المرأة الليبيه والموت الخفي : العنف الجنسي خلال الحرب ضد القذافي

 
الرابط : الجريمه (::::)
أ.د. حلمي الزَّواتي** – كندا (::::)
الاغتصاب بصورة عامة، و خلال النزاعات المسلحة بصورة خاصة، جريمة بشعة ذات طبيعة عدوانية، سواء كان ذلك أثناء القتال الفعلي أو بعد أن تضع الحرب أوزارها. و خلال الحرب الأهلية الأخيرة في ليبيا، كما هي الحال في معظم الحروب الأهلية و الدولية، تعرضت المرأة الليبية لأشكال مختلفة من العنف المخفي و المعلن، بما في ذلك الاعتداء الجنسي بأبشع صوره. على أية حال، لقد كشفت أحدث تقارير المنظمات الإنسانية أن الاغتصاب الذي تعرضت له النساء والفتيات الليبيات أثناء تلك الحرب الشرسة كان ممنهجا وعلى نطاق واسع، حيث اعتمدته قوات العقيد القذافي سلاحا استراتيجيا في الحرب، تاركة خلفها آلاف النساء المدمرات جسديا ونفسيا. كما كشفت المقابلات التي أجريت مع عدد من أفراد كتائب القذافي الذين وقعوا في قبضة الثوار أن الأخير قد أمر شخصيا بشراء وتوزيع المنشطات الجنسية على مقاتليه ومرتزقته، وأصدر توجيهات باستخدام العنف الجنسي، بما فيه الاغتصاب ضد النساء و القاصرات الليبيات المعارضات لنظامه، كسلاح فعال في المعركة.
وعلى الرغم من عدم توفر إحصاء دقيق للعدد الفعلي لضحايا الاغتصاب في ليبيا أو التعرف على أماكن تواجدهن، و بالتالي عدم إمكانية التحقق من الادعاءات المتعلقة بهذا العنف، فقد أكد ضباط كبار في المجلس العسكري الليبي أن الثوار الليبيين قد عثروا في المركبات التي غنموها من كتائب القذافي، و كذلك في جيوب البدل العسكرية لمقاتليه القتلى و الأسرى، على علب الواقي الذكري وحبوب الفياجرا، وعلى أجهزة هواتف خلوية تضمنت العديد من أفلام و صور عمليات الاغتصاب المنظم التي ارتكبوها عندما هاجموا التجمعات المدنية في المدن الليبية، التي خرجت تطالب بالحرية و الديمقراطية، و خاصة مدينة مصراته. كما أشارت الدكتورة سهام سرقيوة ، طبيبة نفسية ليبية في مستشفى بنغازي، أن هناك عشرات من النساء الليبيات قد تعرضن للاغتصاب، و أنها أجرت مقابلات مع عدد منهن في شرق ليبيا وعلى طول الحدود الليبية التونسية. و في أعقاب تشكيل الحكومة الليبية الجديدة، بُعيد الإطاحة بالقذافي، اندفعت مائة من النساء الليبيات في تظاهرة في طرابلس انتهت بمقر رئيس الوزراء الليبي الدكتور عبدالرحيم الكيب، حيث سلمنه مذكرة طالبن فيها الاهتمام بالنساء الليبيات ضحايا الاغتصاب. و أشارت الناشطة الليبية جليلة عريث في حديثها لوسائل الإعلام مجددا أن عدد النساء اللواتي اغتصبن خلال الحرب من قبل كتائب القذافي يزيد على 8000 ضحية، يعانين بصمت، لشدة حساسية هذه الجريمة و بشاعتها، و خطورتها على الأسرة و المجتمع. و بغض النظر عن العواقب المترتبة على استخدام كتائب القذافي الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي كسلاح استهدف تدمير النسيج العضوي للأسرة الليبية، و إحداث شروخ يصعب التئامها في المجتمع الليبي المحافظ، فإن النساء الليبيات المغتصبات معرضات لأشكال عدة من الموت الخفي والمعلن، و كذلك لأصناف متعددة من المشاكل النفسية و الصحية المعقدة.
ومن المعلوم، فإن الشعب الليبي ، كسائر الشعوب العربية و الإسلامية، يضع عفة المرأة و طهارتها على رأس  أسمى القيم المجتمعية التي يجب أن تصان. و للحفاط على شرف العائلة الرفيع، فإن نسبة عالية في المجتمع، بما في ذلك الضحايا أنفسهن، ترى ضرورة قتل النساء المغتصبات للتخلص من العار الذي لحق بعوائلهن، مع أن ذلك يخالف صراحة تعاليم الدين الإسلامي التي توجب على أسر الضحايا و المجتمع ، منفردين و مجتمعين، الاهتمام بالنساء المعتدى عليهن، و توفير الحماية اللازمة لهن، وصون كراماتهن و تشجيع الشباب المسلم على الزواج منهن. ولقد تجلت هذه القيمة الإسلامية الراقية عقب الاغتصاب الجماعي الذي تعرضت له المحامية الليبية الشجاعة إيمان العبيدي من قبل كتائب القذافي في محيط مدينة طرابلس، حيث أعلن أحد الشباب في مدينة بنغازي رغبته بالزواج منها و الاهتمام بها. ومن باب الحفاظ على شرف أسر النساء المغتصبات وحمايتهن، فقد أمر قادة الثوار في مختلف المناطق الليبية بإتلاف جميع الصور و الأفلام التي توثق جرائم الاغتصاب، مع أن ذلك يدمر أهم الأدلة على تلك الفظاعات غير الإنسانية، ولربما يساعد الجناة على الإفلات من يد العدالة. و في ظل هذا الفهم غير الناضج للجريمة و تداعياتها، و الذي يضع في أغلب الأحيان كثيرا من اللوم على الضحية بدلا من انصافها والعناية بها، فإن العديد من الضحايا يفضلن الموت بصمت ، وينأين بأنفسهن عن طلب العلاج أو المساعدة، بينما حث بعضهن أفرادا من أسرهن على قتلهن، أو فكرن بالتخلص من الحياة لعدم قدرتهن على تحمل وصمة العار والخزي التي لحقت بهن و بعوائلهن، و لاعتقادهن الخاطئ بتحمل المسؤولية عما لحق بهن و بأسرهن من الأذى. وفي هذا الصدد، أفاد ناشطون من منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، و هي منظمة أهلية أمريكية،  أن ثلاث شقيقات، تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة و السابعة عشرة، قد ذبحهن والدهن في وقت لاحق، بعدما تعرضن للاغتصاب من قبل مقاتلي القذافي ومرتزقته في مدرسة تقع في إحدى ضواحي مدينة مصراتة، لاعتقاده أن اغتصابهن قد ثلم شرف العائلة وجلب الخزي و العار للأسرة.
و تجدر الإشارة إلى أن مقاتلي القذافي، الذين يعتقد أنهم ارتكبوا حالات الاغتصاب هذه ، يتألفون من ثلاث مجموعات رئيسة: الأولى، مقاتلون ليبيون موالون للقذافي، ولا سيما أولئك المقربون منه ومن أولاده؛ و الثانية، ما عرف بأبناء أو “أيتام” القذافي، و جلهم من الأطفال الذين تبناهم الأخير في أعقاب الحروب الأهلية مطلع التسعينات في أوروبا الشرقية. و يعتقد أن من بينهم أطفال ولدوا لنساء تعرضن للاغتصاب في الحروب الأهلية التي تلت تفكيك الاتحاد السوفييتي و يوغسلافيا السابقة، حيث قدر عدد  النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب المنظم، خاصة في البوسنة و كوسوفو، بعشرات الآلاف، نجم عنه ولادة آلاف الأطفال الذين تخلت عنهم أمهاتهم المكلومات؛ وأخيراً، مرتزقة من دول أفريقية، و بخاصة تلك المجاورة لليبيا. و إذا علمنا أن تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن ما يقرب من 67% من ذكور هذه الدول مصابون بمرض فقدان المناعة المكتسبة و غيره من الأمراض الجنسية السارية، فمن المحتمل أن يكون بعض الجناة قد نقلوا لضحاياهم فيروس الإيدز أو غيره من الأمراض التي تنتقل بالاتصال الجنسي، و هذه معاناة إضافية للضحايا اللواتي يفضلن المعاناة و الموت بصمت، بدلاً من طلب المساعدة الطبية والسعي للحصول على المشورة النفسية والاجتماعية، خشية الفضيحة والعار.
معضلة أخرى من المحتمل أن تعاني منها النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب أثناء الحرب الليبية – كما حصل للنساء المسلمات اللواتي تعرضن للاغتصاب من قبل المقاتلين الصرب في البوسنة و كوسوفو في تسعينات القرن الماضي– هي رفض الأسرة  لهن و بالتالي تعرضهن للعزلة الاجتماعية. عندما قرر القذافي استخدام أشكال مختلفة من العنف الجنسي ضد المرأة الليبية كسلاح استراتيجي في الحرب، كان يدرك تماما أن هذه جريمة سيترتب عليها عار عميق يمكن أن يقوض الأسس الاجتماعية للمجتمع الليبي وعلاقاته الأسرية. وبعبارة أخرى، إذا اغتصبت امرأة متزوجة، فإن زوجها، في أحسن الأحوال، سيرفضها و يمتنع عن معاملتها كزوجة له. وإذا كانت عزباء، فإنها ستفقد أية فرصة للزواج حيث فقدت بكارتها قبل الزواج الشرعي، على الرغم من حدوث هذا دون موافقتها. إن القذافي ومرتزقته يعرفون تماما أن عذرية المرأة و شرفها لهما قيمة عالية لا تضاهى في الثقافة العربية الليبية، وأن اغتصاب المرأة الليبية يعني قتلها، سيما في مجتمع يرى أن الاغتصاب أسوأ من القتل!
و في الختام، فإنه يجدربالحكومة الليبية الجديدة أن تعترف بحقوق النساء الليبيات المغتصبات، و تعلنهن بطلات وطنيات، استهدفن في أعز ما يملكن خلال معركة الشعب الليبي للتخلص من حكم القذافي. كما ينبغي اعتبار ضحايا الاغتصاب، سواء كانوا رجالا أم نساء، من جرحى الحرب بدلاً من مجرد ضحايا للعنف الجنسي. كما أن على الحكومة الليبية الجديدة أن تنشئ مراكز رعاية اجتماعية و طبية خاصة للاعتناء بالضحايا، تديرها اختصاصيات مدربات تدريبا جيدا، نظراً لأن الضحايا يترددن عادة في التحدث إلى أطباء رجال في مثل هذه الحالات. أخيرا، على الحكومة أيضا تأهيل القضاء الليبي للبت في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، سيما جرائم العنف الجنسي خلال الحرب، و تشكيل فرق قانونية مدربة تتولى جمع المعلومات و الأدلة الخاصة بجرائم الاغتصاب، و ذلك ضمن لجان تقصي جرائم الحرب التي ارتكبت في ليبيا خلال الحرب الأخيرة، وبث الوعي القانوني و الشعور بضرورة تطبيق العدالة بين المواطنين الليبيين للمساعدة في التوصل الى المجرمين وتقديمهم للعدالة، سواء أمام المحاكم الليبية المختصة أو المحكمة الجنائية الدولية رغم عدالتها الانتقائية.
أنه لا يغتفر أبدا إهمال تلك النساء اللواتي تدمرت ثقتهن بأنفسهن، و أجبرن على التعري أمام الغرباء، و اغتصبن في بيوتهن أو في مراكز الإيواء على مرأى و مسمع أطفالهن و آبائهن و إخوانهن، كما أشار العقيد سالم جحا، قائد ثوار مصراتة، الذي كان يتحدث مؤخرا لبرنامج “بلا حدود” الذي تبثه قناة الجزيرة الفضائية. إن تجاهل آلام تلك النساء، و سوء التعامل مع أدلة الاغتصاب بإتلافها من أجل الحفاظ على سمعة أسر الضحايا، يشجع ثقافة الإفلات من العقاب ويشكل حاجزاً أمام العدالة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة