هل رأيت الذئب قط ؟

 

الرابط : فن وثقافة (::::)
أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي (::::)
في مقالات سابقة ناقشنا جناية الطوفان العامِّيَّ على اللغة العربيَّة، ذلك الطوفان الذي طغَى وبغَى تحت ذرائع شتّى. ومن المعلوم أنه لم يكن للعاميّة، إعلاميًّا وثقافيًّا، موطئ قَدَمٍ لغويٍّ أو ثقافيٍّ يُذكر قبل القرن العشرين، الذي أوجد لكلّ صاحب هوًى أو هدفٍ أو توجُّهٍ- أو حتى عَتَهٍ- مجالًا لبثِّ ما لديه، دون محاسبةٍ مسؤولةٍ عن المصالح العليا للأُمّة.  حدث هذا ويحدث، منذ نشوء الطباعة والصحافة والإعلام بوسائطه المتعدِّدة.  وهو اتِّجاهٌ مؤسفٌ، بدأ على استحياء، وانتهى بلا استحياء!  بدأ في هوامش معزولة، حتى بات لا يستحي أن يعرض نفسه مطالبًا بالمنصَّة، ولا يوارب في طموحه إلى الصدارة، والسعي الواضح أو الملتوي لاستبدال العاميَّة بالفصحى؛ إذ لا معنى لدعواه أساسًا إلّا ذاك؛ فنحن في النهاية إمَّا أن تكون لنا لغتان، عربيَّة وعامِّيَّة، (بل قل: عاميَّات)- وهذا يعني إحلال إحداهما محلّ الأخرى، ولاسيما أنهما من أصلٍ واحد، ولا يحدث مثل هذا التنافس بين مستويين من لغةٍ واحدةٍ إلّا حلّ أحدهما محلّ الآخر المندثر على المدى البعيد، وهو احتمالٌ قويٌّ- وإمَّا، وهذا الاحتمال الآخر، أن تظلّ المعمعة بينهما، وتستمرّ اللغة العربيَّة المريضة إلى أن يُعثر على هيكل سليمان في القُدس!  ولن يحدث!  نعم، لم يكن للعاميَّة شِعرٌ يُدوَّن ويُنشر ويُمنح المنابر الرسميَّة والإعلاميَّة، كما في زمننا هذا.  وإنما بدأ ذلك منذ بداية انحدار الثقافة العربيَّة وتشتُّتها؛ فبدأ الأمر بالأزجال في عصور الأندلس المتأخِّرة، وعلى سبيل التفكُّه تارةً، والمعارضة السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة تارةً أخرى، ثم أخذتْ العدوى تنتقل إلى المشرق، ولكن في نطاقٍ ضيِّقٍ جدًّا، لا تحفل به الثقافة الرسميَّة، ثم استفحل هذا التيَّار، وازداد هيجانًا مع التأخُّر العربي جيلًا بعد جيل، ومع تعنتُرِ كلِّ مجتمعٍ لمحلِّيَّاته الخاصَّة.  وهكذا بات التخلُّف وراثيًّا، يقوَى عبر الأجيال المتعاقبة.  إن العامِّيَّة وأدبها ظاهرة لا تنفصل عن حال الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، وما مرَّت به من تقهقرٍ مُريعٍ، وبخاصَّةٍ منذ القرن السابع الهجري.  غير أن المفارقة في العصر الحديث أننا ما أن بدأنا نُؤمِّل في استعادة عافية الأُمَّة، تعليمًا وإحياءً للتراث وتوحيدًا للثقافة واللغة، حتى وُظِّفت الوسائل الحديثة- التي أبدعها لنا الغرب والشرق- لا في نشر الوعي وسلامة اللغة والفكر، ولكن في استعادة ماضينا، ذاك التعيس، وترسيخه، ونشره بكلّ الوسائل، بل جعله في الواجهة الأَماميَّة، وتمجيده، ونعته بتراثنا الشَّعبي، والمباهاة به بين الأُمم!
والآن تترامى دعوات ظاهرها حقٌّ، وباطنها خَلْط.  دعوات إلى محاكاة الغرب في الاحتفاء بتراث الشعوب.  غير أن ما يحدث لدينا ليس احتفاءً بحثيًّا، ولا وفق مناهج تأخذ الصالح وتدع الطالح، بل ما نشهد من ذلك سوى زوابع عامَّة، يقلُّ فيها الأكاديمي، وتعلو فيها النعرات الماتحة من آبار الماضي، المتبتِّلة في ما وَجَدَتْ الآباء عليه من مِلَل، على منهاج: «إنّا وجدنا آباءنا… وإنّا على آثارهم…».  فلا يتمخَّض عن ضوضائنا هنا إلَّا استحياء لغاتٍ ذات عِوَج، تفرِّق المفرَّق، حاملة قِيَم نسقيَّة، تُرسِّخ البداوات، والعصبيَّات، والعادات البدائيَّة، والتقاليد الجاهليَّة.  إنّنا لا نُفيد في اهتمامنا المزعوم بهذا الإرث «الشعبوي»، لا لغويًّا، ولا أدبيًّا، ولا فنِّـيًّا، بمقدار ما تَؤُزُّنا الحَميَّةُ لما نسمِّيه تراثنا من ذلك كلِّه.  وهو تراث، أو تراب، ما في ذلك ريب.  ولكن كم في التراث والتراب من أدغال، وسباعٍ، وأفاعٍ، وعجائب مخلوقات، ونباتات سامَّة؟!  وهذا الضرب من مفهوم التراث لا يرى من التراث إلَّا تراث عصور الانحطاط، وقرون التخلُّف، لا تراث الماضي الحضاري من تاريخ العرب والمسلمين.  إنه فهم للتراث يقف عند ما تفقه رؤوسُ أهله، أو ما تُحسن، أو ما تهوى، أو ما تريد.
على أن الأدب العامِّي- إلى سقام اللغة- حمّال قِيَم.  ولا نستطيع الزعم أن اللغة تنفصل عن أجواء بيئتها وقِيَمها.  والقِيَم العربيَّة الجاهليَّة التي ورثها ذلك الأدب كانت قِيَم غَدْرٍ، وظُلمٍ، وفَتْك.  لقد كان الرجل يُمدح بأنه غادر، وبأنه ظالم، وتُعَدُّ تلك مناقب فيه؛ فهي من صفات الذكاء والبطولة.  واستمرّ ذلك في العصر الإسلامي، باستمرار شِعر تلك الثقافة، وترسيخ خطابها القيمي.  ألم يقُل (النجاشي الحارثي) في هجاء (بني العجلان)، مثلًا:
قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ** وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ!(1)
أنْ لا يغدر العربي، فذلك عيب، وأن يغدر، فتلك مفخرة.  وأن لا يظلم، فذلك منقصة في شرفه وشجاعته، وأن يظلم، فما أروعه وما أعزَّ جنابه!  أجل، من يصدِّق هذا؟  غير أن ذلك كان عقلهم الجمعي، وتلك عاداتهم وتقاليدهم.  وبقي هذا عبر قرون الشِّعر العربي، وريث الشِّعر الجاهلي.  أ ولم يقل (الفرزدق)، في  هجاء أبناء عمه (بني كليب) وشاعرهم (جرير):
قَـبَحَ الإِلــَــــهُ بَني كُلـَــيبٍ إِنَّهُــــم ** لا يَغـدِرونَ وَلا يَفونَ لِجارِ
يَستَيقِظونَ إِلى نُهاقِ حِمارِهِـــم ** وَتَنامُ أَعيُنُهُم عَنِ الأَوتـــارِ!
«لا يغدرون [بالغريب]» و«لا يفون للجار [والقريب]»، قبَّحهم الله!  إنهم لا يطبِّقون المقولة الشعبيَّة المتداولة في يومنا هذا- ولعلَّها تُعَدّ حكمة بليغة لدى أهلها-: «أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمِّي على الغريب»!  وستجد هنا بعض تحذلق البلاغيِّين، قائلين: إن في البيت الأوّل (تكميلًا) حَسَنًا؛ إذ لو اقتصر على قوله: «لا يغدرون» لاحتمل الكلام ضربًا من المدح؛ فتجنُّب الغدر [قد] يكون عن عِفَّة؛ فقال: «لا يفون» ليُفيد أنه للعجز.  قالوا: وحصل مع ذلك (إيغال) حَسَن؛ لأنه لو اقتصر على قوله: «لا يغدرون ولا يفون»، لتمّ المعنى، لكنه باحتياجه إلى القافية أفاد معنى زائدًا، حيث قال: «لجارِ»؛ وتَرْكُ الوفاء للجار أشدّ قبحًا من تركه لغيره.(2)  والحق أن ما في البيت ليس تفنُّنًا تعبيريًّا بلاغيًّا، ولا يفرحون!  بل هو نقلٌ صادقٌ، وتقريرٌ واقعيٌّ وحقيقيٌّ للأخلاق الاجتماعيَّة الممارسة إذ ذاك.  فقيمة الغدر كانت مفخرة، يُمدح بالتحلِّي بها، ويُهجى بالتجرّد منها، وكذلك قيمة الظلم.  تلك هي الأخلاق العربيَّة، كما يراها الفرزدق ومن عاصر الفرزدق من بني قومه، ومن توارث أخلاقه من أحفاده أيضًا.  الأخلاق التي بقي أُوارها في المجتمع ورسَّخها الشِّعر.  الأخلاق التي أورثت (البحتري) و(أبا تمام) و(المعري) من بَعد ذلك الفكر الجاهلي في وأد البنات، وإن معنويًّا، على سبيل المثال.  فأوَّلهم، (البحتري)، لم يمنعه موقف العزاء في ابنة (محمد بن حميد الطُّوسي) من أن يستنكر عليه الحُزن على بنته، فأخذ يعزِّيه بأن «موت البنات لا يستحقّ البكاء»، والبكاء عليهن ليس من شِيَم الفِتْيان، مستشهدًا بأسلافه من الجاهليِّين، ومنهم (قيس بن عاصم المنقري)، الذي كان يَئِدُ كلّ بنتٍ تُولد له، رُغم ضربِ العرب المثل به في الحِلْم!(3)  وإذا كان المجتمع من بَعدُ قد ترقَّى، أو تحوّل، وانتقلت قيمه من بيدائها إلى مدنها، فلقد بقي الشِّعر معين ذلك الماضي البئيس.  وبقي الشِّعر العامي أكثر حفاظًا على ذلك الإرث القيمي، بطبيعة الحال، كما بقي مجتمعه أشد تمسكًا بذلك الإرث واقعيًّا وقوليًّا وخياليًّا.  بل إن من الحق هنا الاعتراف بمنحدرات قيميّة أخرى في المجتمعات الشعبيّة العربيّة خلال القرون الأخيرة، زادت في انحطاطها عمّا كانت عليه الحال أيّام الفرزدق، أو حتى أيّام الجاهليّة.  ولا سيما إذا تعلّق الأمر بالعنصريّة، وبحقوق المرأة، وبقِيَم الفرد والقبيلة.  لهذا كلّه، فمن غير المبالغة القول اليوم: إن ترسيخ أدبِ تلك البيئات هو ترسيخٌ لغُثاء قيميّ كثير، لا أوّل له ولا آخِر، اعترفنا بهذا، أو خَصَفْنا عليه من ورق العواطف، وسَوَّله لأنفسنا الشَّغَفُ بما تَشرَّبناه- إذ «جَنَّ الظلامُ واختَلَط»- مِن «مَذْقٍ».. «هل رأيتَ الذِّئبَ قَط»!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (1999)، ديوان النجاشي الحارثي قيس بن عمرو، صنعة وتحقيق: صالح البكاري؛ الطيّب العشاش؛ سعد غراب (بيروت: مؤسّسة المواهب)، 52.
(2) انظر: القزويني، الخطيب، (2003)، الإيضاح في علوم البلاغة، عناية: إبراهيم شمس الدِّين (بيروت: دار الكتب العلميَّة)، 256.
(3) انظر تفصيل هذا في كتابي: (2006)، نقد القِيَم: مقاربات تخطيطيَّة لمنهاجٍ عِلميٍّ جديد، (بيروت: الانتشار العربي)، 81- 100.  وهو على الرابط:  http://khayma.com/faify/index86.html _[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي،

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة