أول الحلم في كتاب السفر : مخاطبـــــــــــــــه

 

 

الرابط : فن وثقافىة (::::)

فيصل أكرم – الرياض (::::)

(مظروف): اذهبي مخفورةً بالرماد أيتها الكلماتُ الحذرة، لا تنفردي بهذا البياض، إنَّ البياضَ ساطعٌ دائماً كحياةٍ أولى.. والسكك الطويلة الصلبة لا تنتشر اشتعالاً على ملامح العابرين كراماً، إلاّ إذا كان منهم من يفوق العادة والاتباع.. *** يتقطّر فتاتُ النار من الجبين، يشعر واحدٌ أن القسمة على صفرين سوف تحصل الآن في داخل واحد كان ومازال منشقّاً على صورتيه، الداخلية (عفواً) والخارجة عليه، يتقلّب في مكانه وينفصل عن زمانه ويترسّم في ظلالٍ ويتقسّم إلى حاليْن: حالٌ هامدٌ يُترك للعامة مكشوفاً، لا ينمّ عن شيء سوى الفراغ، الفراغ الذي يتربّص بالنازلين إلى عتمة القاع، يتربّص بالروّاد من النازلين إلى عتمة البئر المخبأة خلف أجفانهم وينحاز إليهم، يأخذهم إلى حيث يريدون ويأخذ منهم ما يكفي لتشكيل هذا الفراغ الباهت بما يليق بخلفية القسمات. وحالٌ تتعبُ الحالاتُ فيه، جوّالٌ عامرٌ بالأسرار، لا يبوح لك بما يقرّبك إليه، لا يقرّبك إليه وأنت بريءٌ من هذه النار.. كن ناراً إذاً حتى تُختبر حالاً، أو يتقطّر فتاتك من هذا الجبين.. أية ذاكرة تتخفّى خلفك أيها الجبين؟ وأيّ رماد يتناثر منك ويتمدد مشكولاً في هذا الفراغ؟ لا تعترض، فكل القياسات الآن طولاً وأنت وحدكَ جملة اعتراض.. كفاك اعتراضاً على نفسكَ وكفاك تعريضاً بها، إنها لم تقترف ذنباً سوى أنها كانت لكَ وحدك، هي الآن لك وحدكَ ولا غيركَ ذنْبها، أنت أذنبتَ كثيراً، أنت اقترفتَ كل الذنوب حين كنتَ لها وحدها.. ها أنتَ لها وحدها فأيّ مكان يتسع لكَ إذ تضيقُ بها؟ كل مكان تكون فيه يتسع لها ولا شيء في أماكنها يحتويك.. أنت أكبر كثيراً من نفسك؛ تمرَّن على الاقتناع بهذا جيداً، أنتَ أكبر كثيراً من هذه النار.. فلماذا إذاً تشعلها كل مساء وتتفرّج عليها؟ هل تحسبها، مثلك، تتفرّج عليك؟ إنها لا ترى منك سوى هذه الكفّ التي تعمل على إخمادها حين يغلبك النعاس؛ فكن أذكى منها أيها المتفرّد في الضجر ولعبة الأسباب والاحتمالات، كن أصغر منها واشعلها عظيمةً حتى تحتويك.. إلى أين يدفعني هذا المارد الذي يسكنني ويشاطرني الرغبة في الإيغال؟ أقسم أنني أؤمن بالله، وأقسم أنني أخاف النار الأخرى وألعن الشيطان، ألعنك أيها الشقيُّ المخبوء في وحدةٍ تقاسمني إياها احتلالاً، إن كنتَ شيطاناً، وأخاف عليك.. أخاف أن تتلاشى ذهولاً حين تراني حقيقةً أعلى مما كنتَ تظنّ، تراني ذلك الذي كنتُ أسعى إليه وكنتَ وحدك من يشفق عليّ من هذا العبث.. فهل أحدٌ يعبث بأحدٍ مثلما أفعل بك الآن؟ يعجبني منك هذا الإطراق، ويعجبني منك أنك تحترم المجهول. وأنا ما زلتُ مجهولاً لديك.. تجهلني أنتَ وأحفظك، أعرف وجوهكَ كلها ولم أظهر لك إلاّ بقناعٍ مصقول. وكلانا يعرف أنه غير قادر على التحرر من قدره.. فابق في مكانك إذاً وكن تابعاً لأقدارك المستحيلة عليك، كن مراقباً جيداً حتى تتعلّم فنَّ الاحتواء.. فثمة كائنات، على غير حالنا، تحتاج إلى احتواء.. بينما كل الكائنات، على حال كنا نحسبها لسوانا، لا تحتاج إليكَ ولا طبعاً إليّ .. لأن الاحتواء يخنقها، يعلّقها على أعلى مشجب في قمة الأحلام ويشنقها، يفتح لها باباً عريضاً للكلام الطليق.. وهناك.. هناك يمنحها القفل، يركّبه عليها ويجعلها تبلع المفتاح. هكذا يعلّمها الاحتواءُ فنونَ الطاعة ويجعلها تسير على خطاه.. لتضِلَّ بهُداه. * * * عينٌ بهذا اللون، كنتُ رسَمْتها وأظلُّ أعرفُ أنها تنسى يدي.. فهي التي كانت ترى ما لا أراهْ بحرٌ بهذا الموج، أعرفُ قلبَهُ للآن يذكرني.. ويعرف أنني أنساهْ فهو لم ينسَ الذي رفعَ اللآلئ أنجماً لدليل عودتهِ.. وتاهْ هو لم يزل يمشي بطيئاً، كارتحالٍ في هدوءٍ قد أتاهْ..  وكأنه عمري الذي أهديته كلَّ الحياةِ بدون أن أحياهْ. * * * عند هذا الحدّ يقف واحدٌ، فعند كلِّ حدودٍ سيقفُ كلُّ واحدٍ، ولا سبيل إلى خلخلة هذا الوقوف إلاّ بمخاطبةٍ تبدأ بالأخبار.. يكتبها الجميعُ؛ ولكنّ المأساة، تلك المأساة التي تميّزنا كجميع، أن لا أحد يقرأ للجميع سوى واحد لم يكن مقرراً في قراءاتهم المسلّية يوماً.. ولن يكون. فقط واحد لا يتقسّم إلى اثنين، حتى وإن كانا صفرين، ولا فتات النار يتقطّر من جبينه، ولا قدرة له على الإخماد.. إلاّ إذا كانت المخاطبة في أبرد حالاتها انخفاضاً، وأطولها اصطباراً.. وانحداراً.. متوالياً، إلى حين… ــــــــــــــ [email protected] * الرياض

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة