أنواع جديدة من البشر

الرابط : القصة (::::)
سحر فوزي – مصر (:::)
رن جرس الباب ..فتحت وجدتها أمامها تحمل طفلة علي يد، وتجر الأخرى بيد .. رحبت بها ..فهي لم ترها منذ أن تركت عملها عندها خادمة، وتزوجت .. سألتها في حرج : ممكن تساعديني؟ قالت لها مرحبة : أكيد طبعا .. إنت خدمتينا كتير ، وكنت مخلصة ، وأمينة .. لكن إيه اللي ممكن أقدمه لك ؟ ..قالت : عايزاكي تشوفي شغلانة مريحة لجوزي .. يكون دخلها كبير ، وبتوفر سكن ، عشان نقدر نكفي مصاريفنا ، ومصاريف العيال ، ونعمل لنا قرشين ..قالت لها : أوعدك أني هحاول..عادت وتذكرت متسائلة :… هو مؤهلاته إيه؟ أجابتها .. هو ولاعنده شهادات ، ولا مؤهلات.. أصله أمي..عادت وسألتها : طيب ما بيتقنش حرفة معينة ؟ قالت لها : إحنا نزلنا من البلد عليك..عشان كده ما بيعرفش غير الفلاحة والزراعة…قالت لها : وأخبار صحته إيه ؟ أجابتها : هو صحيح عنده السكر، والضغط ، والإلتهاب الكبدي ، ومبادئ فشل كلوي ، لكنه عايش ، وماشي بيهم زي ملايين المصريين ..ردت عليها مقترحة ؟ إيه رأيك ترجعي تشتغلي عندي تاني لغاية ما نلقي له شغلانة ؟ قالت لها في خجل : مش هينفع لأني حامل ، وعندي ولدين في المدرسة ..غير البنتين دول… هأعمل فيهم أيه ؟ ..إنصرفت وليس لديها أي أمل في أن تقضي لها طلبها .. بعد إنصرافها جلست تفكر في حالها بعد أن أنجبت أربعة أبناء ، وفي طريقها لإنجاب الخامس .. و التي كانت مثالا للنشاط ، والحيوية ، والتي أصبحت الآن تجر قدميها جر، وتجر معها أطفالا مجهولي المصير ، وحال هذا الزوج المحمل بعبئ أسرة كبيرة ، بالإضافة إلى عبئ الأمراض التي يحملها ..تذكرت موعدها مع الطبيب ..إرتدت ملابسها .. نزلت إلى الشارع المزدحم..ركبت حافلة مكتظة بالبشر ..الكل داخلها يتناقش في السياسة ،ويقدم حلولا لمشاكل البلد المتفاقمة بعد الثورة ..كانت تتأمل ثقافة الزحام في صمت ..رأت ظاهرة (المواطن المتفلسف) الذي يفتي فيما لايعرف ، ويصر على رأيه حتى لو أضطر إلى إستخدام العنف ..وهذا نوع آخر ظهر بعد الثورة وهو (المواطن الغتيت) الذي يتدخل برأيه في أي مناقشة تدور بين شخصين دون سابق معرفة .. نزلت من الحافلة وإذ ببلطجي يخطف حقيبتها تحت تهديد السلاح فأدركت أن هذا هو النوع الجديد الذي يطلق عليه( المواطن البلطجي) ..والغريب أن الناس كانت تقف متفرجة ،ولا تتدخل للتصدي له ومنعه ..فعرفت أن هؤلاء المتفرجون هم النوع الجديد الذي يطلق عليهم ( حزب الكنبة)..وفي طريقها لقسم الشرطة وجدت الطريق مقطوعا.. سألت فعرفت أن هذا هو النوع الجديد الذي يسمونه (المواطن المحتج) بالإشتراك مع (المواطن المعتصم) بقيادة ( الناشط السياسي ) ، تحت إشراف ( الناشط الحقوقي ) ..سارت وسط الزحام بين خيام المعتصمين ..يصاحبها القهر على وطن كان في يوم من الأيام آمنا ، والذي تضئ سماءه الآن، نيران أشعلها أبناؤه ليدمروا ماتبقى لهم من أمل في مستقبل مشرق ..ويظلله دخان أسود ، خرج من منشآت ، ، ومزارات كانت هدف زيارة جميع شعوب العالم ..رعد طلقات الرصاص يذكرها بأيام مضت ، كانت لاتتمنى أن تعود..وفجأة إصطدمت وسط الزحام بخادمتها التي كانت تحمل في يدها زجاجات المولوتوف ، ومعها أطفالها يحملون الحجارة ..أمسكت بيدها وسألتها : ليه بتعملي كده في بلدك ؟ أجابتها في سخرية : وهي فين بلدي دي؟ اللي مش قادرة تلاقي لجوزي شغلانة شريفة ، ولا وفرت لنا هدمة نضيفة ، ولامكان في مستشفى ، ولا حتى حق العلاج ،عادت وسألتها : ومين اللي جابك هنا ؟ ردت في عجالة شديدة : الصبح وأنا نازلة من عندك، قابلني واحد إبن حلال دلني على الشغلانة دي .. مكدبتش خبر ، رحت خرجت العيال من المدرسة وجينا على طول ، وفهمني أن كل اللي علىّ أن لو فيه مظاهرات أحدف المولوتوف على الأماكن اللي يقول لي عليها ، وأخلي عيالي يرموا الحجارة ، ولو مفيش مظاهرات أبيع ( اللي بالي بالك) ما تعرفيش يا أستاذة هو أيه اللي بالي بالك ده ؟ أصابتها حالة من الذهول ولم ترد عليها ، فعادت وإسترسلت حاكية : على العموم ، هم دفعوا لي أجرتي مقدما ، والأشية بقت عال ..قالت لها في غيظ : حتى أنت أصطادوكي ؟ دلوقت بس عرفت مين هو اللهو الخفي.. هو الأنواع الجديدة من البشر..اللي بيتاجروا في الأميين ، محترفوا الإنجاب ، المحملين بالأمراض ، المهمشين من المجتمع ،المطحونين، أصدقاء الفقر ، والجوع ، والحرمان ، المهاجرين من القرية إلى المدينة باحثين عن الربح السريع.. حتى تحولوا إلى أداة بطش في يد الكبار أصحاب المصالح ،الطامحين في المناصب ، والكراسي ، والمزيد من تصفية الحسابات ، والإنتقام… لينضموا إلى زملائهم ممن تربوا في العشوائيات ، وعاشوا تحت خط الفقر، يسكنون الكباري ، والأنفاق ، و أرصفة الشوارع ، يتغذون من فضلات الأغنياء الذين يأكلون لحومهم ، ويشربون دماءهم.. فجعلوا منهم كباش فداء ،لأعمالهم المخفية وراء ستار السلبيين ، والمتفلسفين ، والفضوليين ، محترفوا السياسة من الناشطين ، والناشطات ، والحقوقيين والحقوقيات ، الذين أثبتوا أنهم أنواع جديدة من البشر، زرع في العهد البائد ، وطرح بعد الثورة ، لنجني ثماره المرة بمرارة الصبر…سخرت من كلامها غير المفهوم ..وتركتها لتكمل عملها ، في إلقاء ما كلفت بإلقائه ، وهي تقول لها في سخرية : خلاص يا أستاذة ماتتعبيش نفسك ، وتدروي لجوزي على شغل .. والله عندي لك إقتراح جميل: ماتسيبك من الفلسفة الفارغة اللي مش جايبة همها دي ، وتيجي تشعلليها معانا ؟!
بقلم / سحر فوزي / كاتبة وقاصة مصرية /11/3/2013

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة