( هبل ) جزء من رواية

 

الرابط : القصة (::::)

بقلم فوزي الديماسي – تونس (::::) : نافذة

” النص يبدأ نقطة ضوء ويكبر ، فيكبر معه الأمل ، وأنا مع نصي هذا أجدني كمن ستضع مولودها غير مستقر ، أضطرب بين السكينة والصخب ،أراوح مكاني بين الخوف والرجاء ، فليغفر لي الأصدقاء زلة القلم …. ****** الفصل الأول ينخر السؤال قيعان الروح ، وتضرم فتنة القول ألسنة الحيرة في أركان الفؤاد ، ودم البلاد يرتق بيد مرتعشة جماجمه وجثثه ، والدرب على عادته مكتنز السقطات ، يمشي على شوك العويل والسؤال ، وتراوح الدهشة مكانها بين الدمع والعبرة ، وأطفال البلد يداعبون “خبزهم الحافي ” ، وأحلامهم العارية تلاعب حبّات حلم ثخين على حافة التيه العتيق ، والشيوخ كما العمر يضاجعون أرذل اللحظات تحت جبل غد ممزّق بأنياب الذئاب  ، وصبايا الحيّ وشبابه في غفلة من المخالب  يرسمون على جدار الأمنيات صورا للدم  والنخيل  . رجل يرتدي أفكاره الصاخبة ، يسير والحائط بحثا عن مقهى يواري رؤاهسار بين جبال المزابل المتثائبة ، والقطط المتسكّعة في شرايين المكان ، لا

مشى كئيب الخطوات زمنا لم يقدّره بين جماجم الدكاكين والشوارع العارية إلامن بقايا حجارة ونيران متقوقعة على خيباتها ، وفجأة لاح له ضوء مقهى في آخر الشارع  ، فهرول نحوه تبرّج المقهى في وجهه ، وراوده عن نفسه باللفظ واللحظ ، ، عجز عن مقاومة فتنته ومفاتنه ، فدخله محمّلا بحزمة من الأوراق والأقلام ليلوذ بمكان هادئ ، فأفكاره الحبلى شدّها المخاض إلى جذع مداد متعطّش للمرافئ ، توجّه نحو طاولة تلوك وحدتها  . المقهى غارق في صمته ، وضوء رقيق يداعب الأبصار ، ويبعث في القلوب مشاعر شتّى ، رذاذ يغازل بلوّر المقهى المطلّ على بحر من أطلال غضب ، جماجم مبثوثة في الفضاء تدخّن سجائرها والوقت ، وعيون على حافة الشهوة تلتهم بشراهة أجسادا تفنّنت في إبراز مواطن الفتنة والمفاتن ، جلس إلى الطاولة قرب نافذة مطلّة على الضباب ، وأشعل لفافة من التدخين ليبثّها هموم اليوم ومشاغله ، ويسرّ لها بأسئلته التافه منها والحارق ، فجأة توجّه البصر وفي غفلة منه نحو رياض الحبّ الممنوع ليتابع مأدبة الذئاب الناهشة واللحم المنفوش على ضفّة الشّبق ، اقتحمته في تلك اللحظة مشاعر شتّى ، واشتعلت في داخله  أسئلة  متسكّعة ، ووجد نفسه  جالسا على حافة خراب القبيلة إلى شجنه ، يحاول جاهدا بعث يمناه في  رماد الحلم لترمّم بوهج اللغات انحدار العقول نحو سحيق الدركات ، ولتنفخ من روحه في رميم القوافل صهيل الرعد ، ممنّيا النفس بلقاء الأحبّة ، ليبني لهم في الخيال قصورا من ماء اللغات ، ويبسط لهم الحرف واحات من جليل الصفات .

وامتدّت هواجسه كرؤوس الأفاعي ،  لكن خريف العمر احتلّ كافة أقطار الوجود  داخل المقهى ،فأينعت  ثمار الفتنة الراكدة في الخطاب على حزمة أوراقه ، وتقلّبت الكلمات في الظلمة  يمنة ويسرة بحثا عن نقطة ضوء في قول يزفّ للكلمات بهجتها ، ويعبّد للشمس طريقها الملكي للماء .

وقف بباب اللغة باسطا يد الرفق والسؤال  ، وتحسّس درب الشمس بين ثنايا اللغات المنكسرة على صخرة الموت وفي أقلامه وأوراقه ، فارتدّت منه اليد إلى قيعان الألم المحفوفة بأشواك الغروب ، خائرة الأحلام ، محطّمة الرؤى ، واستأسد في وجدانه زئير القحط ، وافترسته شجون السقوط ، فجلس لسانه القرفصاء في مهبّ لفح السفح ، وشربت لغته ملء الغياب نخوتها المهزوزة ، وطلبت الأفق لعلّها تدركه ، تلك مصيبة لغته الحاضرة “الهنا والآن ” بالغياب …. ورغم عواصف حيرته العاتية رفع قلمه للكتابة وأطلق لذاته العنان لتمخر عباب شجونه  ، تصارع أمواج الديجور ، وتطلب حروف الصباح ومداده من وراء جبل المتاعب ، وطعم الحلم كمذاق نقطة ضوء في الليل البهيم في فم الوجود ، ، وحروفه على إجهادها تحاول السير على درب الأوراق لتهيّئ المرافئ لصلاة العشاق التائهين  ، لعلّ غريب الفجر المقيم في الترحال على وجع يطرق الباب ومعه نسيم الصباح ، فتتفتّح الكهوف ، وتتزيّا الدياجير بالعطر واللغة .امتدّت أوراقه دربا  أمام عينيه المثقلتين بوجع قديم ، وتطاولت الأسئلة في البنيان ، وحرّكت آلامه مشاعر راكدة  ، وهموم الأيام  تطلّ من حين إلى آخر من كوّة قلقه برأس مشتعل غربة … مشى بين أكوام جماجم الحروف المتناثرة هنا وهناك على ضفّتي الطريق بلا هدف ، وتبدو السماء بلا طعم هذا اليوم كبائعات الهوى داخل المقهى ، وكذلك الكلام بلا رائحة ، وباهتة هي ابتسامات المداد هذا الصباح ، لا شيء يدفع به نحو أديم التفاؤل ، كأمواج الشتاء المحطّمة على صخرة الضياع أحلامه ، فالحلكة ماسكة بزمام الرّقاب ّ … مشى على شوك الحيرة …مشى …مشى حدّ تقاطر دم الفجيعة من قدمي حروفه ، وانطلق قلمه في التحبير :

………

كانت متسمّرة وراء ضباب بلوّر نافذتها الكثيف ، تتابع أمواجا متلاطمة من الرؤوس ، وأصواتا متعالية من الشارع تمزّق صمت الغرفة الغارقة في الذهول . بقيت على تلك الحالة زمنا لم تقدّره حتى نال منها التعب ، تعبت قدماها ، ولم تتعب الحناجر المتدافعة . تململت هواجسها ، ثمّ تحرّكت نحو باب الغرفة تاركة النافذة لمصيرها . الأجساد الغاضبة احتلّت تفاصيل الشارع ومفاصله منذ الصباح الباكر . ورائحة الدم منبعثة من أعمدة الجرائد الملقاة على الطاولة بجانب سريرها الغارق في الصمت الكئيب ، وصوت المذيع يتابع عربدة الرصاص في الأزقّة والأحلام.اقتحم الاضطراب عقل الواقفة فيمهبّ السؤال ، وتقاذفتها رياح الحيرة العاتية . دفع بها موج الخوف الهادر نحو شاطئ صخريّ ، تكسّرت حبّات سكينتها على صخرة كانت تقف بشموخ وسط اللوحة الزيتيّة المعلقة بعناية على أحد جدران الغرفة . كانت عيناها مضطربتين كأنّ الشوك تحتها ، وذات قلق التقت عيناها بعين طفل دامعة يجلس على الصخرة في مهبّ الضياع ، ومن حوله عشرات الجثث وأرض جرداء منبسطة تجري من تحتها الدماء . اشرأبت أعناق الحناجر ، وهدير الشارع يسابق صوت الريح ، حتى العصافير تخلت عن عادتها هذا الصباح ، وتدافعت مع المتدافعين تزف للأفق دم الشهيد . نزل الطفل من على صهوة صخرته ، وترجّل ، غادر اللوحة المعلقة ، واتّجه نحو النافدة بخطوات خاشعات ، وعينا المتسمرة في مكانها تشيّعه بجنون ، كفكف بيمينه المرتعشة ذهول الفتاة ، وتطلّع من بلور النافدة المتثائب ، مدّ يمينه نحو الرؤوس المتزاحمة حول صنم تحاول اسقاطه من عليائه ، وبعث فيهم ابتسامة دافئة ، ثم وجّه وجهه شطر اللوحة وعاد سيرته الأولى ، وكأنه لم يترجل من ذي قبل.

يقف الرجل الحجريّ بشموخ رافلا في معطفه البرنزيّ وقبّعته الإفرنجيّة وأسلحته المتنوعة ، يحدّق في الوجوه المشتعلة بكبرياء رخاميّ ، ورقبته مطوّقة بحبل يمسك بطرفه الشباب المندفع ، ورائحة الغاز المسيل للدموع تعربد في الأنوف والعيون ، وسيارة البوليس باسطة ذراعيها متأهّبة للفتك . صياح يسابق صوت الريح ، ويرمي بحممه في وجه الرجل الحجري العنيد . استأسدت الأيادي الغاضبة ، واستمسك الرجل ببرودته والكبرياء . فتقدّمت نحوه آلاف الرؤوس تنادي باجتثاثه متحدّية أنيابه ومخالبه ، وتشدّ على الأيادي الجاذبة للحبل ، والرجل بينهم كما الرّخام لا ينبس بحرف . ارتفعت أمواج الغضب تعانق أبواب السماء ، رافعة على أكفّها أغاني الرعاة ، وأناشيد الضحايا ، ودماء العاشقين ، وترتّل تحت قدميه آيات الطوفان … هل غادر الماء منابعه هذا الصباح ؟ …أم تراه يصارع سكرات الصمت داخل كهف الغياب ؟ حتّى الأشجار والمباني المتبرّجة اكتفت بمتابعة الغضب بعيون خاوية . تحرّكت سيارات البوليس ، فملأ زئيرها الرحب ، وبعثت بعصيّها ورصاصها رسلا تعلّم الناس التقهقر والهروب ، فتراجعت الرؤوس خطوات إلاّ الحناجر فتسمّرت في مواقعها تردّد نشيد الطوفان ، وترتّل على مسامع الصباح آيات الصمود ، والصباح في غفلة منهم يضمّد جراح الشمس ، ويلملم عظام الموتى.

اقتلعت الواقفة وراء بلوّر النافذة أقدامها من وحل الذعر والسؤال ، ومشت خطوات متثاقلة نحو خزانة الملابس ، وتخيّرت لوليمة جسدها من الفساتين أجملها. لفّ الفستان مفاتنها ، وأحكم إبراز أنوثة مشرعة طالما نهشتها أقبية السجون وأقلام العسس وعصيّ المخبرين . وقفت أمام المرآة وكأنها لم تقف أمامها من قبل لتهذّب تفاصيلها ، فشدّ انتباهها تمرّد نهديها لأوّل مرة ، فتجوّلت بيمناها في أزقة وجهها ، وتحسّست في جسدها مواطن كادت تنساها لمّا تعلقت همّتها بتحريك الحناجر والسواعد والألباب مند زمن طويل . لم تقف على جمال الأنثى فيها ، إذ فقدتها كما فقدت لذة قهوة الصباح وهي في طريقها إلى مقر الجريدة المدجّج بسيارات البوليس كل صباحوقفت بشموخ وسط الغرفة ، وابتسامة عريضة تحتلّ صفحة وجهها ، مسكت بطرف فستانها ، راقصته بجنون ، ورتّلت على مسامع الوجود إنجيل أنوثتها ، وبثّت في الغرفة ماء الحياة ، فأينعت أحلامها بعد ذبول على وقع صياح الرؤوس الدافعة بأيدي متشنّجة الرجل البرنزيّ نحو الهاوية والنسيان.توجهت نحو اللوحة مرة أخرى وكأنّها تبحث عن شيء فقدته . لقد غادر الطفل المكان ، وأقلع عن الصخرة والضياع ، واستحالت الأرض المنبسطة تحته عيونا تجري دما . تمرّد الدم المنهمر ، وجرف معه أسوار اللوحة ، وانطلق في عنف نحو أثاث الغرفة جارفا كل ما اعترض سبيله . التهم السكينة والستائر والسرير والجرائد ، لم تفقه الواقفة من أمرها شيئا ، وتملّكها ذعر زئبقيّ ، فشلّ حركتها . طلبت بعينين مضطربتين النافذة فلم تدركها ، وبحثت عن الباب فلم تجده . شدّها خوف رافل في سعادة مّا في مكانها بسلاسل من حديد ، حاولت مصارعة الدم والمصير وركوب صهوة الفرح ، ولكن دون جدوى .غضب الدمّ كان أقوى من تمسّكها ببقايا حياة مهدّدة ، وهديره كان يضاهي هدير الأيادي الصارخة في الشارع تلك التي تصارع كبرياء الرجل البرنزيّ . اختلطت الأصوات بالدماء ، فأرهقها الذعر ، وهدّها الخوف ، فأمواج الدم تنذر بالطوفان ، وتزفّ الموت لكلّ شيء ، لم تشعر الواقفة على حافة الموت في غرفتها المغلقة بشيء ، طفت على سطح الدّم وانطلق بها نحو الشارع ، لتستقبلها الأكفّ الغاضبة بالأزهار والحمام ، وترتفع بها الحناجر إلى الأعالي نحو الرجل الواقف ببرود ، حدّقت في عيون الرؤوس المحتلّة للشارع ، استوت في وقفتها على الأكفّ ، وألقت بحمم عينيها على وجه الرجل البرنزيّ المتلبّس بصمته ، فرأت في عينه جثث الأزهار … المشانق …دموع النساء … الأحلام المذبوحة .كما رأت في عيون بعض الحناجر الغاضبة الأنياب والذئاب والشمس الكئيبة ، تطلّعت في الرؤوس المتدافعة مرّة أخرى ، وكأنّها لم ترها من قبل ، فرأت في بعض عيون الثائرين ثعابين وأفاعي تطلّ برؤوسها من حين إلى حين تنهش ابتسامة الطفل الوليد المدّد على شفاه الصبايا وسواعد الشبّاب في غفلة من الحناجر ، تجوّلت المحمولة على الأكفّ بعينيها بين الرؤوس كمن تحمل رضيعها بين أحشائها ، وقد شدّها المخاض غلى جذع حلم ، فتوجّهت نحو الجالس على خوفه ينتظر ساعة السقوط ، أحكمت ربط الحبل حول عنقه ، وجذبته بقوّة تحت مطر الأناشيد ، وفجأة تحطّمت خيمة الكبرياء ، واندثرت أوتادها لتترك مكانها للفراغ والزغاريد ، لقد سقط الرجل البرنزيّ ملفوفا في بروده ، سقط كما تسقط ورقة الخريف في حفرة الضعف والنسيان ، فاشتعلت الحناجر تهليلا وتكبيرا ، وامتدّت السواعد نحو الفراغ بحجارة الأفق الورديّ لتزفّ للدم زهرة الصبايا المتحلّقات حول نخيل الصباح والحكايا ،فتسلّقت ذاكرتها لحظتها جذع الأمس القريب ، وتهاطلت عليها صور محمومة ، مرتبكة كأقدام اليتامى ، بحثت عن الرجل البرنزيّ اللائذ بقصور النسيان في سماء الغياب ، جدّفت ضدّ السفوح والحفر لعلّ الذاكرة تستوعب لحظة سقوط كبير الأنياب ، فوجدت نفسها على متن القحط تصارع الذهول ، كمن يصارع موج الظنّون في يوم مطير ، لقد جفّ ماء الذاكرة ، وتوقّفت عند لحظة انحدار الصمت المزيّف من عليائه على الأرض تحت الأرجل الغاضبة ، واستفحل الموت الأليل في مفاصل السواعد

فتاهت الألباب على درب الأمل ، محمّلة بأشواق الأوّلين ، نخبط في أرض السؤال خبط عشواء ، وبوصلها الى الضوء كوّة رافلة في الشجون ، ولغتها متعثّرة الخطى ، مسيّجة المعاني والصور بالديجور حيث الخيبة تستعدّ لنشر أشعّتها على صفحة ماء الهزيمة الراكد مذ كان الحلم كلمة كامنة في صلب الخيال المحموم ، والفجر صحبة ضحى يسير في عقول المتحلّقين بالمهشّم على الأرض في سكرات الموت على شوك الليل ، وألسنتها قوافل عليلة ، مشتعلة أقدامها بذكر القحط ، وتخطّ عقيرتها المبحوحة من حين إلى آخر على أرض العقم المترهّلة خطوط الغبن والضياع ، وعواء السراب منبعث من أعلى قمّة الفراغ ”

رفع رأسه كمن نسي شيئا ذا بال ، نظر إلى البحر من النافذة ، فإذا هو كما السواعد الحاملة للفتاة على أكفّ الغضب ، امتدّت يده لقهوته ، شربها على عجل ، فلقد تذكّر موعده مع صديقة جديدة تعرّف عليها أيام الثورة دعته لحضور أمسية شعريّة . تأبّط حزمة أسئلته ومشروعه الإبداعي الجنين ، وغادر المقهى .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة