مصر هبة النيل

 

الرابط : فضاءات عربية (::::)

طلال قديح * الرياض (::::)

أجل وبكل تأكيد ، وهذا واقع مسلم به ولا يمكن نكرانه ، وعلاقة أزلية توأمية لا تنفصل مهما بلغ التقدم العلمي الذي استطاع فيه الأطباء إجراء عمليات فصل التوائم بنجاح ! فلا يمكن أن نتصور مصر بلا النيل ولا النيل بلا مصر .. فمحاولات الفصل بينهما لا يمكن أن تنجح كما لا يجوز حتى مجرد التفكير بها أبداً لأنها مسألة حياة أو موت ، إن النيل هو شريان الحياة لمصر أولاً ولباقي الدول التي يشقها في طريقه..ومن هنا نجد الحرص الشديد على أن يبقى النيل متدفقاً في عطائه ينشر الخير والخصوبة والنماء ويلوّن الأرض باللون الأخضر المعطاء رمز الخير والبهاء. ظلت مصر على امتداد تاريخها العريق على علاقة ود بنهر النيل تعترف بفضله وتدين له بكل الخيرات التي تزخر بها مما جعلها مطمعاً للغزاة على مر السنين ومفتاحاً لكل باب مغلق..فمن يملك مصر يملك موقعاً استراتيجيا في ملتقى القارات الثلاث يتحكم في الموارد والخيرات وتكون له السطوة والغلبة والنفوذ. هكذا كانت مصر وهكذا هي اليوم وستبقى كذلك مفتاح الحرب والسلام  ومن هنا نجد الصراع على امتلاكها أو صداقتها يظل قائماً لا يتغير ولا يتبدل. ومن هنا كانت المقولة الخالدة “مصر أم الدنيا”.. ومن يتصور عالَماً بدون مصر كمن يتصور مولوداً بلا أم..!! هذا أمر مستحيل وخيال بعيد المنال !!ً إن الصراع الذي بدأت بوادره حول مياه النيل ينبئ بمؤامرة يدبرها الأعداء ضد مصر ومعها الأمة العربية..إن معاناة مصر المائية التي تبدأ من المنبع في أثيوبيا تؤثر سلباً بكل تأكيد على السودان  وتنذر بخطر شديد ينبغي التنبه له وإعداد العدة لمجابهته ومقاومته بكل السبل المتاحة ، لأن التهاون هنا عواقبه وخيمة  وبحجم الكوارث الكبرى التي لا ترحم أحداً وتطال الجميع بلا استثناء  ! إن الصراع القادم في كل دول العالم يظل يدور حول الماء ومصادره، وعليه نفهم خطورة ما أعلن مؤخراً عن نية إثيوبيا في الشروع ببناء سد النهضة على منابع النيل في اراضيها وهذا بالطبع سيؤثر سلباً وبدرجة خطيرة على حصة مصر من المياه لاعتمادها كلياً على الزراعة وكذلك على الكهرباء التي ينتجها السد العالي مما يهدد الصناعة والزراعة بل كل مرافق الحياة.. وهذا أمر ينبغي النظر إليه جدياً وعدم التهاون فيه..فالأمر لا يحتمل المناورة أو التأجيل أو التسويف. إن هذا الأمر أصبح شغل مصر الشاغل وحُقّ لها ان تعطيه الأهمية القصوى وأن تقدمه على كل ما عداه لذا اتجهت وسائل الإعلام سريعاً نحو هذا الحادث الطارئ وبينت مخاطره وأهابت بالمسؤولين أن يتعاملوا معه بكل جدية وقوة فلا مجال فيه للتأجيل أو المماطلة.. إنه مساس بالأمن القومي بكل أبعاده.  إن الأمن المائي في هذا الزمن مقدم على كل ما سواه وهو البوصلة التي تقاس بها علاقات الدول مع بعضها البعض، ومن هنا وجدنا ردات الفعل في مصر على أشدها ولا سيما على المستوى الشعبي لأنه يمس حياة الناس بلا استثناء ويزيد من مساحات الأرض البور الجرداء ويقلص موارد الأرض الزراعية التي تشكل سلة الغذاء الرئيسية للشعب بأكمله. إقدام أثيوبيا -التي ظلت تربطها بمصر علاقات طيبة عقوداً طويلة – على تحويل مجرى النيل الأزرق والشروع في بناء سد النهضة، ينذر بخطر شديد تكتوي بناره مصر وهو ما لا يمكن السكوت عنه مهما كلف من تضحيات ! ومصر الحكيمة تدعو أثيوبيا أن تقدر الأمور بحكمة وألا تقع في فخ نصبه أعداء البلدين وتحافظ على العلاقات التاريخية المميزة. لكن ومع ذلك كله ينبغي لمصر أن تعود لدورها الهام في أفريقيا وألا تسمح لأحد بانتزاع أو تقليص هذا الدور وتعد للأمر عدته وأن تُفهم العالم أن الأمر مسألة حياة أو موت وهذا مالا يمكن أن تتساهل فيه أو تسكت عنه، وهي تتمنى أن تُناقش المسألة بهدوء وإلا فلا تهاون مهما كانت التضحيات..وإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب..وإن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً.. والعالم لا يحترم إلا الأقوياء ولا مكان فيه للضعفاء.. ومصر قوية بأبنائها وأمتها وتاريخها وحضارتها..   وسلمت أمُّنا مصر من كل العاديات.. وحفظها الله واحة أمن وسلام وتقدم وازدهار. •كاتب ومفكّر فلسطيني

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة