تثبيت ( هاجل ) ونضال العرب الامريكيين

الرابط : الولايات المتحده الامريكية ,(::::::)
جيمس زغبي – واشنطن (:::::)
كان تثبيت السيناتور السابق، تشاك هاجل، وزيراً للدفاع مهماً لأسباب عديدة تطرقت الصحافة لأغلبها، ولكن فيما يخصنا نحن العرب الأميركيين كان تثبيت هاجل سبباً آخر للاحتفال وإثبات وجهة نظرنا. لقد عرفت شخصياً هاجل لسنوات عديدة، وعلى رغم المجالات التي اختلفنا حولها، فإنني أكن احتراماً عميقاً لهذا الرجل وأقدر نفاذ بصيرته واستعداده للانخراط في خطاب عاقل ومقبول بعيد عن الانحياز والصور النمطية. كما أثمّن فيه أيضاً أنه لم يتخلف أبداً عن الظهور في مناسبة من مناسبات العرب الأميركيين عندما يستدعى إليها ومشاطرة مواقفه مع مواطنين أميركيين من أصول مختلفة، ولذا يظل هاجل صديقاً يحظى باحترام وتقدير كبيرين، وهو السبب ربما الذي جعلني أشعر بانزعاج شديد، بالإضافة إلى باقي أفراد الجالية العربية الأميركية، عندما حاول خصومه المعارضون لتوليه منصب وزير الدفاع إبراز ظهوره في المناسبات العربية كمشكلة تعوق تثبيته في المنصب وكمدخل لمؤاخذته خلال جلسة الاستماع أمام الكونجرس. بل لقد ذهبت بعض الجماعات اليمينية المتشددة إلى مطالبتنا بتقديم نسخ من خطبه السابقة التي ألقاها في الملتقيات العربية، وفيما كان البحث جارياً في سجل هاجل عن أخطاء، أو تصريحات يُستشف منه تحيز من أي نوع للعرب ضد إسرائيل، علق الجمهوريون قرار تثبيته كوزير للدفاع حتى تنجلي الأمور وتُقلب الأوراق والملفات. وفي هذا السياق وجهت حوله بعض الشكوك حول علاقات مريبة مع العرب، واحتمال تلقيه تمويلًا من متبرعين عرب، والحقيقة أن كل ذلك لم يكن أكثر من «حملة لمطاردة الساحرات» تذكرنا بالحقبة المكارثية في التاريخ الأميركي بكل حمولتها السلبية.
وطيلة الحملة البائسة التي تعرض لها هاجل التزمنا الصمت ورفضنا الانجرار إلى مواجهات مبيتة، ولذا استجبنا لجميع الطلبات عندما كانت مشروعة وقدمنا كل الإيجابات الضرورية دون أن يدفعنا ذلك إلى ابتلاع الطعم والدخول في صراع مع الجماعات المستهدفة لهاجل. ومع أن الأمر كان صعباً والصبر كان مؤلماً، إلا أننا لم نفتح النار وقررنا ضبط النفس والتزام الهدوء، وكان تقديرنا للموقف أننا لن نساعد تشاك هاجل باستهدافنا لخصومه وردنا على منتقديه، ولن يفيده في شيء إعلاء أصواتنا والاشتراك في جدل عقيم، فنحن نعرف أنهم لن يرتدعوا باحتجاجاتنا، وأن الانخراط في صراع وتبادل التهم والتصريحات لن يخدم تثبيته في منصبه، ولاسيما أننا نملك تجربة سابقة في التعامل مع خصوم رفضوا ترشيحات سابقة على أساس صلات وهمية مع العرب، فنحن نجر وراءنا تاريخاً صعباً في التعامل مع الاستهداف المؤلم للجالية العربية، إذ في عام 1983 عندما حضر مرشح العمودية في ولاية فيلاديلفيا، ويلسون جود، للمشاركة في لقاء عربي أميركي لتمويل الحملة الديمقراطية، قبل في البداية المال وتعهد بأنه سيكون عمدة المدينة بجميع سكانها لا فرق بين أحد وأحد عنده، ولكن بعد تعرضه لانتقادات شديدة لقبوله المال أعاده إلينا. والأمر نفسه حدث مع «والتر موندل» عندما أعادت حملته الانتخابية للرئاسة مساهمات مالية إلى مجموعة عربية أميركية في عام 1984. وكذلك في الثمانينيات اتخذ كل من السيناتور الجمهوري، تشاك بيرسي، وعضو الكونجرس، إيد زيشو، والديمقراطي، ديف دينكينز، إجراءات استباقية ولكنها مهينة عندما حثوا الجالية العربية على عدم تقديم أي دعم لحملاتهم الانتخابية برسالة واضحة «إذا أعطيتمونا أية أموال سيضاعف اليهود جهودهم لهزيمتنا». وفي كل ذلك لم أعرف بالضبط ما الذي أغضبني أكثر، هل هي رسالتهم المهينة بشكل واضح، أم افتراضاتهم «المناهضة للسامية» التي تستشف ضمناً من حديثهم عن اليهود؟
وفي الوقت الذي تنامت فيه القوة السياسية للعرب الأميركيين ظهر عدد من السياسيين الشجعان الذين رفضوا الخضوع للابتزاز، ومن بينهم رون براون، فبعدما ترأس في عام 1989 اللجنة الوطنية الديمقراطية قبل دعوة لإلقاء كلمة في محاضرة نظمها المعهد العربي الأميركي، وكان براون أول مسؤول بارز في الحزب يحضر لقاء عربياً، وأثناء المحاضرة وقبل بدئها بقليل مال براون عليَّ ليخبرني بأنه قبل وقت قصير من وصوله اعترضه أحد كبار المتبرعين للحزب الديمقراطي من الموالين لإسرائيل ليحذره من أنه إذا دخل قاعة المحاضرات تلك وتوجه بالخطاب لمن وجهوا له الدعوة سيوقف اليهود مساهماتهم المالية للحزب! ولكن براون أدرك بأن التهديد مجرد كلام فارغ وصمم على المجيء للقاء العربي وإلقاء كلمته أمام جمهوره من العرب الأميركيين.
والحقيقة أن الشجاعة نفسها تنطبق على الرئيس الأسبق، بيل كلينتون ونائبه آل جور، اللذين رفضا تهميش العرب الأميركيين، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من المسؤولين على الصعيدين الوطني والمحلي الذين استجابوا لدعواتنا. ولكن ما أظهرته الهجمات التي استهدفت هاجل هو أن محاولات استدراج العرب الأميركيين للدخول في صراعات ثانوية لا تخدم المرشحين ما زالت قائمة، ولكن على رغم نجاحنا هذه المرة بعد رفض هاجل الخضوع لابتزازات المناهضين، وشعورنا كعرب أميركيين بأن وجهة نظرنا انتصرت في النهاية، فإنه لا يمكننا الركون إلى ما تحقق، فالخصوم ما زالوا يعملون، كما نعرف أن هناك بعض المسؤولين والسياسيين الأقل شجاعة الذين سينظرون إلى ما جرى من هجوم على هاجل كدرس يجب الاستفادة منه بتفادي التعامل مع العرب. وإذا كنا هذه المرة انتصرنا في معركة عدم الانجرار إلى طعم المشككين في العرب الأميركيين فإن صراعنا يظل مستمراً من أجل تكريس تقاليد نقاش عقلاني وغير متحيز على الساحة السياسية الأميركية

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة