ارتخاء مفاصل الحركة السياسية في الاردن

الرابط : سياسة واخبار (::::)
بقلم : د. لبيب قمحاوي (:::::)
الحديث بصراحة ضروري وهام لإيضاح الرؤيا وتعزيز القدرة على استلهام حلول إبداعية للعديد من التحديات والأزمات التي تعصف بالوطن وتجعل من محاولة استشراف المستقبل محفوفة بالمخاطر وشبه مستحيلة.
تعاني مفاصل الحركة السياسية في الأردن من حالة واضحة من الارتخاء والتي قد تقود المراقبين إلى الاستنتاج الخاطىء بأن الأمور في الأردن هادئة وأن مسيرة الإصلاح مُسَيْطَر عليها وأنها قد أخذت مداها النهائي ، بينما واقع الأمور ليس كذلك تماماً . فارتخاء مفاصل الحركة السياسية ناتج عن حالة من الخَدَر العام التي أصابت الشعب الواقع بين مطرقة مقاومة النظام لمطالب الإصلاح الحقيقي وسندان الخوف أو التخويف من أن يؤدي ذلك  الإصلاح في منتهاه إلى أخونة الدولة . وبين هذا وذاك نجح النظام في التسلل من خلال بعض الإصلاحات التجميلية، من جهة ، وتعظيم المخاطر التي يحملها التيار الإسلامي على مستقبل الدولة ، من جهة أخرى ، في وضع حد لمطالب الإصلاح الحقيقي واستعمال سلاح التخويف لإخضاع إرادة الشعب .
هنالك شبه إجماع بين أوساط عديدة بأن النظام الأردني يبدو مرتاحاً جداً وواثقاً من نفسه وكأن أمامه طريقٌ عريضٌ مفتوحٌ ومليءٌ بالإشارات الضوئية الخضراء القادمة من أكثر من جهة. فهل يعكس ذلك صحة الرؤيا المبكرة للبعض بأن ما تريده الأوساط الخارجية من الأردن يختلف جذرياً عن ما يريده الأردنيون لأنفسهم ولبلدهم وأن النظام يتصرف بطريقة توحي أنه أقرب في مصالحه ومواقفه السياسية إلى تلك الأوساط الخارجية ؟ أم أن الثقة الزائدة بالنفس التي يظهرها النظام الأردني تعود إلى توفر قناعات وربما ضمانات لديه بأن مطالب الإصلاح سوف تبقى دون السقف العالي ولن تتعدى الخطوط الحمراء وأنه ، بالتالي ، يمكن التعامل معها بأريحية واضحة خصوصاً في ظل غياب جهد شعبي منظم ومستمر يمكن أن يشكل عامل ضغط يكون من الصعب مقاومته ؟
قد يكون خوف العديد من الأردنيين من احتمال تولي الإسلاميين السلطة في البلاد أقوى وأكبر بكثير من رغبتهم في المضي بعملية الإصلاح إلى نهاياتها المنشودة، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف النظام إلى الحد الذي لا يعود فيه قادراً على مقاومة ضغوط الحركة الإسلامية وتحديداً حركة الإخوان المسلمين . وما يجري الآن في مصر من دعوة إلى التخلص من حكم الإخوان المسلمين بأي وسيلة حتى لو أدى ذلك إلى عودة حكم العسكر التي قامت ثورة 25 يناير للتخلص منه ، أمر لا يجب الاستهانة به أو اعتباره مجرد نزوة سياسية . النظام لم يستوعب هذه الحقيقة ولم يحاول بالتالي الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية للتوصل إلى معادلة مع قوى المجتمع المدني يتم بموجبها الاتفاق على برنامج إصلاحي يلبي طموحات المواطن الأردني ويحول دون أخونة الدولة الأردنية ، بل عمد إلى التلاعب بالمطالب الإصلاحية للشعب بل وتطويعها وإعادة صياغتها بما يناسبه دون أي اعتبار لمشاعر الشعب الأردني وآماله .
السؤال الأهم الذي يطرح نفسه : لماذا لم يحاول نظام الحكم الأردني أن يستفيد من هذه الفرصة ليصنع اختراقاً حقيقياً في العلاقة مع قوى الإصلاح في المجتمع المدني ، واختار عوضاً عن ذلك أن يناور لصالح الالتفاف على تلك القوى والخروج بمعادلة عدمية (zero sum game) لصالح القوى المحافظة داخل النظام؟ ترى هل يعكس مثل هذا السلوك انعدام الثقة بالنفس وبالتالي بالآخرين أم ثقة زائدة عن الحد الطبيعي ؟ لقد فشل النظام في الاستفادة من الفرصة الذهبية التي توفرها المشاعر السلبية للعديد من الأردنيين تجاه استلام الإسلاميين للحكم ولم يحاول التوصل إلى عقد اجتماعي جديد بين المجتمع المدني الأردني والنظام .
ولم يكتفِ النظام بذلك، بل أخذ يسعى إلى الالتفاف على المكاسب البسيطة الرمزية التي حصل عليها الشعب وأن يأخذ باليمين ما أعطاه باليسار . وأكثر من ذلك يحاول النظام الآن استغلال الأداء السيء جداً لمجلس النواب الجديد في تعامله المبكر مع موضوع رفع الأسعار، أو ترشيح رئيس الحكومة المقبل ولجوء بعض النواب إلى أساليب الشتيمة والاقتتال. كل هذا لعب لمصلحة النظام ، وخلق انطباعاً داخلياً وخارجياً بأن الإصلاحات المتسرعة قد تؤدي إلى وضع زمام الأمور في أيدي أشخاص غير مؤهلين لإدارة شؤون الدولة حتى ولو تم انتخابهم بطريقة شبه ديمقراطية. مرة أخرى لعب هذا الموضوع في مصلحة النظام وسياساته الهادفة إلى إجراء إصلاحات رمزية بالقطعة وبشكل يبقي كافة الخيوط بيده.
إن محاولة النظام الإدعاء بأنه قام بما هو مطلوب منه بما في ذلك الانتخابات النيابية وإجراء مشاورات نيابية تؤدي إلى تكليف شخصية تحظى بتأييد البرلمان لتشكيل حكومة تتمتع بالولاية العامة لتنفيذ ما تريد من سياسات هو إدعاء باطل حيث تشير الحقائق إلى خلاف ذلك. فالكل يعلم أن رئيس مجلس النواب الجديد هو خيار القصر،  ورئيس الحكومة المكلف هو خيار القصر، وقانون الانتخاب هو خيار القصر، والوزراء العابرون لكل شيء- بما في ذلك الحكومات – هم خيار القصر ، مما يعني أن يد الحكومة ما زالت مغلولة وأن الولاية العامة ما زالت في القصر . لكن أسلوب الاقتناص والتذاكي قد ينجح في المدى المنظور مع أن نتائجه قد تكون وبالاً على الجميع .
ما يجري الآن في مصر وتونس خلق حالة من الفزع لدى العديد من المواطنين الأردنيين من احتمال تكراره في بلادهم . وهناك محاولات واضحة لاستغلال هذا الوضع واستعمال خطر الإسلامويين كفزّاعة كما يفعل النظام السوري في جهوده لإخافة وإرعاب المواطنين المطالبين بالتغيير والزعم بأن البديل سيكون جماعة “النُصرة”، أو كما يفعل النظام الأردني من خلال الإدعاء بأن القوى المطالبة بالإصلاح هي الإسلاميين فقط وأن كل من يطالب بالإصلاح هم بالضرورة تابعون للحركة الإسلامية وأن باقي المجتمع الأردني لا يريد إصلاحاً شاملاً بل يريد إصلاحاً بسيطاً وعلى الطريقة الرسمية . كل هذا يهدف في الحقيقة إلى الالتفاف على المشاكل والمطالب وليس التصدي لها وحلها .
ولكن إلى أين تسير الأمور في الأردن ؟ يخطئ من يعتقد أن مسار الأمور في الأردن ونهاياتها تسير بمعزل عن ما يدور في دول الجوار الأردني خصوصاً وفي دول الإقليم عموماً . إن ترابط هذه الأمور معاً أمرٌ مفروضٌ وليس اختيارياً . سوريا وفلسطين هما نقطتا الارتكاز الرئيستين بالنسبة للأردن. وما يجري في سوريا وفلسطين ولهما سوف يحدد إلى درجة كبيرة مدى استقرار الأردن في المدى المنظور وكذلك مستقبله. و لا فائدة من محاولة التعامي عن الحقائق أو الافتراض بأن شيئاً ما لن يحدث لمجرد تفكيرنا بذلك أو رغبتنا الدفينة بأنه لن يحدث . فالأزمة السورية قد أثرت على الحراك في الأردن وعلى المزاج الشعبي العام ومزقت الحركة الوطنية الأردنية وأضعفتها إلى حد خطير أثر على قدرتها على الضغط المؤثر في اتجاه عملية الإصلاح الحقيقي . وكثير من الأردنيين ينظرون إلى ما حصل للشعب السوري وإلى المآسي التي تكتنف مئات الآلاف من اللاجئين السوريين ويرون في ذلك سبباً كافياً للإحجام عن المطالبة بالإصلاحات الحقيقية خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى سيطرة الإسلاميين أو إلى انفجار الأمور بطريقة مأساوية تؤدي إلى تحويل الأردنيين إلى شعب من اللاجئين في مجتمع يعاني من هذه الظاهرة أصلاً ويعتبرها قمة المأساة التي يمكن أن تصيب أي شعب.
أما استمرار اللعب بالورقة الفلسطينية وعزف النغمات النشاز المرافقة لها والمتعلقة بالاستقطاب السلبي والغمز بموضوع المواطنة وسحب الأرقام الوطنية ، وكأن الدستور الأردني لا وجود له ، واعتبار المحاصصة ، وهي ظاهرة سلبية ، حق للبعض وجريمة للبعض الآخر ، كل هذا يساهم في توتير الوضع الداخلي وفي تسميم الأجواء وصب الزيت على النار . فالهوية الأردنية كهوية وطنية جامعة تتنافى مع المحاصصة والإقصاء وتصنيف المواطنين على أسس منبتية أو طائفية أو جهوية .وبخلاف ذلك فإن الأردن سوف يتحول إلى دولة طوائف وأعراق وأصول عوضاً عن أي يكون وطناً للجميع .
إن الحل لمشاكل الوطن الأردني لا يأتي بدفن الرأس في الرمال أو في ممارسة سياسات جهوية وإقصائية أو الإدعاء بعدم وجود مشاكل تجابه الوطن ، كما لا يأتي من خلال فرض إرادة النظام على الشعب سواء بالترهيب أو الترغيب والرشوة السياسية، كما لا يأتي من خلال البكاء والنحيب على قلة الموارد وزيادة عجز الموازنة والمديونية العامة والقفز فوراً إلى جيوب المواطنين لحل تلك المشكلة ، ولا يأتي بالإصرار على احتكار تعريف مصلحة الدولة من قبل النظام وأجهزته ، وإنما يأتي من خلال إعادة صياغة العلاقة بين الشعب والنظام بهدف الوصول إلى عقد اجتماعي جديد يتضمن تفسيراً لأحكام الدستور ويكون ملزماً للجميع بحيث يتوقف النظام عن اغتصاب الولاية العامة من المؤسسات الدستورية ، ويتم إعادتها إلى تلك المؤسسات طبقاً لأحكام الدستور التي تؤكد بوضوح وجوب الفصل بين السلطات الثلاث : التنفيذية والتشريعية والقضائية، على اعتبار أن كل سلطة من هذه السلطات لها الولاية العامة حصراً في مجالها.
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة