الضحك بلا سبب

الرابط : القصة (::::)
بقلم : سحر فوزي – مصر (::::)
مكالمة تليفونية لم تستمر سوى دقائق معدودة..أنهتها صديقتها قائلة: اقفلي السكة دلوقت بسرعة.. لحسن البرنامج اللي بيضحك بدأ..سألتها برنامج إيه؟ هو لسه فيه حاجة بتضحك؟ ردت عليها: البرنامج اللي بيتريقوا فيه على الريس، والحكومة، والبلد، وأحوالها بعد الثورة.. ده فظيع وبيموت من الضحك..سألتها: وده بيجي على أنهي مصيبة من المصايب؟.قالت لها هو بيجي دلوقت على الفضائية الأولى، وبعديه بيجي واحد تاني على فضائية تانية..يخلصوا يجي واحد أفظع على فضائية تالتة.. ده غير اللي بيجوا كل أسبوع..وكلهم بيتعادوا طول الليل والنهار..هو أنت مش في الدنيا ولا إيه؟ باي بقى..عشان بدأ..ونبقى نتكلم لما ييجي فاصل إعلاني.. وقبل ما تخلص كلامها.. قفلت في وشها الخط.. قالت لنفسها: لما أفتح التلفزيون، وأشوف هو إيه البرنامج اللي بيضحك ده.. فتحت التلفزيون.. لقت واحد قاعد يتريق على أحوال البلد بعد الثورة.. يعرض لقطات فيديو لرئيس الجمهورية… بعدها يعلق تعليقات في منتهى السخافة على كل كلمة قالها.. سواء كانت بقصد أو من دون قصد..ومجموعة من الشباب والشابات.. بيضحكوا ضحكات مستفزة، بأصوات عالية.. من دون أي داعي.. على أحوال بلدهم المتردية.. مما يدعوا للاشمئزاز.. والغريب أن مقدم البرنامج الظريف المستظرف… اعترف بمنتهى الجرأة..أنهم بيستنوا لقطة فيديو أو خطاب أو كارثة أو مصيبة تحصل للبلد.. عشان يلقوا مادة للسخرية يسترزقوا منها.. تطورت فقرات البرنامج.. إلى حد تأليف أغاني، ورقصات في منتهى السخافة للتريقة على الحكومة، والنظام.. لم يكتف بهذا بل تطورت الفقرات إلى استخدام الإيماءات الخادشة للحياء، والتلميحات التي يندى لها الجبين..مع عروض أزياء للملابس الداخلية.. والجمهور المأجور هلكان على نفسه من الضحك.. انتهى البرنامج بغلاسته، ومهزلته،وتريقته، وبدأ آخر،على مصيبة أخرى.. بيقدمه واحد يدعي العته، والتخلف العقلي.. من الصعب فهم كلماته، وألفاظه السوقية..وهو ينتقد الأوضاع الاقتصادية، والأمنية للبلاد.. مع عرض صريح لمساوئ الحكومة، والمجتمع والناس، وقبلهم رئيس الجمهورية..كل ده، على عينك يا تاجر.. واللي ما يشتري، أهو بيتفرج.. وطبعا جايب معاه الجمهور الضحوك..اللي نسي إنه بيضحك على بلده،وحكومته، ورئيس جمهوريته…اللي المفروض إنهم رمز وواجهة له لو سقطت.. سقطت معها هيبة الدولة بأكملها..استمرت تتنقل من برنامج سخيف إلى ما هو أسخف منه.. وكل ممثل مش لاقي له دور يمثله في السينما أو التلفزيون.. يتقمص شخصية السياسي البارز.. أبو العريف..أذكى إخواته.. اللي بيعرف يلقط أخطاء الكبار..ليعرضها على الملأ.. في مسرحية هزلية يقوم فيها بدور البطولة المطلقة…من توليفه وتركيبه وإخراجه.. كل هذا من أجل حفنة جنيهات، وجمع المزيد من الإعلانات..والشهرة والمجد الزائف المبني على أنقاض بلد عريق مثل مصر..تعصبت وأغلقت التلفزيون في غيظ وهي تقول: منكم لله مليتوا البلد….عاودت الاتصال بصديقتها تلومها،وتؤنبها على ما دعتها لمشاهدته…قالت لها: فكرك يعني يعملوا إيه؟ أهم بيضحكونا؟ واهي البلد خربانة.. خربانة؟ ردت عليها: أنت عارفة كويس، إني ماليش في السياسة من أصله.. وإني ما بنتميش لتيار سياسي معين، لكن اللي اتعلمته وعرفته، واتربيت عليه طول حياتي.. هو ضرورة احترام الكبير مهما كان.. والمحافظة على أسرار وعيوب بلدي.. واحترام رموزها.. ومن يحب أن يعارض.. فليعارض بأدب، واحترام.. مش يضحك الناس علينا بالشكل ده.. وبالأخص أن العالم دلوقت مفتوح على بعضه.. يعني دبة النملة بتتعرف لأعدائنا.. ولما يلقوا كبارنا بيتهانوا بهذه الطريقة..هيعملوا فينا إيه؟ ردت عليها: وفي رأيك إيه اللي المفروض يتعمل؟ ردت عليها: المفروض أنهم في الوقت الصعب ده يوجهوا برامجهم لتوعية المواطنين بالمحافظة على بلدهم.. من أول النضافة لغاية الأمن وجذب السياحة والاستثمارات..والشباب اللي بياخد أجر نظير ضحكه على بلده.. ينزل الشارع ويحاول حل مشاكل الناس بدال ما هو نازل ضحك عليها، متناسيا أن الضحك من غير سبب على مشاكل وأزمات بلده…منتهى قلة الأدب، وبدل التريقة الفاضية وتضييع الوقت وبذل الجهد والمال في تركيب الفيديوهات والصور اللي بتسيء لسمعتنا وكرامتنا يناقشوا مشاكل المجتمع ويستضيفوا الخبراء لحلها..زي البرامج اللي بتساهم في توصيل المياه للقرى، وتتولى حملات لتنضيف الشوارع، وجمع التبرعات لحل المشاكل..و بناء مستشفيات لعلاج المحتاجين بالجهود الذاتية والحث على التكافل الاجتماعي لتوفير الطعام والعلاج للأسر المعدمة….. وتوعية الشعب بآداب المعارضة وثقافة الاختلاف، واحترام الرأي الآخر… بدل اللجوء إلى الأساليب الرخيصة للنقد.. اللي علمت الأطفال والشباب التطاول على الكبار…قالت لها صديقتها: هدي نفسك انت بس… ردت عليها في غيظ: أهدي نفسي إزاي.. بعد ماشفت الراجل اللي بيستهبل ده، وهو في نهاية كل حلقة من البرنامج بيشتمنا، وبيشتم الجمهور، والبلد،والحكومة، واللي حكمينه.. الحق على اللي بيمولوه، وبيعرضوا البرنامج بتاعه التافه ده في فضائياتهم، وعلى اللي بيعلنوا فيه، وعلى اللي بيضحكوا على كلامه البايخ وهو بيتريق على بلدهم، وعلى اللي بيتفرجوا عليه، وعلى اللي قالوا لي اتفرجي عليه (أبوكوا كلكوا)!!
بقلم / سحر فوزي / كاتبة وقاصة مصرية /6/3/2013

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة