قراءة في رواية ( بطن الحوت ) ل صونيا عامر

 

 

الرابط : اصدارات ونقد (::::)

الكاتبة صونيا عامر: (:::::)

صونيا عامر أديبة لبنانية تقيم في الكويت حاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ويلز في بريطانيا عام ٢٠١٢، ولها غير رواية “بطن الحوت” ثلاثة كتب أخرى، وهي: “عصفور الجنة” و”تيه” (ديوانا شعر)، و”وقصص أخرى” مجموعة قصصية، حصلت على الجائزة الأولى عن فئة الأدب، بمعرض الكتاب العربي والدولي الـ ٥٦ في بيروت. صدرت الرواية في آذار/ 2013، عن مؤسسة الرحاب الحديثة، لبنان، بيروت،

بقلم : فراس حج محمد/ فلسطين المحتله (::::)

في متن روائي مكثف لا يكاد يتجاوز مئة صفحة صاغت الكاتبة اللبنانية صونيا عامر تجربتها الروائية الأولى في رواية “بطن الحوت”، من خلال اثني عشر جزءا، يتشكل في كل منها الحديث عن شخصيات متعددة، دخلت في تجربة تطلق عليها الكاتبة في المقدمة التي مهدت بها للرواية بأنها “خرافة في عمق المحيط”، إذ ينتقل (500) زوج للعيش أبدا في “بطن الحوت”. وما هي بطن الحوت هذه؟ إنها مكان متخيل تبنيه الكاتبة لتناقش من خلال عيش هؤلاء الأزواج، كل تلك الأفكار التي تتصارع في دواخلهم، وتكشف عن آمالهم وطموحاتهم، نكباتهم، وأخطائهم، فهم يريدون التحرر من كل ما كان يشكل عائقا نفسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا في حياتهم تلك “الحياة الماضية”، ليكتشفوا عقم التجربة، ويريدون التخلص من هذه التجربة على الرغم مما يحيطهم من مخاطر، لأن من يريد أن يترك “بطن الحوت” بعد أن دخله بمحض إرادته سيواجه الموت، ولكنهم يقررون الانتحار الجماعي، ويقفزون إلى الماء ليعودوا إلى حياتهم الطبيعية متخلين عن كل ذلك النعيم الذي مارسوه في ذلك المكان المتخيل؛ حيث المتعة والشباب والفراغ من كل المسؤوليات، فعلى الرغم من أنها حلمت بالتحرر من ماضيها إلا أنها وقعت في أسر الملل. يحيل عنوان الرواية “بطن الحوت” القارئَ إلى قصة النبي يونس عليه السلام، وقد مكث في بطن الحوت مدة من الزمن، فقد جرت به الأقدار ليلقى في البحر، ويتلقفه الحوت مدة، ليعود إلى الحياة من جديد، يعود إلى أهله وذويه، ليؤديَ دوره معهم، وهنا تتشابه الرواية مع القصة الدينية، ولكنها تختلف عنها بالتأكيد في أن الرواية بنت مجتمعا متعددا وناقشت أفكارا عصرية ووجودية ذات دلالة مهمة في حياة الإنسانية، وكشفت عن آلام لا حصر لها. يحتشد في الرواية الكثير من الشخصيات، وتتحدث عن كثير من النماذج البشرية، لنساء ورجال أحبوا التجربة تخلصا من أعبائهم؛ فالرجال رغبوا في التجربة لأنهم قد ملّوا زوجاتهم ويريدون البحث عن البديل، والنساء كذلك، فبعضهن تريد أن تتخلص من الزوج الذي أجبرت على أن تتزوجه سواء أأجبرت نفسها أم أجبرها الغير على ذلك، فيبدؤون في بطن الحوت حياة جديدة، متنكرين لأسمائهم وعاداتهم وتقاليدهم رغبة في أن يعيشوا حياة جديدة فيها السعادة المأمولة، وفي أثناء ذلك تبين الرواية طموح كل شخصية، وتكشف عن ذلك السر المدفون لأحلامهم التي يتوقون لتحقيقها، وقد جرت رياح الحياة عكس ما تشتهي سفينة الواقع، فينتكسون، وتظل رغبتهم دفينة، فتأتي تجربتهم في بطن الحوت لتكشف عن تلك الانتكاسات، والتحسر على ما فات، فنصادف في الرواية شخصيات من كل صنف؛ فقراء وأغنياء، أنقياء ومدنسين، كُتّابا وأعضاء جمعيات وأصحاب شركات وسياسيين، الهادئين والعصبيين، الملحدين والمتدينين، والمهووسين بالإنترنت والداخلين بلعبة التكنولوجيا، وغير ذلك الكثير، إنها رسمت مجتمعا متخيلا بقوانين خاصة تتحرك في فضاء خاص متخيل إنه “بطن الحوت”.   وتركز الرواية أكثر ما تركز عليه رسم البعد النفسي لتلك الشخصيات التي انتقلت لتعيش في “بطن الحوت”، ولذلك كانت الرواية تمسّ النفس البشرية وأفكارها، فتناقش الرواية جملة من الأفكار بطريقة غير مباشرة، ولعل أهم قضية تناقشها الرواية هي مسألة الخلود، والرغبة في البقاء، وهي القضية الوجودية الإنسانية الأبدية، ففي “بطن الحوت” لا موت ولا شيخوخة ولا أسقام ولا أمراض، ولا أولاد ولا تبعات ولا مسؤوليات، فكل شيء متوفر، فحياة “بطن الحوت” حياة متعة لا متناهية مما لذ وطاب وخطر على القلب وهفت إليه النفوس، ومع كل ذلك تملّ تلك الشخصيات ذلك العيش، وتفضل العودة على ما فيها من مخاطر!! والسؤال الكبير الذي تطرحه الرواية، هل كانت صونيا عامر تتحدث عن الحياة الأخرى والجنة الموعودة التي يسعى إليها المؤمنون أتباع الديانات السماوية، لاسيما وأن الكاتبة قد قرنت “بطن الحوت” بجنة الخلد فقد قالت: “مما أوصلها إلى تلك المجموعة الرائعة التي أدخلتها بطن الحوت جنة الخلد كما يسمونها”؟ لعل من يتعمق في الرواية ستتجلى له الفكرة الموجودة فيها، وسيبتعد عن التفسير السطحي لهذه المسألة الكبرى والإشكالية الجدلية في الرواية، لذلك فإن هذا الربط بين “بطن الحوت” والجنة الموعودة بكل ما فيها من متع وطيبات لم يكن مقصودا بحد ذاته لذم الحياة الأخرى أو التشكيك فيها، وفي ظني أن الكاتبة أرادت محاربة فكرة الاتكالية والاستسلام للواقع كما هو، أو الهروب منه نحو الحياة الأخرى بأي ثمن، وتدفع الناس إلى التغيير أو التفكير بالتغيير على أقل تقدير، ومساءلة هذا الواقع الذي يعيشون فيه، فعليهم أن يواجهوا ما فيه من صعوبات ومشاكل، وأن لا ينتظروا حلا سحريا خارجيا، وليس الحل كذلك في الانسحاب بعيدا في “بطن الحوت”، فيجب علينا المواجهة لنتخلص من كال آلامنا الاجتماعية والسياسية، فالجنة الموعودة لها وقتها، ولكن قبل الوصول إليها يجب علينا أن نكون بشرا فاعلين من أجل الخير والإنسانية في هذه الحياة، فليس عبثا والحالة هذه، أن يقرر الجميع في نهاية الرواية التخلص من حياة “بطن الحوت” والعودة إلى اليابسة، وليكن ما يكون، فالحياة تنتظرهم، وجمال الحياة أن تعيشها كما هي وأنت تؤدي دورك فيها، فالحياة هي قرارنا ونحن من يصنع هذا القرار.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة