العرب بين حلم الوحده وواقع الانفصال

الرابط : اراء حرة (::::)
طلال قديح   * – الرياض (:::::)
تعودت أجيالنا منذ الطفولة على التغنّي بالوحدة صباح مساء بلا كلل أو ملل، إذ كان المد العروبي سائداً ومسيطراً على العقول والعواطف بحيث لا يجرؤ أحد أن يقف في وجه هذا التيار الجارف وإلا فالويل له! سيتهم بالمروق والخيانة والتنكر لأمته العربية العظيمة وتاريخها المجيد في عصور الازدهار والبناء والإعمار.
كنا نردد أناشيد الوحدة الحماسية كل صباح في مدارسنا نستهل بها اليوم الدراسي فضلاً عن الخطب الرنانة المطهمة بكل ما يؤجج الحمية في النفوس ويؤصل الانتماء الصادق لأمة الضاد التي أنجبت للبشرية العلماء الذين يشار إليهم بالبنان في كل المجالات فأصبحت أسماوهم كواكب درية في سماء العلوم والمعارف.
جميل أن يعيش المرء على الأمل والأجمل منه ألا ييأس أو يصاب بالقنوط  مهما كانت التحديات ومهما بلغت العقبات.والإنسان المؤمن بالحق يدرك أنه منتصر لا محالة وأن الغلبة للحق مهما كانت سطوة الظلم . ولله در القائل:
أعلل النفس بالآمال أرقبها    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
أما الآن وفي ظل الربيع العربي المعاش فقد أصيب حلمنا العربي في مقتل ! حتى إننا أصبحنا نبكي على الماضي ونذرف الدمع مدرارا حسرة وندامةً قائلين: ليتنا بقينا على حالنا ، فقد كنا أفضل ألف مرة !
نلتفت يمنة ويسرة فلا نجد ما يسر أو يفرح .. ازدادت الخلافات في البلد الواحد واستشرى النزاع تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان !! وعلت أصوات الدعوات الانفصالية في البلد الواحد وغدت اللّحمة الوطنية شيئا من الماضي نفتقده فنبكيه ونتحسر عليه!
ما كنا نتوقع في أي يوم من الأيام أن تصل حال أمتنا العربية إلى هذا الانحدار المتجه إلى هاوية لا يعلم مداها إلا الله.. كل يقول : نفسي ، نفسي  همه أن ينجو بمفرده من غير أن يلتفت إلى أخ او جار!..
من قال : إن السودان سينقسم على سودانين متصارعين متنكرين لتاريخ جمع بينهما قروناً طويلة ؟!  الصراع على الحدود وعلى النفط وعلى المراعي وكل شيء !!..نحول الإخوة إلى أعداء.. وهذه أمنية طالما حلم بها الأعداء والآن أصبح الحلم واقعاً.. وتحول السودان القارة إلى دولتين وهناك نزعات أخرى تطمح للانفصال والاستقلال. وأضاع الغرب سلة الغذاء التي كانوا يحلمون بها ويعلقون عليها آمالاً كباراً لتنشلهم من الفقر والفاقة إلى رغد العيش السعيد..
وهكذا انطلقت الشرارة من السودان إلى بقية بلدان الربيع العربي بدءاً باليمن ومروراً بليبيا وتونس والجزائر وانتهاء بالعراق وسوريا.. ظهرت أصوات تجاهر برغبتها في التقسيم والانفصال وفق معايير عرقية أو مذهبية طائفية أو أيدولوجيات مموهة تخدم الهوى ولا يمكن أن تأتي بخير..
إن ما يشهده اليمن السعيد من حراك جنوبي  يسعى للانفصال عن الشمال في دولة مستقلة ذات طموحات مختلفة.. ويشتد الصراع إلى درجة أننا نخشى من فتنة تضر ولا تنفع.. يدفع ثمنها الابرياء ممن لا ناقة لهم ولا جمل فيما يدبّر أو يحدث ..
وفي هذا النطاق يمكن تصنيف  الحرب الدائرة في سوريا والتي أحرقت الأخضر واليابس ودمرت حضارة عريقة امتدت حقبة طويلة من التاريخ وحولت هذا البلد الآمن إلى ساحة لتصفية الحسابات لا يمكن أن تأتي بخير لأهله الشرفاء وهم الأكثرية المطلقة.
وفي العراق ظهرت العنصرية البغيضة في أوضح معالمها واستغل بعض أهلها فرصة الضياع العربي لينفثوا سمومهم ويرموا بشباكهم ليحظوا بأكبر نصيب من الغنيمة.. فعلت أصواتهم لتطالب بتقسيم العراق طبقاً لطوائفه لا لشيء إلا لينتقموا من تاريخ هذا البلد العظيم الذي كان دائما خنجرا في قلوب الأعداء على مر الأزمان ومنه انطلقت الفتوحات لتصل الصين شرقاً فيعلو صوت الحق ويتحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان لتكون العبودية لله وحده عز و جل .
إن الوضع المأسوي الذي يعيشه العرب الآن أفقدنا القدرة على التركيز فالعاصفة أشد مما يحتمل والمؤامرة أكبر من أي وقت مضى !! تبخر حلم الوحدة وغدا شيئا من الماضي نذكره فنبكيه ونتحسر عليه..أصبح غاية منانا أن نبقى على حالنا بالرغم من سلبياته لأن المستقبل يبدو أشد وأنكى..!!
وفي هذا الواقع الأليم يجب على العقلاء من أبناء العروبة أن يوحدوا جهودهم ويشمروا عن سواعدهم ويتصدوا بأفكارهم   وكل إمكاناتهم لكل ما يحاك في السر والعلن لتبقى أمتنا  عصية على الغزاة كما كانت دوماً.. حفظ الله أمتنا وأبقاها عزيزة سالمة، قوية شامخة.
• كاتب ومفكر فلسطيني.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة