عن ( الجن والعفاريت )

 

الرابط : القصة (::::)

وليد رباح – نيوجرسي (::::)

(1)

كنت في طفولتي عفريتا من الجن .. اصعد الى عامود الخيمة واهدد امي بالقفز من عل فتتكسر اضلعي وتضطر لمراعاتي وتترك رعاية الصغير الذي هو اخي .. فتفزع المسكينة وتهرع الى مخدتها التي تخفي فيها النقود ( الفكه) لكي ترشوني ( بقرش ) فلا اقدم على فعلتي وكنت احتفظ بالنقود التي ابتزها من امي في صفيحة ادفنها في باحة الخيمة املا في ان اصبح من رجال الاعمال في المستقبل .. وفي ليلة كان ضوء القمر فيها خافتا اخرجت الصفيحة من مكمنها تحت الارض وعددت القروش فاذا بها دينارا وقروشا عشره .. ولم انم ليلتها وانا افكر في امر ( البزنس ) الذي يمكن ان يجعلني من رجال الاعمال . وعندما غفا جفناي كنت قد توصلت الى حل يجعلني من اولئك الرجال . وقد يعجب القارىء : كيف يمكن لطفل ان يرقى ( بثروته ) المحدودة كي يحلم .. ولكني كنت عنيدا خاصة وان نقود ذلك الزمان فيها ( البركه) فقد كنت تشتري الخاروف بدينار والعجل بدينارين .. الشاة بنصف دينار والارنب بخمسة قروش .. حتى سيارة ( الفولكس واجن) التي كانت من بنات افكار هتلر كانت بخمسين دينارا لا غير . في الصباح كان في خلدي امران : اولهما ان اشتري حمارا ( كان الحمار بمثابة سيارة اجره ) فانقل البضائع والناس الى موارسهم في الحصاد .. والثاني ان اتاجر ( بالارانب )( فاعد لها قفصا في الباحة واعلفها بما لذ وطاب من انواع الحشائش وقشور البطيخ وبعض انواع الزبالة .. واخيرا قررت ان انفذ الامرين معا . ذهبت الى سوق ( الحمير ) وكانوا يسمونه ( سوق الجمعه ) وانتقيت حمارا هزيلا لفلاح ( اهزل ) منه واضعف .. وقلت في نفسي ربما كان هذا الحمار رخيصا .. مع انه اشهب اللون ولكن الجرب يعشش ما بين شعيراته المتفرقة التي كانت ما بين الشعرة والاخرى بمثابة الميل المربع .. وعندما ساومت الفلاح قال لي : يا بني .. لا تستهن بمنظره .. فقد خدمني لعشر سنين طوالا .. انه ما زال قويا .. واقسم ان جارنا في القرية قد استأجره مني بخمسة قروش قبل سنين لكي ( يعشر ) اتانه التي هي اصل ثروته .. فقام بالعملية خير قيام .. قلت : اني اصدقكك .. ولكن كيف ازيل الجرب الذي يعشش على جلده .. قال : قليل من القطران .. فيصبح مثل الرهوان .. قلت : كم سعره .. قال : نصف دينار .. قلت .. بل  بخمسة وعشرين قرشا .. قال .. هات القروش وربنا يبارك لك .. هكذا اصبح البزنس بين يدي .. جئت بالحمار اقوده او يقودني لا اذكر .. واحرن مني في الطريق فوخزته بابرة كانت معي .. فاذا به يرمح في السهول كأنما قد اصابه جن او ركبه عفريت .. جريت خلفه واخيرا امسكت برسنه وجررته نحوي فاذا به يجرني .. وتبادلنا الجر فمرة يجرني واخرى اجره .. حتى سكن اخيرا واستدار بفمه الى ذيله لكي يلحس بلسانه مكان وخز الابره .. فلا يطال المكان فيكشر عن انيابه وينهق .. عددت اسنانه فاذا بفمه ادرد الا من بعض الاسنان الامامية .. اما الاخرى فكانت مثل اسناني عندما اصابني الكبير .. هذا رغم ان ابني طبيب اسنان ولكنه لا يهتم لردم الهوة التي بانت في مقدمة اساني .. ويهتم فقط بترتيب وتوضيب اسنان الحسناوات فقط .. سامك الله يا محمد يا ابن وليد رباح .. ما لنا ولهذه المقاربه : دعونا نناقش معكم ما حدث لي مع الحمار : قلت له ( للحمار ) ويلك مني يا ابن (:::) سوف اضطهدك فلا تأكل الحشائش او تشرب الماء حتى تعتذر .. وتخيلته يقول لي : بل انت الذي تبدأ بالاعتذار .. فقد وخزتني وكنت معززا مكرما عند صاحبي فكان يدهنني بالقار  في كل ليلة ولكن الجرب لا يفارقني : قلت : اذن فقد خدعني الفلاح .. قال : لا وانما انت الذي خدعته .. فسعري يساوي دينارا ولكنك اشتريتي بخمسة وعشرين قرشا .. ما لنا فلنأت الى الاخر .. عندما بشرت امي باني اصبحت من رجال الاعمال ورأت الحمار يجرني او اجره الى باحة الخيمة صاحت : ويلك .. لا نستطيع ان نطعم انفسنا خبزا ( فالقمتنا) حمارا يحتاج الشعير والتبن والطعام .. قلت لها : ساطعمه من خشاش الارض .. قالت .. عندما ياتي ( ابوك ) من القهوة له معك حساب عسير .. وعلى عكس ما قالت : فقد هش والدي وبش وقال لي : دعني اجربه .. قلت له تفضل .. ركب ابي الحمار ولكنه ( فنعص) به فاوقعه على الارض في لطمة ظننت ان ابي لن يقوم منها .. ولكن ابي كان شابا فتكتك الغبار عن قنبازه ونهض .. قال لي ابي : ان اردت ان تسوسه فلا يؤذيك كما فعل بي فامنع عنه الطعام والماء حتى يرتدع .. وعملت بنصيحته فاذا بالحمار مثل ( الارنب ) طواعية . في الصباح .. ذهبت به الى الحصادين الذين كانوا يجزون سنابل القمح من الارض الحمراء الندية .. قلت لفلاح منهم اريد العمل معكم فانقل لكم السنابل الى قراكم .. وساتقاضى ( تعريفه ) عن كل حمل اوصله .. قال الفلاح .. حسنا .. متى نبدأ .. قلت : منذ اللحظه .. قال .. على بركة الله وهذه تعريفه مقدما .. فرحت .. ولكن الذي جرى لي من الحمار لم يجر لجحا في زمانه ..

(2)

عولت ان افتح طريقا جديدا مختصرا عبر الجبل الى قرية روجيب من قضاء نابلس لانقل حزم القمح اليها .. ولم اتبع الطريق الذي يسلكه الفلاحون الى القرية لطول مسافته وضيق مساربه .. واكتشفت ان الطريق الذي سلكته ملىء بالصخور والمنعرجات وفيه من الشجرالكثير.. ولكنه قريب المسافة للقريه .. كنت في التاسعة من عمري .. ونقل حزم القمح الى القرية يجعلني استمر في الصباح لانهي العمل عند المساء بما يقارب الساعة الثامنة مساء . ثم اجمع النقود في آخر النهار فاذا بها عشرون قرشا او اقل او اكثر .. وكان هذا المبلغ في ذلك الزمان ثروة .. خاصة وانني اشتريت الحمار بخمسة وعشرين قرشا .. وخلال شهري الحصاد بلغت ثروتي ما يعادل الدنانير الخمسه .. ولكن دعونا من هذه الذكريات لاذكر ما حدث لي اثناء نقل حزم القمح .. في اليوم الثاني من عملي .. قابلتني عجوز تصعد الجبل وهي تحمل على رأسها حلة خلت انها من الطعام لشهية رائحتها .. ورأيت العجوز تتمايل في حملها فقالت لي : انها تحمل (فرخة) مسلوقة لابنتها التي انجبت بالامس طفلا .. فتطوعت ان احمل لها الحلة التي اخذت تسكب بعض المرق على ظهر الحمار بعد اختراقها للسنابل من امامي .. ولما كان الحمار عفيا نتيجة اطعامي له وتدليله .. فقد سبق العجوز بمسافات كبيره .. وشممت رائحة الطعام فتحلب ريقي .. كنت جائعا الى درجة نسيت فيه ان اتناول قطعة خبز الشعير التي زودتني بها امي لسوء مذاقها ..  وعلى بعد من العجوز فتحت الحلة فاذا بالفرخة تناديني ان  (افترسها) فامتدت يدي الى فخذها الاولى وانتزعتها وتذوقتها فاذا بها لذيذة الطعم فاكلتها .. لم اشبع فتناولت الفخذة الاخرى .. ثم اكملت على الجناحين .. وعندما وصلت الى قمة الجبل نادتني العجوز ان اتوقف .. بما يعني انها وصلت الى مبتغاها .. فتوقفت .. وبعد لاي لحقتني العجوز .. كان هناك بيت منفرد في اعلى الجبل فنادت العجوز وخرج من البيت رجل له شنب مثل شوارب ( الزير سالم) وقالت له هذا الولد ساعدني ان اصل اليكم .. فاتجه الي وحلف اغلظ الايمان ان اشرب كأسا من الشاي عنده .. وخفت ان يكتشف سرقة نصف الدجاجة فتمنعت .. ولكنه حلف برأس امه ان اربط الحمار في شجرة قريبة ثم اتناول الشاي معه .. ثم اخذ (رسن ) الحمار وربطه بالشجرة ونزلت فاذا بالرجل يحضر حصيرة من البيت ويفرشها في باحة الدار تحت شجرة وارفه .. ودخلت العجوز تصحطب الحلة الى ابنتها .. ولم البث طويلا حتى صرخت العجوز .. يا ويلي .. هذا الولد اكل اكثر من نصف الدجاجه .. فوضعت قميصي في اسناني وهربت تاركا الحمار بما يحمل … ولكني فوجئت بالرجل الذي استضافني يناديني .. تعال خذ حمارك يا ولد .. وبارك الله لك بما اكلته .. فجئت على استحياء واخذت الحمار وكان الرجل يضحك حتى تبين اسنانه ..  اما العجوز فقد خرجت الى فناء الدار واخذت ( تدعي ان يصيبني الله بالعمى والكسر ) لانني حرمت ابنتها من ان تستمتع بوجبة لذيذة بعد ولادتها .. (سقت ) الحمار مستحييا الى المكان الذي انزل فيه حمله .. وصادفني في الطريق فلاح (متحذلق ) فقال لي : هل تبيع حملك يا ولد .. ادفع لك عشرة قروش ان فعلت .. فكرت بالامر انه ثمن لعشرين حملا .. وان الكومة التي القي اليها الحمل لن تشي بي ولن يكتشف صاحب سنابل القمح السرقة فقلت للفلاح .. بل خمسة عشر قرشا .. قال : انني لا امتلك سوى عشرة قروش .. فانزوى عني ضاحكا .. واكتشفت في النهاية انه ابن من اعمل لديهم وقد اراد ان يختبرني .. ولم يراجعني صاحب ( المال ) مما يدل على ان ابنه لم يشي بي .. (

3)

كان الحمل العاشر لسنابل القمح قد تأخر حتى الثامنة مساء .. فلملم الحصادون مناجلهم استعدادا للذهاب الى منازلهم بعد اطفاء القناديل التي كانت تعمل على ( الكاز ) ليلا .. وغدا يوم آخر.. اسرعت باتجاه الجبل وحيدا مع حماري .. وما ان بلغت المسرب حتى توقف الحمار على جرف هار واخذ يهز ظهره يريد ايقاعي وتكسير اضلعي .. اذ كان على يميني واد عميق اذا ما اسقطني الحمار فسوف ارقد في قاعه هذا ان ظل في جسدي قطعة سليمه .. وخزته بمنساس كان في يدي .. فلم يتحرك .. ضربته بالعصا وظل على عناده .. تناولت الابرة التي اسربتها على دشداشي المتسخ وغرستها في جلده .. ولكنه لم يحتج او ينهق او ينبس ببنت شفه .. قلت لنفسي ربما زهق الحمار من تصرفي فاراد ان يزعجني .. فاخذت افكر كيف استطيع ان اجبره على التحرك .. ورأيت رأس الحمار يتحرك يمينا وشمالا وقد ظهر على محياه الخوف والهلع .. دققت النظر من خلال الاشجار فرأيت شبحا قريبا مني يجلس على صخرة تحت شجرة يتحرك بطيئا بين آونة واخرى  ليثبت انه حي يرزق .. فارتعد جسدي.. ناديت بصوتي المبحوح كالعسكري في افلام الاسود والابيض .. مين هناك .. فلم يرد علي احد .. وتناولت حجرا صغيرا ووجهته نحو الشبح .. فاذا بي اسمع صوت امرأة تضحك بشكل هستيري .. اصابتني قشعريرة فاعتليت الحمار ثانية واخذت اضربه بالعصا بشكل جنوني .. وشعرت انه اخذ يئن من الضرب .. وظهر العرق على وجهي من خلال تسربه نحو دشداشي فامسكت بطرف الدشداش ومسحت عرقي .. قلت بصوت مسموع خلته عاليا .. هل انت انسية ام جنية .. فلم احر جوابا .. وفي لحظة ما مع ما انتباني من خوف وهلع نظرت الى الشبح ثانية .. فاذا به قد اختفى .. اعتليت الحمار فتحرك بطيئا وابتعد عن الجرف .. اخذ يسير بطيئا وهو ينظر يمنة ويسره .. ثم بعد لاي سار بخفة صاعدا مسرب الجبل ..  وتذكرت حديث امي التي كانت تقول : ان الجن والعفاريت لا يراها الانسان وانما يراها الحيوان ويعرفها جيدا .. فقلت في نفسي : هذه جنية حتما ارادت ايخافي لاقلع عن هذا الطريق .. وبما انها لم تؤذني .. فسوف اعود ثانية من نفس الطريق .. وحسب ما قال مرة شيخ المخيم ان الجن لا يؤذي حتى وان كان ظهوره علانية سواء كان ليلا او نهارا .. فقلت لنفسي : طالما انه شبح ولا يؤذي فلم الخوف .. سرت الى اعلى الجبل وكنت انظر الى سعف النخيل او فروع الاشجار فأراها تتحرك .. بعضها يطول والاخر يقصر .. قلت لنفسي ربما هو الخوف قد صور لي ما اراه .. واخيرا اوصلت الحمل الى مكانة المحدد وخلت الحمار ( يضحك ) ولا ادري يضحك مني او يضحك على قلة خبرتي .. فقلت له : ساوسعك ضربا عندما نصل الى البيت .. فخلته يقول : هذا ان وصلت بالسلامه .. عند التاسعة مساء ذهبت الى خيمتنا التي نسكنها .. واخبرت امي بما حدث فقالت : هذه جنية يا ولد واحمد الله على انها لم تؤذك .. في المرة القادمة لا تتحدث معها .. بل سر في طريقك وكأنك لا تراها .. قلت لها : ولكن الحمار ( احرن ) ولم يتحرك .. قالت : دع الحمار واختبىء خلف صخرة او مكان آمن حتى تمضي الجنية في طريقها .. وهكذا نمت قرير العين .. عند الصباح تحدثت الى صاحب الحقل الذي انقل له السنابل فقال لي : اي طريق تسلك يا ولد .. قلت انه الطريق الفرعي المؤدي الى القريه .. قال : هل هو الطريق المهجور منذ زمن .. ام ما نستخدمه نحن : قلت : بل هو الطريق الذي عنيته .. قال لي وقد ظهر الخوف على وجهه .. هذا الطريق يا ولد مسكون بالجن والعفاريت .. ولذا فقد هجره اهل القريه .. ولا يسير فيه الناس سوى نهارا .. ان فيه امرأة ماتت مقتوله .. ولا يعرف احد من قتلها .. تخرج في المسرب ليلا وتخيف الماره .. فتجنب المرور فيه .. قلت لنفسي : هذه خرافات تحدث فيها ابي يوما فاستمعت اليه .. لسوف اجرب هذه الليلة فقط فاذا ظهر الشبح سوف اغير الطريق .. وان لم يظهر فتلك تراهات وغيبيات لا اعتد بها

(4)

في اليوم التالي توجهت الى نفس المسرب مع الحمل الذي يثقل كاهل الحمار .. كانت الشمس  تتجه نحو الغروب ولكن النهار لم يأفل بعد .. توقفت قليلا وقلت لنفسي .. ربما لن يظهر العفريت نهارا .. فاذا ما غربت الشمس وادلهم الليل فاني سانتقل الى المسرب الاخر .. واعتليت الجبل .. توقفت في المكان الذي توقف فيه الحمار بالامس .. ورأيت الصخرة التي اتخذتها الجنية او هكذا خيل لي مقعدا لها .. ودفعني فضولي لتفقد الصخرة عن قرب .. فاذا بها تبتل بسائل احمر خلته دما .. ولكني عندما لمسته وجدته يابسا .. ولم ادقق في الموضوع كثيرا .. فقد اعتليت حماري وسرت في طريقي وانا انظر يمنة ويسرة .. ولم اشاهد شيئا يريبني . فتابعت طريقي .. عدت الى الحقل ثانية بانتظار الحمل الاخر .. وكنت بين الفينة والاخرى انظر الى قرص الشمس وهو يختفي من خلف الجبل .. وادركت انني يجب ان انتقل الى المسرب الاخر الآمن .. غير ان عنادي دفعني لان افكر في اتخاذ المسرب الذي اخافني طريقا لي .. كان الحمار يئن تحت وقع حمل السنابل الثقيل .. يتمايل يمنة ويسرة .. وعند دخولي المسرب كانت الشمس قد اختفت خلف الافق وبدأ الظلام يرخي سدوله على منابت الشجر وتختفي الصخور الناتئة التي تصور اشكالا مختلفة في ظلام الليل .. تابعت طريقي .. ولم يتوقف الحمار ولم اشاهد شيئا يريبني .. واتخذت طريقي الى موقع تخزين السنابل .. وعند عودتي فكرت ان اعود من نفس المسرب .. فالظلام الكثيف لم يحل بعد .. وهكذا كان .. عند العودة لم اشاهد ما يخيفني .. ووصلت الى الحقل دون متاعب .. وقلت لصاحب الحقل انني عدت من نفس الطريق ولكنني لم ار شيئا يفزعني .. قال : انت عنيد يا ولد .. لقد قلت لك ان تتخذ طريقا مغايرا هو ما نسلكه عند صعودنا الى القريه .. قلت : اعتقد انها خرافات فلم ار شيئا في العوده .. قال : هل تحدثت بما رأيت الى البعض .. قلت نعم : تحدثت الى امي وابي .. قال : اذن سوف يظهر لك العفريت ثانية .. قلت : هل هو جني ام عفريت .. قال : لا فرق .. كلاهما يخيف الانسان .. اسمع .. اذا لم تسلك طريقا آخر فاني سوف استغني عن خدمتك في عملية النقل .. قلت : حسنا .. سوف اتبع الطريق الامن .. قال : اعرف انك عاقل ولن تكرر ذلك ثانية فقلت في نفسي .. لن اقول له ما سيجري .. وسأتخذ الطريق نفسه لاثبت لنفسي انني واهم .. وانني لا اخاف العفاريت .. غير ان شيئا كان يغص في حلقي .. اتراجع مرة واؤكد مرة اخرى .. وفي الطريق الى القرية من نفس المسرب .. هيىء لي ان اقطف تفاحة من بستان كان يقع على جانب الطريق لانني جائع .. وراودتني الظنون ان كان صاحب البستان مسلحا ببندقية فلربما اطلق النار على من يريدون سرقة الفاكهة من بستانه .. ( هكذا كانوا يفعلون ) .. ولكني قلت ان الدنيا ظلاما ولا يعقل ان يراني احد .. اوقفت الحمار الى جانب البستان .. وارتقيت سلسلة من الحجارة التي كانت تحمي اللصوص من الدخول اليه .. دققت النظر فاذا بالاغصان تثقل بحملها فيلتوي عودها من ثقل الفاكهة .. وقد اخترت شجرة قريبة من السور الحجري حتى لا اعمق دخولي الى البستان فيظهر لي العفريت او اخاف حتى من تفكيري .. اقتربت من حبة تفاح كبيره .. وصعب علي قصها او قلعها من فرعها .. فلويتها يمينا وشمالا حتى استقرت في يدي .. وقعت على الارض .. فحاولت التقاطها فاذا بيد قوية تمسك بيدي التي تحمل التفاحة ويصرخ بي :  الا تدرك يا ولد انني انام عند السور الحجري لكي اقبض على اللصوص من امثالك .. وتعثرت بي الكلمات فلم ارد .. فصفعني .. وعندما قررت الهرب للقفز فوق السور قدم لي التفاحة قائلا : لا تعد لمثلها ثانية .. والا دفنتك في هذا القفر … وتابعت طريقي سائرا الى موقع التخزين .. ولكني في هذه المرة شعرت فعلا بالخوف .. فهل من ظهر لي كان انسيا ام جنيا ..

(5)

دفعني العناد أن اتوجه الى المسرب الامن نهارا .. وان ادفع بحماري الى المسرب المخيف ليلا.. وقلت لنفسي .. ان خرج العفريت سواء كان رجلا او امرأة سوف اتحدث اليه مباشرة ولن اخافه .. لن افزع منه .. وكررت تلك الجملة مرات عديده لكي اؤكد على هذا العناد .. غير اني ما أن رأيت الشمس تغرب حتى انتابني شعور بالخوف .. ولكن ( الطمع ) دفني ان اتخذ مسرب (العفاريت) طريقا للقريه .. ذلك انه قريب من القرية ولا يقتضي ان التف حول الصخور والاشجار حتى اصل الى موقع التخزين .. وبذا فقد اكسب من المال اكثر مما لو استخدمت المسرب الطويل الآمن . سرت في طريقي .. كان القمر محاقا .. والليل يلقي بظلاله على المسرب بكاملة .. مددت النظر بقدر ما استطيع ولكني كنت اصطدم بالعتمة ولا ارى في طريقي سوى بضعة امتار من كل الاتجاهات .. وعندما وصلت الى منتصف الطريق لاح لي ضوء خافت في البهيم .. خمنت ان ذلك الضوء يرتفع عن الارض قليلا فيظهر للعيان .. قلت لنفسي : ربما كان هذا صاحب البستان الذي سرقت منه التفاحة قد اشعل سيجارة ويتفقد بستانه .. كنت كلما سرت قليلا ابتعد الضوء الخافت عني .. بحيث كان يحافظ على نفس المسافه .. خمنت منذ البدء انني سأصل الضوء بعد دقائق .. ولكنه كان ينتقل بحيث كنت اراه يسير ولا يتوقف .. قلت : ربما كان رجلا يسير في الطريق ويشعل سيجارة اثر اخرى لكي يستدل على الطريق .. ولكني بعد لاي رأيت الضوء قد اختفى .. واذا بالحمار يقف ولا يتحرك .. حاولت ان اخزه ولكنه لم يفعل .. نظرت خلفي فاذا بالضوء قد انتقل خلف الحمار ولا يبعد عني كثيرا .. فانتابني الخوف .. ولكن الضوء ابتعد قليلا فسار الحمار متمهلا .. كنت بين الفينة والاخرى انظر الى الضوء الخافت من خلفي .. وخيل لي او هكذا ظننت ان هناك شخصا ما يلاحقني .. دققت النظر في البهيم فاذا بشبح يبلغ طوله عامود كهرباء او شجرة يابسة ضخمه يطول حينا ويقصر آخر .. ولكن العجب ان الحمار لم يتوقف .. زاد من سرعته وهو يئن تحت ثقل الحمل .. ارتجفت .. واخذ العرق ينساب على جبهتي ويدخل الى عيني فافركهما علني ارى الطريق جيدا .. وعلى حين غرة سمعت ضحكة ناعمة خلتها لامرأة فاذا بالحمار يسقطني والحمل معا من على ظهره ويتحول الى حصان شرس وكأنه في سباق ليصعد الجبل وذيله منتصب كالعصا .. وقفت الى جانب حمل السنابل انظر يمنة ويسره .. فمن ناحية لا اريد ترك الحمل في مكانه حتى لا يستولي عليه اللصوص فيتهمني صاحب ( المال ) باني بعته ..وفي ناحية اخرى لا اريد للحمار ان يضيع فافقد مصدر رزقي .. ووجدت نفسي ابكي في هذا البهيم الذي يلتف حولي .. وتيقنت انني ابكي بصوت عال .. فقد جعلني الخوف لا ادرك ما افعل .. وفي لحظة ارتعد جسدي كله من قمة رأسي الى اخمص قدمي .. فقد سمعت خشخشة بين الشوك والهشير .. واذا بي انظر يمنة ويسرة فاحدد طريقي انني قريب من بستان التفاح .. قال لي صوت جهوري : لماذا تبكي يا ولد .. أأنت سارق التفاحة .. اجبته : نعم يا عمي .. انا سارق التفاحه .. اقترب مني فاذا به رجل على كتفه بندقيه .. قلت وانا ارتعد : أأنت انسي ام جني .. قال بعد ان ضحك بصوت مسموع .. بل انا انسي يا ولد .. لا تخف .. فلا وجود للجن او العفاريت الا في مخيلة الخائفين .. خلته عفريتا ولكنه انقلب انسانا لكي يطمئنني ويفزعني في الوقت نفسه .. قال : هات يدك يا ولد فانت لا تعرف مواقع الطريق .. قلت الى أين : قال الى داخل البستان .. سوف اعطيك تفاحة اخرى بالحلال .. قلت : ولكني لست جائعا .. انني خائف .. قال : لا بأس عليك .. تعال واشرب كباية من الشاي تستعيد بها نشاطك .. وقال فجأة بعد سكوت : اين حمارك ؟ قلت .. لقد هرب مني .. قال : لا تخف .. سوف تجده بانتظارك .. فالحيوانات ان الفت شخصا ما لا تفارقه .. سوف تراه في موقع التخزين حيث تلقي بحملك .. قلت .. لست نادما على ضياع الحمار بقدر ما انا نادم على حمل السنابل ان يسرقه احد .. قال : لا تخف .. لا يجرؤ على السرقة من يمر في هذا الطريق .. فالكل يعرف انني مسلح ببندقية واحرس بستاني .. اكتشفت ان الرجل كان انسيا .. فقد اشعل بعض الحطب وصنع الشاي واعطاني كباية منه وقال لي: ابن من انت يا ولد .. قلت : انا اسكن مخيم اللاجئين في الناحية الاخرى من الجبل .. قال : هل انت من مخيم (بلاطه : اسم القرية التي يجاورها المخيم ) قلت : نعم يا عمي : قال : ما الذي دفعك لان تمر من هذا الطريق : قلت : لكي اثبت لنفسي اولا ان ليس هناك عفاريت ابدا .. قال .. وما الذي رأيته : قلت .. لا ادري .. ربما كنت احلم وانا على ظهر الحمار .. قال : لا .. انت لم تكن تحلم بدليل ان الحمار قد هرب منك فقد رأى شيئا مريبا .. قلت : هل حكاية الجن والعفاريت حقيقيه .. ضحك وقال : العفريت هو الانسان نفسه .. فقد اشعت ان هذا الطريق مسكون بالجن الذي يؤذي من يمر به ليلا .. لكي احمي بستاني من السرقه .. واريد ان احدثك عن طرفة يجب ان تتذكرها .. انا الذي يصنع العفاريت في الليل لاخيف سراق البستان .. وانتشرت الشائعة بين سكان القرية فهجروا هذا المسرب .. صاصنع معك معروفا يا ولد .. اصعد خلفي على الحصان لاصل بك الى حمارك .. فتأتي به واساعدك في الحمل حتى تصل الى مبتغاك في القريه .. قادني الرجل الى حصانه .. وصعدت خلفه .. وهناك .. وجدت الحمار بانتظاري .. وهكذا وصل الحمل الى القرية دون متاعب .. قلت : انها نهاية الحصاد .. فلن اعود ثانية للعمل على هذا الحمار الا اذا كان الطريق آمنا .. ضحك وقال : ساقطف لك بعضا من التفاح لترفده لعائلتك .. قلت شكرا يا عم .. عند عودتي مررت بالحقل الذي احمل منه السنابل .. كان الحصادون قد ذهبوا .. واطفئت انوار المصابيح التي كانوا يستخدمونها .. فاتجهت نحو البيت : وقلت لنفسي .. سأعود للحقل او للقرية  نهارا لكي آخذ نقودي التي لم تزل في ذمة صاحب ( المال ) انتهى  . والى اللقاء مع ( ارانب في حظيرتي)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة