كما عودتني دائما ..فكري معي ، حلي طلاسم لغزي ، الذي كاد أن يعصف بما تبقى لدي من عقل ..أين الحقيقة ، وما السر وراء ما أشعر به من حزن ، وضيق في صدري .. كيف أجد ما ضاع مني من حب صادق لا يعرف الزيف ولا الخداع ، وحنان ، وعطف ،عودتني أن تغدقي علىّ بهم.. لماذا لا تردين ولو بكلمة واحدة ؟ لقد خارت كل ما لدي من قوة تحمل ..أرجوك بل أتوسل إليك أن تردي..ألم تسمعينني ..أمي ..أمي ..أمي ..وفجأة جاءها صوت امرأة غريبة ترد عليها وتأمرها قائلة: من فضلك ضعي السماعة ..هذه رسالة مسجلة..انهمرت دموعها ، وأجهشت في البكاء ، وهي تردد: حقا (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) …رحمك الله يا أمي! بقلم / سحر فوزي /كاتبة وقاصة مصرية /3/6/2013

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة