أحمد الخميسي في مجموعة ( الديك الاحمر) الانشغال بالناس .. الاشتغال بالجمال

 

الرابط : اصدارات ونقد (::::)

إبراهيم محمد حمزة – مصر (::::)

” قبضتان تمسكان بالديك ، فيذبح ، وتطير الرأس متدحرجة تحت حافة الثلاجة ، بينما الجثمان يجاهد مقاوما الموت ، إن جسد الطائر يتفجر وحده ، بالمهانة المختزنة طويلا ، يقاوم بينما الرأس يفكر ، ويخطط ، ويحلم للبدن أن يعبر الباب ، ليسترد حريته وشموخه ، فى حين يدور الجسد فى الهواء دورة عجيبة غير متوقعة .. ويندفع – بدون الرأس – إلى نافذة مفتوحة منطلقا إلى الحرية ” هذا تلخيص جارح لقصة منح الأديب الدكتور أحمد الخميسى  عنوانها لمجموعته الجديدة :  ” رأس الديك الأحمر ” (1) . ـ ما قبل “الديك ” : وتحمل مجموعته  الرابعة هذه  سمات وملامح أسلوب الخميسى ، وبصمته الفنية النادرة ، وانحيازه الجمالى الذى أسس له عبر مجموعاته ، بداية من مجموعة مشتركة بعنوان ” الأحلام ، الطيور ، الكرنفال ” صدرت عام 67  ثم مضت سنوات كثيرة ، حتى صدرت مجموعته الثانية ” قطعة ليل ” عام 2003م وكانت بشائر الثورة المختفية المتوارية محجبة وسط لغة المجموعة الفخمة ، وفى القصة المعنونة ” قطعة ليل ” ذاتها ، نقرأ : “لابد أن قطعة ليل مرمية فى مكان ما . كيف يمكن للحياة أن تستمر هكذا ؟ .   بهذا الحس الفلسفى الثائر ، تستمر رحلته الإبداعية ، يقول الناقد الكبير علاء الديب عن هذه المجموعة ” منذ زمن لم أعثر على مجموعة قصص بهذه الأهمية والجمال والإثارة . 12 قصة قصيرة هي فيما أعتقد حصيلة عمل جاد طويل وإدراك ناضج لمفهوم الكتابة ووظيفتها.. ” (2) وحين تصدر مجموعة ” كنارى ” عام 2012م يكون الجو العام فى مصر معبئا بظلال من الغضب الموشى بالقهر الحاد ، تصبح  حبلى بالنار ، يعبر ” الخميسى ” عن ملامح الثورة القادمة – المجموعة صدرت فى 2010 قبيل الثورة ، سنجد التسامى الفنى فى قصص متعددة ، أكثر تخفيا ، وأهنأ بفنها ، مثل “ليلة مبهمة “، “انتظار ” ، ” بدلة ”  و”نظام جديد ” . بعدما قدم فى قصة ” محاكمة ” طرحا موازيا لكارثة بغداد وحكامها . وتفوز مجموعة ” كنارى ” بجائزة ساويرس فرع كبار الكتاب ، فوز مستحق ، لكن القيمة الجمالية للمجموعة لم تتبدل بعد الفوز وقبله ، هى ثابتة إذن ، والعشرون قصة التى تضمها المجموعة تتصل اتصالا روحيا وثيقا عبر لغة هامسة متدفقة ، لغة شاعرة ، بدون تدفق الشعر ، كأنها لغة نبوءات مختصرة وعميقة وموحية ، يكاد أبطاله يعيشون مشاعر واحدة متصلة ” (3) نعود لمجموعتنا ، وقد أصابتنا الدهشة – كقراء – حين طالعنا القصة الأولى التى حملت نفس عنوان المجموعة ، حين يعترف الكاتب – ببساطة – بانحيازه المخلص الواضح للعامة ، يائسا من جعجعة المثقفين ، وطنطنة بعضهم ، فالقصة تنحاز للبدن فى مقابل الرأس ، للفعل فى مقابل الكلام ، للشعب فى مقابل الصفوة التى تجيد الكلام بقوة . وتاتى اللغة لتؤسس للرسالة بشفافية عميقة ” الرأس – وقد – ابتهل إلى  الرب ، أن يمنحه لحظة واحدة مع بدنه ليبثه الرسالة .. الباب ، لكنّ خيوط الدم توشك أن تنهى دورتها الأخيرة فى الرأس ” ثم يعجز الرأس ، ويتصرف البدن بشجاعة وعنف وحكمة : ( فجأة انفلت البدن ، رفرف لأعلى . دار فى الهواء دورة عجيبة غير متوقعة ، خفق جناحاه بين الأرض والسقف . اندفع إلى نافذة مفتوحة ، وانطلق منها إلى الحرية ) . الرمز فى القصة محكم وذكى ، ومخطط له بوعى فنى راق عبر لغة شاعرية بهية بديعة ، فالشعب الذى انتظر أن تقوده نخبته الواعية المثقفة (الرأس) ، لم يجد منها تحركا ، ولذا كان عليه أن يسعى لنيل حريته وحده ، ويسعى للخلاص بذاته وترك النخبة البائسة اليائسة “الرأس ملقى قرب حافة الثلاجة بعرفه الأحمر يرى طريق النجاة ” – هل للعرف بلونه الأحمر دلالة ما ؟!! بينما البدن : ” يهتاج ثائرا يفتش عن منفذ ، يخطو بمفرده متخبطا ….. يندفع غير آبه . يصطدم بماسورة تحت أرض حوض الماء .. يتمهل . ترتعش كل خلية فيه بغريزة التفكير ” . تأتى خطورة هذه القصة – والتى أرّخها الكاتب أبريل 2010م – من وضوح التوجه لدى الكاتب ، من انحيازه السمح للناس ، من ثقته أن الشعب حين يثور لن يحتاج لدليل ساكن يقوده . إن اللغة هنا تعبر عن حقيقة ملتبسة غامضة لدى القارىء ، لكنها تترك له هذا التوازى القصصى ، حكاية لها تأويلان ممتعان ، والكاتب لم يلجأ للواقع ليصوغ الفكرة ، السياسية الدقيقة ، لكنه لجأ للرمز المتصل ، فى لغة فخمة ، ” فأعظم خيانة يرتكبها الكاتب هو أن يصوغ الحقيقة الصعبة فى عبارة رخيصة ” (4) ودقة اللغة و”قصديتها ” وتأسيسها المبدئى للفكرة يمنح شكلا للتعدد داخل النص ، بحيث يحتمل دلالات وتأويلات ، فـ نظام المعانى المتعددة هو وسيلتنا لأن نرى بطريقة أكثر وضوحا طبيعة جزء أساسى من عالمنا وعقولنا ” (5) ـ استخلاص الجوهر : شخوص الخميسى دائما نبيلة خلوقة ، نبيلة مغموسة فى صفاء ، لأنها نابعة من إنسانية ” جوهر ” لا مظهر ،سنجد قصة ” الحب والفولاذ ” ورغم تقليدية العنوان، نموذجا للنبل ولقوة الحب وصدقه ، ولهذا الارتباط الحاد بين الحب والوطن ، فكلاهما حب خالد.  وفى قصة ” آخر مرة ” لقطة مشهدية مسرحية بامتياز ، ساخرة مشاكسة ، عالم الميكروباص وصراخه وسبابه ، بينما يقبع الجوهر وسط هذا التدنى ، رجل ريفى وامرأة ، ربما كانت زوجته أوأخته ، لكنهما وسط هذا العالم الصاخب الضاج يبقيان نموذجا للوداد الصادق البسيط ، السارد فى القصة محايد ، جعله الخميسى يحمل ” كيس جوافة ” تعبيرا عن ” قمة المحايدة ” فى لمحة مازجة من الكاتب ، ثم يرسم بشكل عابر صورة التدين الظاهرى الجديد ، فى نموذج رجل يتوسط الراوى وفتاة شابة ، وهو دوما ينفخ ويستغفر ، وكأنه سقط وسط كفار مكة ، شاب صعيدى يركب خطأ ، ويطلب من السائق أن ينزله والسائق يرفض ، فيتطلق صوت أحدهم ” الله يلعن أبو المواصلات واللى اخترعوها ” فيرد السائق عليه ، ويغضب ويزيد سرعة السيارة ، وتتعقد الأمور أكثر ، بينما تتوقف السيارة فى النهاية لنرى الفلاحة تأخذ بيد رجلها فى حنان بالغ وتعبر به الطريق نظرا لمرضه ، وهى تقول له ” معلش يا اخويا ، آخر مرة نيجى مصر ، معلش ” . ورغم اتساع المدى الدلالى للعبارة ، والإشارة المبطنة إلى أن هؤلاء ليسو من مصر هذه التى تشير لها المرأة ، فإن هذا المفهوم المباشر الذى يندلق على أرضية السردية القصصية البراقة هو جوهر خالص ، لأننا أمام لمحة مقبوض عليها بوعى بطبيعة القص ذاته ، وكأن المجموعة تنحاز كغيرها بشكل حازم للفقراء والضائعين والمهورين والمعذبين على هذه الأرض ، وقصة الفتاة الصغيرة فى مجموعة ” كنارى ” التى يموت والدها ، ويرعاها رجل قبطى  وزوجته ، لأنهما بلا أولاد ، ولا يرتاح أهل الشارع ” الأتقياء ” إلا حين تطرد الطفلة من بيت الرجل القبطى ، وكأن الحق والعدل والخير والجمال قد تحقق فى هذه اللحظة التى استقبل الشاعر طفولتها الجريحة . هكذا يظل دكتور الخميسى قابضا على فكرة النبل التى هى طابع عام فى كتاباته ، وهو ما سنجده واضحا تماما فى لؤلؤته الممتعة ” ومض ” وهى قصة من الجوهر المصفّى : لغة وقبضا رهيفا شفيفا على اللحظة ، ومراوحة بين الحلم ، والعودة منه ، ومخاتلة القارىء بذكاء فنى راق  فى الانتقال من حلم يشبه الواقع إلى واقع مختلط بالحلم ، القصة فى سطرها التاسع تخبرنا أن الحبيبة – رحاب – قد رحلت ، وصار ( كل شىء أنها ليست هنا ) . كيف يصل الكاتب بلغته لهذه الدرجة من النقاء والبهاء ؟!! كيف قبض الدكتور الخميسى بصبر على اللحظة التى “جرى وراءها طويلا حتى أمسك بها ” كما يقول الناقد أبو بكر يوسف ؟ الراوى أستاذ فيزياء فى الجامعة ، منشغل بالعلاقة بين المادة والطاقة ، وكيف تتحول المادة إلى طاقة موجبة كالضوء والعكس ، تأسيس سردى على ظاهرة علمية ، ثم رفدها بمقويات صوفية وروحية ، يستعين فيها بسلطان العاشقين عمر بن الفارض وقصيدته الغزلة الغارقة فى التصوف والرمز (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي) لنقرأ ( يا مانعى طيب المنام ومانحى / ثوب السقام به ووجدى المتلف / أخفيت حبكم ، فأخفانى أسى / حتى لعمرى – كدت عنى – أختفى ) . إنه الحب الكامل التام الناشع من الجسد إلى الروح ، المتصل بالحياة حتى الممات ( حتى عندما تمسين عجوزا تتحركين ببطء ، تسمعين نصف ما يقال ، سأظل أحبك ) ثم يتواصل المعنى ( لابد أن هناك وسيلة تجتاز بها الروح المسافات المجهولة إلى الروح ) ثم يظهر للراوى طيف برتقالى يبدو ويختفى ، ثم يظهر ثانية ، حتى يتداخل الخيال بالواقع ، فيرى الراوى الطيف ويتحدث معه ويسير فى المدينة بجواره ، ويكتشف السارد أن الطيف يعانى نفس آلام الروح الممضة نتيجة الفقد ، هذه القصة النادرة لم يحمل الأدب العربى إبداعا بهذه الكثافة المبهرة المبهجة فى التعبير عن الفقد والحب مثلما حملته ” ومض ” لتتناغم مع بعض إبداعات محمد المخزنجى فى ” أوتار الماء وغيرها ، ولتشكل هذه الكتابات سبيلا جديدا فى التعامل الرهيف مع اللغة . وانظر لوصفه للحبيبة هنا : ( كنت أشعر أنها مثل شجرة فتية واحدة فى هذا العالم ، وأنا جالس تحتها ، مستندا بقلبى إلى جذعها ، أحدق بعينيها الشاردتين ، فأرانى وأعرف لماذا خلقت” ويواصل هذا النص الملائكى  سيره الهادر فى طريق التجريب الفنى الواعى .. وحين تنظر للقصة من جهة “صنعة الكتابة ” سيعرف القارىء مدى المعاناة الفنية فى كتابة عمل كهذا ، وكيف يستطيع الوصف الجارح للحظة اللقاء الجسدى أن يرتقى ويسمو ، ويتألق لدرجة (لم تكن متعة البدن اللاهبة هى التى غيبتنا عن الوعى ، بل شعور مذهل بالروح تمزق الروح لتسكنها ، تشقق الذكريات مندفعة إلى ذكريات ، تفتت المواجع تجرى إلى شبيهاتها . تكسر الأمانى تتحد بأمانى ، اندفاق الأمل يتوحش ليلقى الأمل فى الروح الأخرى ) .    فهل بعد هذا بهاء ؟!!  ولا تبتعد قصة ” جئتِ أنتِ ” كثيرا عن روح ” ومض ” فبها قدرة المبدع على التشبث بلحظة ، وتحويلها لسردية كاملة ، غير أنها – القصة – تلقى بثقلها كله على منطقة أكثر ندرة فى التعامل الأدبى ، وأشد عاطفية ،وأكثر جلالا ،  إنها الأمومة التى نسجها الكاتب من خلال لحظة تفجر الأمومة ، حيث نرى ابنا يعود أمه ، يكرر الزيارة لها بحب جارف ، وأثناء تمسيده لجبينها وقدميها ، يحكى لها ويمازحها ، ويذكرها بما يرسم بسمة على شفاهها ولو كانت واهنة ، ويقص عليها حين كان شابا جامعيا ، واعتقل ، وكيف مرض وتم تحويله لمستشفى يصحبه شاويش ، ومكوثهما بغرفة بها مريض جبان ، وكيف استطاعت الأم أن تزور ولدها رغم حصار الشاويش ومنعه ، بينما ادعت الأم أنها تزور الشخص الآخر فى الحجرة ، لكن شوقها يغلبها ويجرفها بعيدا ، وفجأة ( نهضت واندفعت إلى سرير ابنها تضمه وهى تبكى هاتفة : يا حبيبى يابنى ) .. قصة مدغدغة للمشاعر ، صادقة فى نبلها كعادة شخصيات الخميسى ، وقد قدم الماضى بشكل حيادى من خلال الشخص الثالث (الهو ) ولم يكمل لعبة القص على لسان الابن ، مما أتاح فرصة للغوص فى أعماق الشخوص ومشاعرهم ، قليلة هى القصص التى تمتلك شجاعة مس المشاعر ، والاقتراب من الروح . ـ حين ينتصر الزيف : الناظر لقصة ” قائمة للنسيان ” سيجد فى ظاهرها قصة رومانسية عادية لشاب يحب فتاة ، ولكنها تخاصمه لأنها حلمت به يمشى مع فتاة بيضاء طويلة ، فيغضب لخصامها ، ويشكو هذا الخصام لصديقه ناجى ، وناجى هذا الصديق المقرب لصلاح بطل قصتنا ، وهما معا التقيا ” نجلاء ” لكنها مالت يومها فى اللقاء الأول لـ ” صلاح ” ولم يلفت ” ناجى ” نظرها ، ربما لأن ( ناجى هادىء الطبع ، كما أنه ظل يبربش بعينيه كثيرا ) . صالح غاضب من حبيبته ، وثائر من نفسه التى كانت تراها جميلة ، رغم أنها ( صعلوكة ، صوتها مثل ذكر البط ، عيناها مبحلقة ، تندفع فى الشارع تطوح ذراعيها كأنها فى حلقة ذكر ) لكن المحب الحقيقى المتوارى – ناجى – يعترض وهو يكتم حبه (لا .. هى تلمس الأرض برقة ، تكاد تطير كملاك ، نظراتها دافئة ) ولأن الزيف ينتصر ، تتصل نجلاء بصالح ، فينسى كل ما قاله وما قرره ، ويطير لها ، بينما ناجى يمسك بكتابه الدراسى بكلية الآداب ، ويقرأ ظهرت قصص المغامرات الخيالية الإنجليزية شعرا فى القرن الثانى عشر ) ثم يتنهد بخفوت ( نجلاء جميلة .. جميلة جدا ) . قطعة سكر تنزلق فى فم القارىء ، حين يكتشف أن ” عصر القصص الخيالى قد انتهى فى القرن الثانى عشر ” ولم يعد لناجى وأمثاله مجال عشق أو هوى ، وهو الأصيل ، وصار الحب الذى – كان في أول الزمان يخضع للترتيب والحسبان نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء اليوم يا عجائب الزمان قد يلتقي في الحب عاشقان من قبل أن يلتقيا – كما يقول عبد الصبور فى قصيدة شهيرة له . صار مزيفا ، ولذا فالقصة تكرس للحظة انتصار الزيف ، وارتفاع الجهل ، وتوارى الأصيل الجميل الصادق ، وهو نفس المعنى الذى نتلمسه فى ” أحب ساراماجو ” وقد عبر الخميسى كالعادة عن المعنى الذى ” لابد له من قلب طهور مشع بالنور ، لكى يحتضنه ويدس وجهه فيه ويبكى ” كما يقول د. أبو بكر يوسف . وإن كان الموقف بالقصة السابقة يختلف عن موقف هذه القصة ، فالقصة الأولى تقوم على تباين contrast  بين شخصيتى الصديقين ، بينما فى قصتنا سنجد ” رمضان يحتل الواجهة بجسده الضخم ، ورأسه الحليق على الزيرو ، ونحن نراه ” يتصفح المجلات ويتثاءب حتى يطلب منه شىء ما ، وتمضى القصة فتصور ذهاب رمضاننا هذا بديلا عن محرر لحضور مؤتمر ، بعدما حمّلوه بنصائح حول كتابنا : طه حسين ، والحكيم ، ولتقل أيضا أحب ساراماجو ، لكنها يفهمها “صاراماتو ” على أى حال يفوز صاحبنا بالمهمة بعدما لهف المئة جنيه بدل السفر ” ويتحول صاحبنا إلى ناقد أدبى ينصح الناس ويعلمهم … يرسم الكاتب ملامح ” رمضان ” بشكل متزن ، لم يسع للمبالغة فى تصوير جهله أو غبائه ، بل على العكس ، لقد أهـّـل بطله للأمر ، فهو طموح ذكى يتعلم بسرعة ، يفهم فى الكمبيوتر ، لذا فالقصة لا تفضح زيف العامل ، بل زيف الواقع الثقافى المتدنى الكاذب ، الذى يتوقف عن غربلة ذاته ، وينخدع ببدلة ورابطة عنق ، وهكذا ينتصر الزيف . وبصورة أخرى سنجد نفس التيمة فى القصة الأخيرة بالمجموعة ، قصة ” واجب ” وهى تنتمى للقصص الخارجى البرانى الذى يتعامل مع الحدث من خارجه ، بدون مساس بعاطفية اللحظة إلا بقدر ما تمنحه الأحداث نفسها ، إنها لحظة زيارة عزت لزميله إبراهيم المريض بالفشل الكلوى ، وتحت ستار الزيارة يستغل كرم صديقه المريض ويحاول أن يفهم طبيعة المرض وسببه وماذا يشرب ويأكل ليتجنبه ، ويخلع ملابسه العلوية ليطمئنه المريض بخبرته ، هذا الواقع المقلوب ، وهذه ” البجاحة البالغة ” نتلمسها فى شخصية عزت ، تذكرنا بهذا النفاق الاجتماعى الحاد الذى طالعناه فى فيلم ” عائلات محترمة ” للمبدع الكبير عبد الرحمن الخميسى ، خاصة وأن الحوار من إبداع أحمد عبد الرحمن الخميسى . ـ فى مديح ” الحكاية ” : تظهر فى بعض قصص الخميسى ميول واضحة لإظهار الحكاية ، ورفع مقدارها ، خاصة فى قصص مثل ” جلباب أزرق ” و” صعيدى ” حيث الاحتفال بالحكاية ، ويبدو أنها تجليات المعلم الأول للقصة القصيرة فى مصر ، يوسف إدريس ، خاصة وأنه قدم الخميسى كاتبا ، عام 1966 في مجلة الكاتب ،  ” قائلا : ” وهذا نموذج آخر من “القصة الجديدة”، انتفاضات الثورة على “القصة” و”الحكاية” والتسلسل المعقول، تحطيم هذا كله، وخلط الحطام جيدا ورجه بشدة ثم تركه يؤثر فى القارئ عن طريق مذاقه العام أو متوسط درجة حرارته أو عن طريق الارتباك العقلى الوجدانى القلق أحيانا، المعذب، الملطف، الشاعرى المحير إن شئت التعميم.. ..، اما عن الكاتب ـ فهنا المشكلة والمعجزة والشىء الذى أرفض تصديقه. أحمد الخميسى، الذى كنا نداعب محاولاته لكتابة القصة نفس مداعباتنا له وهو صغير. أحمد يكتبها؟! قصة من النوع “الجديد” أيضا، وكالسيد البدوى بأسنان كاملة، وأكثر، بذقن وشارب، ولولا بعض هنات قلة الخبرة، لقلنا النضج الكامل؟! ضعوا هذه القصة بعد قراءتها فيما شئتم من خانات، أنا شخصيا أضعها فى الخانة الجيدة جدا، ثم اعلموا أو فلتعلموا أن كاتبها سنه ثمانية عشر عاما واحتاروا، مثلى، أين تضعونها بعد هذا”. (من مقدمة المجموعة ) . غير أن عنصر ” الحكاية ” يغلب كافة العناصر الأخرى ، ولا شك أن الحكاية هى العنصر الرئيسى فى القصة لكنها عنصر بنائى يتكامل مع عناصر أخرى ، كما أن الكاتب المنحاز لقارئه لابد أن ينحاز لقيمة الحكاية ، حتى أن القارىء المتخيل يخاطب المؤلف قائلا : ” خذ فنك ، خذ أدبك ؛ خذ موسيقاك .. واترك لى الحكاية ” (6) فى قصة الجلباب الأزرق ” طاقة تصويرية بديعة ، يمرض سعد ، ولا أحد يغيثه ، إلا صاحب الأرض التى يعمل بها ، يمنحه فرخة يأكلها فى لحظة ، ثم يزداد المرض به ، فيأخذه شقيقه إلى مصر ، لكن قبل ذلك لابد له من جلباب ، يتطوع واحد من الفلاحين ليمنحه جلبابه الأزرق ، ليذهب ويعود ، ثم يعيده ” هى الجلابية هتطير يعنى ” ويذهب الشقيقان ويموت سعد ، وتصبح المشكلة فى الحصول على الجلابية ليعيدها إلى صاحبها ، أما لابس الجلباب ، فقد قرروا دفنه فى مصر فى مقابر الصدقة ، حيث أنه ” معدم ” وتظل المشكلة بلا حل : الجلباب الأزرق . وهكذا تحتاج المجموعة لصفحات توازى عددها ، لدراسة الظواهر اللافتة فى إبداع الخميسى ، وكيف قدم فى كل مجموعة قصة سريالية مختلفة ، فمن قصة بعنوان ” قصة ” فى مجموعة “كنارى ” إلى قصة رشيقة ساخرة بعنوان ” تاريخ فقاعة ” يتألق قلم دكتور أحمد الخميسى ، مبشرا بفن لا يعرف الهِـِــرم ، ولا يفقد إنسانيته .

*** ابراهيم حمزة ناقد وكاتب _______________ (1) صادرة عن الكتب خان – القاهرة أواخر عام 2012م . (2) جريدة القاهرة – علاء الديب – 7 يونيو2005م . (3) إبراهيم حمزة  – جريدة القاهرة – 28يونيه 2011م . (4) التعبير للناقد والشاعر الأمريكى  راندل جاريل – أزمة الشعر المعاصر – ترجمة ماهر حسين فهمى – دار الوحدة العربية ص33 (5) انظر د. مصطفى ناصف – اللغة والتفسير والتواصل – عالم المعرفة –يناير 1995م صـ 45 (6) .م . فورستر – أركان القصة – ترجمة كمال عياد جاد – هيئة الكتاب – 2001م صـ45

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة