الالقاب نصنعها ولا تصنعنا

 

الرابط : فن وثقافة (:::)
د. رافد علاء الخزاعي – العراق (::::)
في إحد الأيام كنت راكبا مع صديقي وكان قاضيا وهو يقود العجلة أوقفتنا إحدى السيطرات  في شوارع بغداد المزدحمة بها ورغم أن الإرهاب يخترق عذريتنا يوميا
ابتسم الجندي المتواجد في السيطرة وقال:
أحب أتعرف على الشباب….
فأعطاه القاضي هويته التعريفية بدون إن يوضح له عمله……
تفحص الجندي الهوية وقلبها إلى الجهات الأربعة ولكن عينيه كانتا لا تفارق صورة الميزان الموشح لهوية القاضي ونحن ننظر للجندي وهو يقلب بالهوية… وبعدها ضحك الجندي قال وهو يضحك والله كالوا عراق العجائب حتى البقالين يركبون سيارات أخر موديل ويلبسون أربطة……….
فضحكت وقلت للجندي عند مرورك في محلي تطلبني كيلو موز وكيلو تفاح……..
والقاضي قال له لك وعلي كيلو شكر وشاي……..وضحك الجندي وقال مبين محلاتكم بالكرادة………………قلت له إي بارخيته ………………………..قال لي إني اخو آخيته وضحكنا ونحن نودع الجندي حارس بغداد….
وانأ أقول للقاضي ” الألقاب حبوب نتعاطاها لتسمين ذواتنا ”
إذا تريد تنفخ واحد زد من تعظيم ألقابه وقل له أستاذ باشا وهم في دواخل أنفسهم يدرون هم خرخاشة أنهم كالراقصات يجيدون الرقص على صوت الدفوف فضحك القاضي قال لو تعرف هذا ديدن المحامين في الوصف اللفظي وهم حافظين  قاموس الزمخشري في اللواكة اللفظية…….
قلت للقاضي صديقي الألقاب تنمي الغرور الإنساني وتجعل الانسان سجين اللقب……..
قد يطلق الإنسان لقباً وظيفيّاً كالوزير والمدير والمشرف مما تقتضيه الحاجة، ويعد جزءاً من تحمل المسؤولية، لكن ما الداعي لأن يضيف:
سماحة، أو معالي، أو فخامة، أو فضيلة، أو سعادة..؟ أو بعضهم بفذلكة اجتماعية خادم وهو يريد من يخدمه مثل خادم الحرمين أو خادم الشعب أو خادمكم…….
أو أن يحاسب الآخرين حينما يخلّون بهذا البروتوكول المملّ الذي يستنزف الأوقات، ويثقل الأسماع، ويفسد الأذواق، خاصة إذا تكرر، أو تجاوز حدّه،أو منح لمن لا يستحقه ؟بعضهم يصر على لقب قد تجرد منه، ويذيله بلفظ “سابقاً”، أو “سابق”،وكأنه يحكي مجده الماضي. وبعضهم حفيد الوزير السابق أو النائب اللاحق أو ابن أخت الخياطة  التي خاطت ثوب زوجة الوزير وهكذا تتناهى الألقاب في بالونات هوائية تصيب فرقاعتها بالجنون أصحابها…
بعض التعريفات المتبوعة بـ “سابق” تبدو وكأنها محاصرة لصاحبها في دائرة الماضي، وحكم عليه بـ “المؤبد”! مثل”أمير سابق لجماعة عنيفة”، “صحوي سابق” متظاهر لاحق أنها الألقاب التي ترسم القصة الإنسانية بحذافيرها وهنالك بعض المضمدين أو التمرجية كما يقولون إخوتنا المصريين مثلا عندما يناديهم بعض البسطاء بلقب دكتور يتقمصون الحالة حتى تبقى تلازمهم وبعضهم يفتح عيادة ويطلق على نفسه دكتور في سنة1985 حدثت قصة في الموصل هنالك من فتح عيادة طبيب إمراض نفسية واشتدت شهرته في الأفاق مما استدعى زملائه من غيرتهم من نجاحه بالبحث في شهادته واختصاصه وتبين انه كان طالب في كلية طب البصرة ورسب في الصف الثالث وفصل من الكلية ورغم انه لم يدرس الإمراض النفسية ولكن من كثرة مراجعته لأطباء النفسية تعلم الأدوية ونجح في التعامل مع المرضى واستطاع في حل مشاكل متعددة لمرضاه لأنه كان يعالجهم من موقع ادني كمريض وليس كطبيب  وبأسلوبه هو اقدر لفهم مشكلاتهم ونجح في كسر حاجز اللقب وبعد إغلاق عيادته وسجنه في أبو غريب كان محط نضر المسجونين وإعجابهم وبعد العفؤ سافر إلى خارج العراق ليصبح احد أهم الأطباء النفسيين في اليمن بشهادة جامعية موثقة من صديقه كاظم الوسخ أشهر مزور في سوق مريدي ويعتبره الان اليمنيون سبب التغيير في اليمن انه اللقب الذي صنع التغيير وهكذا كان صديقنا هذا عاش مع اللقب أو الدور الذي رسمه لنفسه ومثله على ارض الواقع.
وهكذا أيضا ينعكس على العلاقة الجدلية بين الأستاذ والطالب هي أساس البحث العلمي والتطور البحثي في ظل المعلومات المجانية المتاحة عبر الشبكة العنكبوتية (التعليم المتبادل) يشتكي الطلبة من “الاستبداد الأكاديمي” في الجامعات،
إن الفجوة والجفوة والعازل  بين الطلبة وبين بعض الأستاذة الدكاترة.مؤلم أن تسمع عن رؤساء الجامعات وعمداء كليات وعلماء أفذاذ في الغرب،يجلسون في النادي مع الطلاب بعفوية، ويستمعون إليهم ويتبادلون الأفكار بسلاسة ،ويتعرضون لإحراجات، ومَن لا يعرفهم لا يتوقع أنهم في أعلى السلم،بينما يسرع الغرور لحديث عهد بعمادة أو إدارة! وان العراق كان سباقا في هذه التجربة حيث كان سندباد بغداد وعاشقها الدكتور سندرسن باشا مؤسس كلية طب بغداد سنة 1927 وأول عميد لها كانت له جلسة شاي أسبوعية مع طلابه حيث كانت زوجته تعد الشاي وهو يقدم الكيك الانكليزي ويناقش الطلبة حول التكيف للطلبة مع الدراسة وصعوبتها وكيف السبل لتذليل المصاعب وهو يعلمهم ان التواضع هو السمة الأهم للعالم الحق:
وكلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي
إي إن الانسان كلما تقدم الانسان  في سبل المعرفة سيكتشف الكثير من جهله بالأمور الأخرى وهذا هو غاية التعليم المستمر أو التعليم المستدام للمعرفة ليس يعاب الإنسان باللقب العلمي ما دام صادقاً وغير مزور،
ولم يتحول إلى ادعاء أو تضخيم أو امتحان للآخرين، على أن القيمة الحقيقية ليست في الشهادة، بل بالمعرفة والأخلاق،والاعتراف بفضل الآخرين وسبقهم.كان الأنبياء يبشرون بنبي يأتي بعدهم هو أفضل منهم،ولنا عبرة في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الرجل الصالح هو رسالة إن حتى الأنبياء بحاجة إلى تعليم وتدريب ومعرفة تؤهلهم لنقل الرسالة السماوية وأخيرا لنا في هذه القصة عبرة أخرى حيث  كانت جامعة البصرة في التنومة في الجهة الشرقية من شط العرب وكان اغلب الطلبة والأستاذة يعبرون للضفة الأخرى عبر عبارة أو زوراق بخارية تنقلهم للضفة الأخرى وفي إحدى الصباحيات البصرية الربيعية صعد ثلاثة أستاذة من الجامعة في إحدى الزوارق واحدهم سال صاحب الزورق هل تعرف نيوتن؟؟
قال لا والله ……
فأجابه الأستاذ عمرك خسارة كيف وأنت في القرن العشرين  لا تعرف نيوتن مكتشف الجاذبية….
و الأستاذ الأخر سأله هل تعرف جيمس وات (واط)….
قال له البلام لا اعرف وات وات  بس اعرف جيمس أبو العرق الفل يم سينما الوطني……
قال له الأستاذ الأخر عمرك خسارة كيف لا تعرف مكتشف  المحرك الديزل من يدير هذا الزورق وينقلنا للضفة الأخرى وسأله الأستاذ الثالث هل تعرف مندل …….
قال له لا اعرفه……… بس إني دائما اردد أغنية مندل دلوني درب المحطة منين
قال له الأستاذ السائل عمرك خسارة كيف لا تعرف من يتوقع ماذا سيكون لون عين ابنك عمرك خسارة…
وفي الربيع  دائما يكثر المد والجزر مع  وفرة سمك الصبور بقوة مما تم قلب الزورق فسألهم البلام من منكم يعرف طرازان كيف يسبح ؟؟؟؟
قالوا له لا نعرف السباحة……
قال إذا عمركم خسارة …..إذا مهما كانت علميتنا معلومتنا نبقى جهلة أو أميين إمام إرادة بعض الظواهر الطبيعية والناموسية والإلهية…..
الدكتور رافد علاء الخزاعي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة