عليك ان تكبري

الرابط : القصة (::::)
فراس حج محمد/ فلسطين (:::)
“إنك ما زلت صغيرة، ولم تعرفي الحب وطقوسه، فلتنامي، ولتخلدي إلى الراحة، فما زال بداخلك طفل لم يكبر، ولم يستوعب بعد أنك تجاوزت مرحلة الطفولة إلى سن الرشد الذي يجعلك أكثر عذوبة وتلقائية من براءة الأطفال. فلا شيء يعدل سحر الأنوثة يا غاليتي، إن لها طعما خاصا ومميزا، هل أدركت الآن معنى أنك امرأة ناضجة، يجب أن تكون في معمعة الحب أشهى من التفاح. نعم عليك أن تكبري!!”، يكتب لها محتجا على معاملتها له بقسوة وجفاف حلق ولغة.

كيف لامرأة أن تكبر؟ وهي كلما تأنقت أنوثتها بدت أنعم وألطف وأبرأ وأصغر!، لماذا يطالبها بأن تكبر؟ هل يريد أن تكبر في حبها واشتياقها؟ هل يريد لها أن تكبر في استيعابها لجنونه المستعر، سألها: أين كنت؟ فقالت: إنه أمر خاص.

– هل لي أن أحزر؟
– بالتأكيد، إن كنت تستطيع.
لعلها أرادت أن تقول له: إن كنت تجرؤ، جمع شجاعته المبعثرة في الظلال، وقال:
– كنتِ في عناق مع الماء.
– لم أفهم قصدك.

أراد أن يحاورها أكثر، ويستدرجها لتتحدث، مع أنه شعر بأن إعصارا من الغضب بدأ يدخل بينهما، صمتَ قليلا، فاستحثته على الكلام لتعرف بعض نواياه، كشف لها عن مكنونات نفسه العابثة، “كنت في الحمام تغتسلين”، قرأت جملته، فاستشاطت غضبا. ودعته بعصبية بدت في جملتها المليئة بالأخطاء الإملائية، فقد كتبتها وهي لا تكاد ترى أو تميز الحروف واصطفافها.

حاول أن يبقيها معه على خط القلب تحدثه، بدا ليله من غيرها كئيبا لا معنى له، كتب لها كثيرا، واستعطفها بأن ترد، تأسّف لها وترجاها، شعر بأنه أصبح يحدّث نفسه، ولا مجيب، شعر ببعض الحرج والأسف، حاول أن يتصل بها، طلب الرقم، ها هو جوالها يرنّ، يستنفد الوقت طاقته، يقرأ ما تشكل على شاشة جهازه “لم يتم الرد” مصحوبا بتلك النغمة التي تُهيل في النفس كل معاني البؤس والشقاء والألم، حاول مرة ثانية، “الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حاليا”، إنها تغلق جوالها إذن، يا للشقاوة والندم، كيف له أن ينام وقد أغضبها، فلا طريقة توصله إليها، ماذا يفعل؟ فكر بأن يكتب لها نصا اعتذرايا مع فنجان قهوة مرة، وينشره على صفحتها في الفيس بوك، ستقرؤه عندما يتحسن مزاجها وتهدأ.

يحضر نفسه لذلك، ويكتب لها كلاما أراد أن يقول لها فيه “أحبك”، ولكن دون أن يلفظ هذه الجملة، بدت له تلك الحروف الأربعة نافرة وقاسية، ومبتذله، فكر أن يرسم لها الحب بلغة أخرى وجمل من صياغة مختلفة بعيدا عن القوالب الجاهزة، ها هو قد أتم صياغة النص، والآن فليبحث عن صورة مناسبة تعبيرية، يتذكر بعض صور أرسلتها له عبر البريد الخاص، فقد أعلمته أنها تعد له ألبوما كاملا يضم صورا متعددة عن القهوة وفناجينها وطقوس شربها، يختار صورة فنجان يتشكل على سطح قهوته ما يشبه رسم القلب، يراجع النص للمرة الأخيرة، يطمئن على صياغة بعض الجمل، وسلاستها وتعبيريتها، يقرأ النص بصوت مرتفع، شعر بأن النص موسيقي وشاعريّ. “إنه مؤثر إذن” خاطب نفسه منتشيا بأنه قد أفلح في صياغة هذا النص بهذه العجلة.

ينتقل إلى صفحتها، يلاحظ أنها كانت هناك منذ ثانيتين، كما تشير آخر مشاركة لها، يستعجل الأمر، وقبل أن يقرأ ما كتبته على صفحتها، يسارع بنشر النص قبل أن تباغته بالخروج، فلا تقرأ النص إلا بعد ساعات، حيث الصباح الذي ينتظرها مع فنجان معدّ على نار غضبها هذه المرة.

فكر بأن يكتب جملة أخرى على الهامش، لم يرد أن تكون من جسم النص، “إن رحلت لا معنى لأي فنجان، ولا طعم لأي قهوة”، كتب هذه الجملة، وأرسل النص ليتربع في صدر صفحتها على الفيس بوك، يلاحظ المعجبين، والمعلقين، لم تكن هي من بينهم، لكنه لاحظ إشعارا على الرسائل الخاصة ينذر بقدوم رسالة، لعلها أتت من صاحبة الظلال، يستطلع الأمر، إنها تقول: “لا معنى للحياة بدون قهوتنا فاطمئن، غضبتُ منك ومن نفسي فقط لأنني لم أكن أتوقع أن تكون جريئا، وتحدثني عن أمر كهذا، وأتبعت رسالتها صورة تعبيرية “وجه خجول”. أدرك أنه وقع في حبائل الغواية من جديد بطقس أنثوي ساحر وشفاف، ولكنه عاهدها رادا على رسالتها “أعدك أن لا تغضبي مني في المرات القادمة”.

يتبادلان الحديث لفترة متأخرة، كاسرة روتينها في النوم المبكر، ومصرة على الدخول في طقوس حب جديدة، تكون هي فيها فراشة حائمة تداعب روحه، وتعطيه عبر الألواح الإلكترونية ما يسدّ بعض عطشه، طالبة منه أن يصبر عليها ويتحملها، فهي لا تجارب لها قبله مع أحد، وهي تخاف من الدخول في طريق بدا لها مجهولا ليس له معالم.

يُسَلِّم لها بما أرادت، ويقضيان ليلة أزهرت فيها نجوم الليل، وفاحت فيها أزاهر البيلسان، وغردت بلابل النفس، يودعان بعضهما بعبارات من الألفة، وينام كل منهما على ذراع صاحبه، مستسلميْن لحلم جميل، لعله يكون واقعا يوما ما.

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة