لبنان في قلب الفتنه : الثقب والترقيع

الرابط : اراء حرة (::::)
محمد قواص (*) – لبنان (::::)
في مقاربة الشأن اللبناني نحاولُ القفز فوق أيّة تعبيرات يفوحُ منها استسلام للغة المذاهب والطوائف. صحيح أن أبجديات الطائفية هي أساسُ النظام السياسي اللبناني منذ الإستقلال وما قبله، بيّد أننا ننزع في اللاوعي إلى افتراض الظاهرة الطائفية تقليعة مؤقتة لا بد زائلة اذا ما تقصدنا اغفالها في لغة الوعي. على أن جديّة التناول للإشكالية اللبنانية، لا سيما يومياتها الميّدانية، تفرض علينا علميا تسمية الأسماء بأسمائها، أي تسمية الأمراض  وأعراضها.
أن يقومَ شبانٌ شيعة بالاعتداء على رجال دين سُنّة، في مكانيّن مختلفين، وفي الوقت عيّنه تقريبا،ً مشهدٌ كان من المستحيل تخيّله قبل حادثتا الخندق الغميق في بيروت والشياح في ضاحيتها. قبل ذلك، بقيت حالة الاستقطاب الطائفي، في أوجّ تورّمها، مكبوحة بأصول وأعراف، مقيّدة بمحرمات العيش المشترك التي لم تُخترق حتى في أسؤ أيام الحرب الأهلية المقيتة.
أن تنمو قناعة في الشارع البناني أن الشبان المُعتدين تحركوا بناء على تعليمات أُعطيت لهم من مراجعهم السياسية (وهو أمر مؤسف تصديقه)، فإن في ذلك إنحراف خطير في ادارة الصراع السياسي باتجاه الدفع به إلى مبارزات الشوارع بعد أن ضاقت المؤسسات السياسية في ترويض واستيعاب جدل اللبنانيين فيما بينهم.
وأن يقال أن هؤلاء الشبان تحركوا من تلقاء أنفسهم، في مكانيّن مختلفيّن، وفي نفس الوقت تقريبا، ضد نفس الأهداف، فمع صعوبة هضم هذه الرواية، فإن الحدثَ يعني أننا نعيشُ دون مواربة الفتنة بعيّنها والحرب الأهلية بلبّها.
ورغم دراماتيكية الحدث وجسارته، فإن العاقلَ يفضّل الرواية الأولى على عفنها من الاستسلام للرواية الثانية. ففي الرواية الأولى قد تتسرب روائح المحرّض والمحفّز المفترض، ما يعني سهولة قراءة هويته والتعامل مع مزاجه. أما في الرواية الثانية، فنحن بصدد حالة شديدة الإستعصاء، من حيث انتشار سمات الغوغاء ممثّلة بجمهور حاقد لا تعوزه أوامر ولا تحركه تعليمات للفتك بالآخر، فقط لأنه الآخر.
اللافت الخطير في حادثتي الأيام الأخيرة، أن الضحايا المُعتدى عليهم هم رجال دين، تمّ استهدافهم لأنهم رجال دين يتجولون بلباسهم المميّز، والذي، بالمناسبة، من المفترص أن يحميهم من شطط العامة. والمستجد في الحادثتين، أن الضحايا لم يُستهدفوا لأنهم مناصرون لتيار سياسي خصم (تيار المستقبل أو جماعة أحمد الأسير مثلاً)، فلباسهم لا يعني آليا ذلك، وقد يكونون غير ذلك، وعكس ذلك، في سياق الصراع الحاصل حاليا داخل دار الفتوى. كما لم يُستهدفوا لكونهم شاركوا في فعاليات مضادة لحزب الله على ما درج مؤخرا في صيدا والبقاع والشمال، بل استهدفوا لأنهم بصفتهم الدينية تلك، يمثلون طائفة يحسبها المعتدون هدفا مشروعا للفتك به.
الخشية قبل هذه الحادثة كانت من المصطادين بالماء العكر والمشبوهين المرتبطين بجهات خارجية والذين قد يعمدون تنفيذاً لأمر عمليات “خارجي”، تدبير صدام بين حزب الله وجماعات الإعتراض الراهنة (السلفيون، جماعة الأسير..إلخ)، من خلال افتعال اعتداءات غامضة تطال الطرفين تقترفها “جهات مجهولة”. والأمر سهل التنفيذ، مضمون النتائج، في ظل حالة التوتر الشديدة في خطاب شيخ عبرا وغيره مثلاً، مقابل حالة الامتعاض الشديدة من ذلك لدى الحزب ومناصريه. لكن ما حصل فاق كل تصوّر، وتفوّق على أقسى ما يمكن أن تتفتق عنه عبقرية المتآمرين. المعتدون مكشوفو الرأس، اقترفوا الإثم في الشارع، أي في المجال العام، في العلن وليس في السرّ، وقاموا بأفعالهم تلك، ليس ضدّ من يمتعضون منه، بل ضد طائفة بعيّنها من خلال ما يرمز إليه رجال الدين بلحاهم وعمائمهم.
حسنا فعل حزب الله وحركة أمل في المسارعة إلى إصدار بيان الشجب والاستنكار. وحسنا فعلت قيادات التيارين ومرجعيات دينية للطائفة الشيعية في الهرع للاتصال بمفتي السُنّة لتأكيد ذلك. وحسنا اندفعت الحكومة بوزرائها المعنيين ومؤسساتها الأمنية لتهدئة الخواطر واعتقال الفاعلين، أو بعضهم، وضبط الأمور المتفلّتة في الشوارع. كل ذلك تمّ بعد أن سحبت حركة أمل وحزب الله علنياً الغطاء السياسي،  وبعد أن أوعزت إلى جمهورها بالانسحاب من الميّدان وتجنب استفزاز ردود الفعل الغاضبة.
هل ذلك كافّ لمنع الفتنة؟ الجواب لا، نحن في قلب الفتنة.
سقط محرّم كبير في لعبة الشارع، بسبب عجز القيادات عن الارتقاء عن مستوى الشارع، وبسبب التلويح الدائم بعلاجات الشارع منذ “السابع من أيار” انتهاء بصبيحة القمصان السود. سقط محرّم، ولا شيء يمنع من اسقاط محرّمات أخرى (يذكرنا الحدث بمنظر أنصار الجنرال عون يهاجمون البطريركية وبطريركها عام 1989). ومن أراد لهذا العبث أن يحدث، أراد تفجيرا نهائيا للبلد وإدخاله رسميا، دون مواربة أو خجل،  في أتون الاحتراب الطائفي الموعود (منذ تحذيرات نوري المالكي من بغداد). من أراد ذلك ربما يسعى لحسم بالنار والدماء لشؤون عجزت السياسة عن حسمها، أو يتحرى الهروب إلى الأمام في أزمة البلد العقيمة، لعلّ ما بعد  وهج النار وليل الفتنة صباح آخر!
الفتنة أضحت في حضن الوطن. القصف السوري يطاول علنيا مناطق لبنانية، حدود البلاد تشكو من جلبة السلاح والمسلحين، والبلد يعايش إحدى أسؤ حكوماته في المنطق والسلوك والاداء. يكاد البلد يعيش شبه عزلة، يصعب فهمه عربيا، ويعاني الوصل السليم مع العالم. وتتنامى مشاعر لدى اللبنانيين بأن شأنهم بات تفصيلا ملتصقا بالشأن السوري، وأن العالم سأم من الاهتمام بمصيرهم.
هل من مجال لاطفاء تلك الفتنة؟ الأمر يحتاج لمعجزة. معجزة أن تعمدَ المراجع السياسية الشيعية إلى القيام بمبادرات استثنائية، فوق العادة، لسحب فتيل التفجير. ولا شك ان حالة “الزحف” (شخصيا أم هاتفيا) التي التي قامت بها شخصيات دينية شيعية (لا سيما وفد المجلس الشيعي الأعلى) باتجاه دار الفتوى (مركز الإفتاء الرسمي السُني)، يعبّر عن وعيّ عام لدى وجهاء الطائفة الدينيين (بانتظار أن ينسحب الوعي على السياسيين) بجسارة ما حدث وبمسؤولية أولي الأمر داخل الطائفة لرأب الصدع واستيعاب الحدث.

لكن ثقب الفتنة أصبح واسعا لا يعالجه ترقيع ولا يردمه ترميم. ربما المطلوب ذهاب هذه الحكومة التي تمثّل حال اللاتوارن. ربما من العاجل تشكيل حكومة طارئة، حتى لو جاءت اوزانها وأهواؤها لصالح الفريق الخصم. ربما أضحى لزاماً وقف الدعم العسكري العلني الحزب الله للنظام السوري.
بات الأمر عاجلاً يتطلب تدابير استثنائية تطفئ البركان الداخلي وتتيح للقوى العسكرية والأمنية التفرغ لمراقبة الحدود وادارة شؤون الأزمة الخطرة التي يسببها تدفق اللاجئين السوريين. تدابير استثنائية تعكس التمسك بالبيت اللبناني وطنا نهائيا للجميع مسلمين ومسيحيين سُنّة وشيعة. واذا ما كان مطلوب من المراجع السياسية الشيعية أن تقوم بذلك، فلأن الاعتداءات جاءت من جمهورها. فاذا ما باشرت تلك المراجع تلك الورشة، فما على بقية المراجع السياسية الأخرى إلا التكامل معها.
هل الأمر قابل للتنفيذ؟ لم يُطمئن الخطاب السابق إلى ذلك، ولم يبرهن السلوك السابق امكانات ذلك. لكن الأمر حتمي اذا ما أُريد لفتنة قد اشتعلت أن تخمد فوراً.
في لغة التحدي والاستفزاز التي شهدتها الشوراع ضد حزب الله في الأشهر الأخيرة دفق من عصبية وتوتر. ذلك أن ردّ الفعل المقلق مصدره فعلٌ أكثر من مقلق خبِره اللبنانيون. وردّ الفعل يفقد لزوميته بانعدام الفعل. هي اذن احجية البيضة والدجاجة وعلى أصحاب الشأن حلّها قبل ان يُطاح بكل مزارع البيض والدجاج.
——————————————————-
(*) صحافي وكاتب سياسي
Twitter : @mohamadkawas

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة