حرب العراق : الحصاد المر

 
الرابط : الولايات المتحده الامريكية (::::)
جيمس زغبي – واشنطن (::::)
لا تقتصر الأكاذيب التي أحاطت بالحرب ضد العراق على المعلومات الاستخبارية المغلوطة بشأن أسلحة الدمار الشمال فقط، ولا على الصلة الملفقة بين صدّام وهجمات 11 سبتمبر، بل تتعداها أيضاً إلى ما هو أخطر بترويج إدارة بوش ومؤيديها لأوهام ساذجة عن حرب ستكون بمثابة «جولة سريعة» وغير مكلفة. وقد جادل مناصرو الحرب حينها بأنها لن تحتاج أكثر من مئة ألف جندي، ولن تستغرق أكثر من ستة أيام لكسبها، وأما التكلفة فلن تزيد عن ملياري دولار قبل أن يستأنف العراق ضخ النفط وتسديد النفقات، مؤكدين أن العملية برمتها لن تتعدى ستة أشهر. وبالطبع فقد كانت هذه التقديرات ضرباً من الخيال، معتقدة أن تدمير النظام القديم وإزالته ستولد نظاماً جديداً أفضل منه للعراق والمنطقة. وقيل لنا وقتها إن الديكتاتور سيسقط، وإن الأميركيين سيستقبلون بحفاوة باعتبارهم محررين، وإن العراقيين سيرمونهم بالورود، وسيقود هذا كله إلى ترسيخ الديمقراطية في العراق ليتحول إلى «منارة للحرية في الشرق الأوسط».
بل أكثر من ذلك وإفراطاً في التفاؤل غير المبرر اعتقد مناصرو الحرب داخل الإدارة الأميركية أن تغيير النظام في العراق سيساعد على حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبأن «الطريق إلى القدس تمر عبر بغداد». وباستنادهم إلى أوهام الأيديولوجيا أكثر من حقائق الواقع اعتقد أركان إدارة بوش الذين صاغوا وثيقة «مشروع القرن الجديد الأميركي» أن إظهار القوة الأميركية الحاسمة في العراق سيجعل الولايات المتحدة أكثر احتراماً على الساحة الدولية، وسيؤمّن لها الريادة العالمية خلال القرن المقبل.
ولكن المفارقة المأساوية لهذه الحرب أنها تركت أميركا أقل احتراماً في العالم، وضربت القيم الأميركية والأساس الأخلاقي الذي تقف عليه لتكشفها أمام نفسها وأمام العالم، كما دفعت بالقوات الأميركية إلى الانتشار في مناطق عديدة مع ما يمثله ذلك من ضغوط على الموارد العسكرية، فترتب على ذلك تعزيز قوة أعداء أميركا وفتح المجال لقوى إقليمية أخرى لممارسة نفوذها، وفي النهاية خرجت أميركا من الحرب أكثر هشاشة مما دخلتها. ومن المحزن اليوم الرجوع إلى خسائر الحرب في العراق لما سببته من مآسٍ، فعلى الجانب الأميركي فقد أكثر من 4400 جندي حياتهم ودمرت حياة عشرات الآلاف من الجرحى الذين يعانون من إعاقات دائمة. فيما على الجانب العراقي قتل الآلاف من العراقيين الأبرياء وخسر الملايين مورد رزقهم، كما أن خُمس العراقيين اضطروا لترك منازلهم واللجوء إلى البلدان المجاورة، أو النزوح إلى أماكن أخرى داخل العراق نفسه.
ومع انطلاق موجة العنف الطائفي التي أعقبت سقوط نظام «البعث» جاء معها تدمير الطائفة المسيحية القديمة في العراق، وهي المأساة التي مرت مرور الكرام ولم تنتبه لها إدارة بوش ومخططو الحرب. واليوم وبعد مرور كل هذه السنوات على غزو العراق ما زال ذلك البلد يعاني من العنف ولم تستقر هياكله بعد، وهذه نتيجة مباشرة لقرار أميركا القاضي بدخول بلد تجهل تاريخه وثقافته، وبالتالي عجزت عن فهم تداعيات خطوتها ولا مآلات تدخلها العسكري في مجتمع معقد ومتنوع مثل المجتمع العراقي. ولذا يظل العراق على شفا الصراع الطائفي حتى اللحظة الراهنة، كما أن القيادة الحالية في بغداد تواجه مشاكل جمة مع الأكراد في الشمال والمناطق السنية المضطربة التي يشتكي أهلها من الاستبعاد والإقصاء على يد الحكم الشيعي المدعوم إيرانياً.
وتُظهر أغلب استطلاعات الرأي التي أجريناها في الفترة الأخيرة أن العرب في معظمهم يعتقدون أن الرابح الأكبر من الحرب على العراق هو إيران التي استفادت من الفراغ السياسي والأمني الناشئ لتمدد نفوذها بعد إزالة نظام صدام بما شكله من توازن استراتيجي مع إيران. وحتى مع مجيء رئيس أميركي جديد من نوعية أوباما في عام 2009 الذي تعهد بتغيير المسار، إلا أن المشاكل والتعقيدات التي خلفتها الحرب كانت من الصعوبة بحيث لم تفسح له مجالاً للحركة، فقد تنفس العالم الصعداء بدخول أوباما البيت الأبيض، وحدت الجميع آمال عريضة بأنه سيعيد بعض المصداقية المهدورة للولايات المتحدة بإنهاء الحربين في العراق وأفغانستان، وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المزمن، ولكن التحديات كانت أكبر من أن ينهض بحلها أوباما في ولاية واحدة، وبسبب المعارضة الشديدة التي واجهها الرئيس من الجمهوريين وغياب دعم قوي من حزبه الديمقراطي لم يتمكن من إغلاق معتقل «جوانتانامو»، كما تعهد بذلك، ولا استطاع تأمين محاكمة عادلة وإشراف قضائي على ذلك المعتقل. كما فشل في تغيير السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، أو حتى إعادة بعض التأدب في النقاش الداخلي. وفي هذه اللحظة التي يمر فيها الشرق الأوسط بأزمات متعددة تجد إدارة أوباما يدها مغلولة، فالعالم أصبح أكثر تعقيداً، حيث من جهة تحاول روسيا استعراض عضلاتها، ومن جهة أخرى تريد إيران مد نفوذها في المنطقة، فيما الرأي العام الأميركي الذي أرهقه عقد كامل من الحروب ما عاد مستعداً لتأييد أي تدخل عسكري آخر في الشرق الأوسط، وأما الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقد بات، هو أيضاً، أكثر صعوبة بسبب الإهمال الذي طاله على امتداد سنوات بوش الثماني. وبعدما كان السلام قريباً أصبح اليوم بعيد المنال. وبانقضاء عشر سنوات على الحرب ضد العراق ما زالت أميركا تعاني من قرارات إدارة بوش، فيما لم يتمكن أوباما من تصويب المسار واحتواء الأضرار وتخفيف الثمن الباهظ الذي يدفعه الأميركيون وشعوب الشرق الأوسط نتيجة أكاذيب إدارة بوش وأخطائها القاتلة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة