اشكالية العلاقة بين الاخلاق والسياسه

 

الرابط : دراسات (::::)
جـــودت هـوشــيار – العراق (::::)
تلاميذ ماكيافيلي :
لا يعرف الساسة الجدد الذين ظهروا على المسرح السياسي العراقي في السنوات الأخيرة  تعريفا لمفهوم السياسة  أفضل من قول بعضهم ، انها ( مصالح ) و هو تعريف مبتسر و مخل على غرار ( ولا تقربوا الصلاة ) . و يبدو انهم يقصدون بذلك مصالحهم الشخصية أو مصالح فئة أو جماعة سياسية  وليس مصالح البلاد العليا . و يقول بعضهم الآخر أنها ( فن الممكن ) و هم لا يقصدون بذلك اختيار البديل العملي الممكن من بين بدائل عديدة في اتخاذ  القرار ، بل ما يمكنهم الحصول عليه من منفعة شخصية و أمتيازات بأستغلال مواقعهم  في السلطة، بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة من قبلهم لتحقيق أهدافهم ، و هم يطبقون عن وعي او بالفطرة تعاليم نيكولو ماكيافيلي  Niccolo Machiavelli (  1469 – 1527) الواردة في كتابه الشهير ” الأمير ”  حول التحلل من الضوابط الأخلاقية واباحة كل الطرق والوسائل لتحقيق المصالح و الغايات السياسية  .

ما الأخلاق ؟

الأخلاق شكل من أشكال الوعي الأجتماعي و تطبيقاته على أرض الواقع ، و التي تعكس نوعا من السلوك البشري الضروري اجتماعيا .وعلى خلاف المعايير القانونية التي يجري تنفيذها ومراقبتها من قبل مؤسسات الدولة المختصة .، فأن الأخلاق تستند الى مجموعة القيم والمثل  والفضائل الدينية والتقاليد و الأعراف السائدة في المجتمع .
الأخلاق تتجسد وتجد تعبيراً لها في السلوك البشري ضمن نطاق الأسرة و الجماعة و تجاه المجتمع و أجهزة السلطة… الخ . القيم الأخلاقية تتغيّر بمضي الزمن و تختلف من شريحة اجتماعية الى اخرى ومن شعب الى آخر .
المسائل الرئيسية في الأخلاق هي : ما السلوك الجيد ؟  وما العادات الحسنة ؟ وما الأعمال المقبولة ؟ وما الذي يمكننا اعتباره لائقا و مقبولاً في نظر المجتمع ؟ .

الأخلاق جزء لا يتجزأ من الرؤية الذاتية للأنسان  والتي تحدد له الى حد كبيرصورة العالم الأجتماعية- السياسية . و بما أن السياسة هي واحدة من أهم مجالات النشاط الأنساني ، فأنها لا يمكن ان تكون منفصلة عن الأخلاق .

القيم و المعايير الأخلاقية ذات العلاقة بعالم السياسة ومؤسساتها و علاقاتها ، والسلوك السائد في هذا المجتمع او ذاك ، تشكل مجتمعة  الأخلاق السياسية المستخدمة لتقييم النهج السياسي للنظام الحاكم و النشاط السياسي للأحزاب و المنظمات و الأفراد .

الأخلاق تحد الأنسان من السلوك المتطرف و تساعد على حل التناقضات بين الفرد والمجتمع. .
في العصور القديمة كانت المجتمعات البدائية تنظم العلاقات  المتبادلة بين أفرادها عن طريق العادات والتقاليد والمحرمات ومؤسسات الرقابة الأجتماعية مثل الأسرة .
ومع ظهور المجتمعات المعقدة و الضعف التدريجي للأشكال التقليدية للرقابة الأجتماعية  ازداد دور المؤسست السياسية،  التي اصبحت تقوم بالوظيفة الأساسية للتنظيم السلطوي وتطوير المجتمع . اما الأخلاق فأنها  باتت تحدد معايير السلوك البشري. كما أنها ( الأخلاق )  ،  تحدد أيضاً سمة العمل السياسي و تؤثر في تنفيذه .
الأخلاق تشكل قيدا على حرية العمل السياسي غير المنضبط  أوالمنفلت  ، لذا يسعى الساسة غالباً الى التحرر منها .

ما الذي يجمع بين الأخلاق و السياسة ؟ ان ما يجمعهما هو انهما كانتا من اولى  أدوات تنظيم الحياة الأجتماعية  و مجال الأختيار السوسيولوجي .لذا فأنهما  تتسمان بالديناميكية والتغير وتنظمان سلوك الناس .

الأخلاق قيم و ضرورات معنوية و تتسم بالمثالية ولكنها تستخدم في تقييم  سلوك الأفراد الناجم عن دوافع ذاتية ، في حين ان السياسة واقعية و ذات اهداف معينة و تسعي لتحقيق نتائج محددة . ومن اهم خصائص السياسة انها تستند الى القوة و تستخدم شتى الضوابط القسرية لتنفيذ ما هو مطلوب  وتلجأ الى  العقوبات عند الضرورة ، في حين ان  الأخلاق تستند الى تأنيب الضمير بشكل اساسي .

الأخلاق في جزء كبير منه مناقض للعنف فالتقاليد الهندوسية – البوذية ترتكز على مباديء اللاعنف  ، و لكن القول ان الأخلاق عموما مناهض للعنف زعم مبالغ فيه ، حيث ان حروب الدفاع عن الوطن وحركات التحرر من الأستعمار اوالأحتلال مثلاً عادلة ومشروعة .
ان القانون الجنائي في كل بلد من بلدان العالم يجسّد وحدة شكلية للرؤية القانونية و الاخلاقية للمجتمع
و اخيرا توجد معايير اخلاقية مقبولة في  مجتمعات محددة و التي تبرر استخدام العنف بشكل محدود مثال تقاليد المبارزة للدفاع عن الشرف في المجتمعات الأوروبية .

المقاربات الثلاث للعلاقة بين الأخلاق والسياسة :

ثمة ثلاث مقاربات للعلاقة المتبادلة بين السياسة و الاخلاق :

المقاربة الأخلاقية : بمعنى ، ان لا تقتصر السياسة على كونها ذات أهداف سامية فقط مثل الصالح العام و العدالة ،  ولكن عليها  ايضا ان لا تنتـهـك تحت اي ظرف المباديء الأخـلاقية ( النزاهة و المصداقية والأخلاص )  و أن تستخدم  الوسائل المقبولة اخلاقيا فقط لتحقيق تلك الأهداف .والسياسة الأخلاقية أو الأخلاق في السياسة ، تتجلى في ما يلي :

1- ان يهدف السياسي في نشاطه العملي لتحقيق مصالح المجتمع ، وليس أنتزاع
السلطة والأحتفاظ بها من اجل مصالح ذاتية ضيقة .

2- مراعاة السلطة للتوازن بين ما يمكن القيام به من اجل الصالح العام ( حسب رأيها) وبين حقوق الأنسان ، التي أقرتها المواثيق والعهود الدولية  الصادرة عن الأمم المتحدة  .وهذا التوازن يجسد جوهر العلاقة بين السلطة وحقوق الأنسان ، فهو يميل الى السلطة في الأنظمة الأستبدادية والى حقوق الأفراد في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية .

3 – السياسة الأخلاقية لا تلجأ الى استخدام العنف ، الا  في حالة الضرورة القصوى ، وبالحد الأدنى .

تتميز السلطة المتحضرة في الدولة المدنية عن السلطة في الأنظمة الأستبدادية بألتزام أشد بالمعاييرالأخلاقية وضمان أكبر للحريات العامة و الخاصة .

في الأنظمة الديمقراطية ثمة فصل بين السلطات الثلاث التنفيذية و التشريعية و القضائية .
في مثل هذه الأنظمة لا تكون السلطة تعبيرا عن ارادة الحاكم وحده و لا توجد شخصنة للسلطة .والحاكم في مثل هذه الأنظمة موظف عام كأي موظف آخر ولكن أعلى مرتبة وله مهام و صلاحيات و مسؤوليات أكبر وأهم ، ويخدم لمدة محددة  ويتولى السلطة او يغادرها حسب ما تسفر عنه نتائج الأنتخابات التشريعية .

السلطة المتحضرة تكون مقيدة بالدستور والقوانين التي تضمن حقوق المواطنين ، بما يحقق الأنسجام بين الأخلاق والسياسة وبين الفرد والدولة .

المقاربة اللا أخلاقية : ويقصد بها  تجاهل القيم الأخلاقية في السياسة ،أو بتعبير آخر ، ممارسة  السياسة منزوعة الأخلاق . وكان ” ماكيافيلي ” أول من حدد ووصف ،  طرق ووسائل تشكيل السلطة القوية للدولة أستناداً الى مبدأ ” الغاية تبرر الوسيلة “مهما كانت هذه الوسيلة لا أخلاقية ولا أنسانية.
ماكيافلي ، معلم الطغاة ، وليس من قبيل المصادفة أن ” الأمير ” كان الكتاب المفضل لدى جوزيف ستالين ( 1878 – 1953 )  وأدولف هتلر ( 1889- 1945 ) وبينيتو موسوليني ( 1882 – 1945 ) وصدام حسين ( 1937 – 2006 )  . ان وصايا ماكيافيلي حول قواعد الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها عن طريق القوة الغاشمة وقمع المعارضة  وأنشاء نظام أستبدادي ،لا تؤدي الا الى خراب المجتمع وأشاعة الظلم وامتهان الكرامة الأنسانية  واشعال نيران الحروب والى قلب القيم والمثل والفضائل . يقول المفكر عبدالرحمن  الكواكبي ( 1849 – 1902)  في كتابه الخالد ” طبائع الأستبداد ومصارع الأستعباد”  : ” أن الاستبداد يتصرف في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها.. هو يقلب القيم الأخلاقية رأساً على عقب ليغدو طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. ويصبح تسمية النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتواً والحمية حماقة والرحمة مرضاً، وأيضاً يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة، وأنه أي الاستبداد، يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح “.

المقاربة المعتدلة : و هذا النهج هو الغالب لدى كثير من القادة و الساسة الأخلاقيين ، الذين تعتز بهم شعوبهم  .و تنطلق هذه المقاربة الوسطية ، من ضرورة عدم تجاهل المعايير الأخلاقية في ممارسة السياسة ، مع الأخذ بنظر الأعتبار خصائص الأخيرة .
وفي عالم اليوم عموما والمجتمعات المتحضرة خصوصاً،  نجد أن  الأتجاه المركزي هو اضفاء الطابع المؤسسي على المعايير الأخلاقية في السياسة ويتجلى ذلك في احترام حقوق الأنسان و العدالة الأجتماعية و الأقرار بالمباديء الديمقراطية في الحياة و تعزيز الأسس القانونية للمجتمع .

جـــودت هـوشــيار
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة