Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

البيروقراطيه : آفة الادارة الكبرى


الرابط : دراسات (::::)
بقلم : مهند النابلسي – الاردن (::::)
كيف  تسلل  الفساد للعديد  من  المؤسسات العربية ؟!
إنها  العبارات  المطاطة  مثل  “سنأخذ  ذلك  بعين  الاعتبار” حيث  تتحول الصراحة  إلى مراوغة وغموض ،  وحيث  يتحول  تعبير  ” أنا ” الشجاع  إلى  تعبير   ” نحن ”  المتخاذل ،  وحيث  يتحول  مفهوم ” العزيمة ” إلى  حالة  هلامية  ،  ويتستر  المسؤولون خلف  ما  يسمى  ثقافة  المؤسسة التي  تحفل  بفرق  العمل والمستشارين   والخبراء  الأجانب   ولجان  الدراسة . وحيث  تظهر  النتائج  في  جو  توفيقي  مدروس وتعلو  الأصوات   الحيادية  التي  لا  يمكن  أن  تلام : “لقد  تقرر  دمج  الدائرتين  ”  أو  ” لقد أخذت  وجهة  نظرك  بعين  الاعتبار  ” . لقد  تمت  تغذية  مفهوم  ”  ثقافة  المؤسسة ” الجديدة   بواسطة  اللغة  البيروقراطية وقد  شحنت  بعبارات  منسقة  غامضة  …..إنها  البيروقراطية : لغة  النفاق  والمراوغة  !
ينتج  من  تطبيق   برنامج ” تعزيز  الإنتاجية  والربحية  ” تسريح  مئات  العاملين  وخسارة  لا  بأس  بها   للكوادر  الكفؤة تحت  ما  يسمى  ” التقاعد  المبكر “،  والهدف  هنا  هو  تحقيق   إستراتيجية   ”  قصر  النظر  المبكر” ،  والتي   تعوض  ظاهريا   بهذه  الإجراءات  “الحازمة  شكليا ”  الخسارة  المتراكمة  عبر  السنين  والناتجة    عن  تضخم  ”  الفساد  الإداري  ”  في  المؤسسة  . في  مؤسسة   أخرى   أنكر  إداري  رغبته  في  مناقشة  المعلومات  الخاصة  بتشريعات   مؤسسته ،  وأخفى  ذلك  ضمن  عبارة   ” سأقدم  تقريرا  يشير  لأهمية  المواضيع  المتعلقة   بتوجيه    إستراتيجية  الحاسوب  ،  علما  بأني  حاولت  جهدي  الانغماس  في  التشريعات  والأمور  الإحصائية ، بينما   من  المهم  المحافظة  على  فهم  حيادي  واضح لمسار  الأحداث  القائم  ،  فانا  معني  أكثر  بالتطبيق  المباشر  للتشريعات  على  المستوى  التشريعي” هل  فهم  أحدا  شيئا  من  هذه  الحذلقة  الكلامية المراوغة  ؟!
لماذا  يتم  التعبير   بهذا   الشكل  الغامض غير  المفهوم  ؟ لماذا  يتحول  “الحديث  العادي”  إلى “اتصال داخلي”  ؟  ولماذا   يتحول  الاحتراف  الطبي   إلى  مفهوم  ”  تزويد  الرعاية  الصحية  اللازمة  ” ؟ ، ثم  لماذا  تتحول   ”  تعليمات  العمل  ”  إلى  ”  وثائق  تشغيل  صارمة  ” ،  ولماذا  تتحول  إجراءات  التشغيل  غير  الرسمية  إلى  إجراءات  غير  مطابقة  للمواصفات ،  ولماذا  يتحول    مفهوم ” تغيير الأحوال ”   إلى   “تغيير  اسلوب  العمل  ” ،  ثم  لماذا  يتغير   مفهوم  الإيقاف  عن  العمل  إلى   “مغادرة  إدارية  ” ؟!
والأمثلة  تطول  ولكن  أكثرها  مراوغة  حالة  إنهاء  مشروع  ما ،  فالبلاغة  البيروقراطية  تحوله لتعبير ” الانتقال  إلى  مرحلة   جديدة  أكثر  دقة  وفعالية  ”  ،  وهذه  تشبه  في  التلاعب  اللفظي   حالة  ”  الاغتيال  ”  في  لغة  عصابات  المافيا ”    حيث  تتم  الإشارة  لها    بجملة  اصطلاحية  مراوغة  مثل  ”  لقد  قدمنا  له  عرضا  مغريا  لن  يرفضه  “!
الفساد  يتسلل  كالصرصار  الضخم  داخل  رداء  البيروقراطية  الفضفاض  فيطلب  منك المدير  الفني أن  تتأخر  مثلا  وزملائك لدراسة  عطاء  فني  ،  ناقلا وموضحا  رغبة  المدير  العام  بإرساء  العطاء والمفاضلة على  إحدى  الشركات  وحتى  وان  كان  عرضها  ليس  الأفضل ، وحتى إذا  رفضت  ذلك  و لم  تستجب واستنكفت  عن  التوقيع ،  فلا  توجد  مشكلة  ، فتوقيعك  البائس  واسمك  سيظهران  على أي  حال ، ولك  أن  تنتظر وتتوقع بعد  ذلك عقابا  مؤلما رادعا  يتجسد  في  تجميد  راتبك  وحجب  زيادتك  السنوية  المتوقعة  ، وإذا  اعترضت  فالجواب  البيروقراطي  جاهز  دوما  لمعالجة  المتمردين  أمثالك  :” لقد  قررنا  تجميد  راتبك  لأنه  كان  مرتفع  أصلا ولإحداث  توازن  مطلوب  في  سلم  الرواتب  وإصلاح  الخلل ” !  كيف  يستطيع  شخص  ما  أن  يدين  إجابة  بيروقراطية كهذه والتي  تهدف بجوهرها  لأن  تغطي  على  الفعل  الانتقامي  لتأديب  موظف  نزيه  رفض  ان  يتواطىء  مع  فعل  الفساد  السافر  ! هكذا  والأمثلة  على  تستر  الفساد  وراء  البيروقراطية  كثيرة  ويصعب  حصرها ،  وللطرافة  فمعظم  الفاسدين  البيروقراطيين يتشدقون  بتعبيرات حيادية  ويطلقونها  عادة  بشكل  تصريحات  خطابية  ،  فهم  يكثرون  من  تعبيرات  : نحن –  في  الحقيقية-  في  الواقع –  حتى  تتضح  الصورة – العدل  والمساواة –المصلحة  العامة—تعزيز  الإنتاجية  والربحية – سنولي  هذا  الموضوع  أقصى  اهتمامنا – يجب  البدء  فورا …….الخ.
كذلك تساعد  البيروقراطية  المترددين  في  اتخاذ  القرارات ” الغامضة ” وكذلك هؤلاء العاجزين  عن  انجاز  المهمات ، وتسهل ” أجنداتهم ”  في  إعاقة  انطلاقة  المؤسسات  وإحباط  المبدعين ،  وهناك  أمثلة  تخفي  تعبيرات  غامضة  مثل  :  لن  ندعم برمجيات الحاسوب  الحالية  بعد  شهر  كانون  الثاني  ! وكذلك  في  عبارة  : ” لقد  تمت  الاتصالات مع  الجهات  المسؤولة لدراسة  خيارات محتملة  “! وكلها  تعني  باختصار  أن  الشخص   المعني  قد  استنكف  عن  بذل  الجهود  المطلوبة لحل  مشاكل  الحاسوب  أو  لانجاز  المهام  المطلوبة .
يحاول  البيروقراطيون  دوما   حماية  أنفسهم  وانجازاتهم  المتواضعة  ،  وتجنب  النقد  والملامة  من   قبل  المقيمين  والمدققين ، لذا  فقد  تعلموا أن  يستخدموا   التعبيرات  المبهمة  الفضفاضة  التي  تسمح بتأويل الكلام وحجب  النقد وتمييع  المواضيع ، ولنأخذ  على  سبيل المثال حالات  الادعاء  التالية  :
* شخص  مطلوب  منه انجاز  عمل  ما  ويقصر  في  أداء  المهمة  ،  فيقول  معلقا  على  تقصيره  :” يجب  انجاز  العمل  كاملا  من  المرة  الاولى ” ! وكأنه  يغطي  على  تخاذله  !
* قيادي  رفيع ،  بدل  المتابعة  الحثيثة   لتفاصيل  عمله واتخاذ الإجراءات  العملية  الكفيلة  بإنجاحه ،  يسوق  الحجج التالية : من  المستحيل  الاستمرار  بهذا  الشكل ،  فنحن  نملك  رصيدا   مفتوحا  لشراء  ما  يلزم ،  ولكننا  يا  إخوان  لا  نستطيع  الاستمرار  هكذا….فنحن  نضيع  الوقت ! ثم  يستطرد  قائلا  : ”  المهم  أن  نتعلم  من دروسنا  !”
* ثم  الكم  الهائل  من  النصائح  البيروقراطية المتبجحة  : إنها  تقارير  منسقة  و”صف”  كلام  فقط ، اعملوا  كفريق  متناسق  متداخل  ،  دربوا  الآخرين  ،  حددوا  الأولويات ، اعملوا على  تحقيق  المطلوب  بلا  كلل  أو  ملل ، سنفكر  مليا في  الموضوع  وسنخرج  بأفكار  مفيدة  ،  دعونا  نقوم  بالعصف  الذهني  ، الموضوع  شائك  وليس  بالسهولة  التي  تتوقعونها ،  المدير  يفكر  باتخاذ  قرار  حاسم  بعد  الاطلاع  على  كافة  الحيثيات  ، ملفك  الآن  على  طاولة  المدير  لحسم  الموضوع  ،  ثم المبالغة  في  المزايدة : “اعملوا  كمشرفي  نظافة  إذا  لزم  الأمر”  !
البيروقراطية  تعدي  بفيروساتها  المؤثرة …..لذا   فهي  خطيرة حتى  لهؤلاء  اللذين  كانوا  ينتقدونها  في  البداية  ،  وقد  أصبحوا  الآن  عاجزين  عن  مقاومة تأثيراتها  الخفية ،  وبدون  وعي  فان  الناس قد  تعودت   على  استيعاب  الاسلوب  المتضخم  في  الكلام  البيروقراطي  ،  مما  يدعم مصداقية  البيروقراطيين ويزيد  من  نفوذهم  العملي،  والغريب  أن  هذا  الاسلوب  المزيف  يتمتع   بجاذبية   تعطي  صاحبها  صورة  الشخص  المهم  المتمكن  !
البيروقراطية  تكره  التطوير  وتدعيه ،  ويسعى  كهنتها لأن  يحبطوا  وبسرعة  أية  محاولة  للتحسين لأنها  تعني  إضعاف  مراكز  نفوذهم المتضخمة ونرجسيتهم  السادية ،  بل  أنهم يخفون  أنفسهم وراء  شعارات  إدارة  التغيير  لكي  يكرسوا  ببشاعة  كل  الممارسات  العقيمة   في  الإدارة  القديمة  ، وفي  الوقت  الذي يظهرون  فيه  حماسة  لمقاومة  المركزية  فإنهم  يمارسون  التسلط والهيمنة واحتكار  الصواب   في  أبشع  الصور حتى  لو  أدى  ذلك  لإقامة  مشاريع  فاشلة  باهظة  التكاليف ،  كما  أنهم  يحاولون  ” تفشيل ”  النجاحات  والاقتراحات  البناءة بشكل  تدريجي  منسق  ،  ويشكلون  بالخفاء  طابورا  خامسا  محبطا  ، حتى  أنهم  لا  يخفون  في  النهاية  ” سعادتهم  الجمة  ” عندما  يتمكنوا  أخيرا  من  إخراج  رموز  وقادة  التغيير من اللعبة  برمتها بحجة  انتهاء  المشروع  وعدم  وجود  شاغر  لهم  في  الهيكل  التنظيمي  الجديد  للمؤسسة ،  كما  أنهم  يعتبرون  فشل  “التغيير”  نجاحا  لهم ،  لأن  التغيير ” يقزم ” دورهم  في  المؤسسات ويلغي  تأثيرهم  المتضخم  لدى  أصحاب  القرار !
كيف  تقاوم  البيروقراطية ؟ باليقظة  والانتباه ،  بعدم  تقبل  الأشياء  على  علاتها والاقتناع  بأي  كلام  ، بالاستفسار  المستمر  وطلب  الإيضاحات،   وقبل  قول  أو  كتابة  أي  شيء يجب  التفكير  أولا……قد  يبدو  ذلك  بديهيا ولكنه  أساسي لمواجهة  هذه  الآفة  الإدارية  التي  تخفي  داخلها  التقاعس  والادعاء  والفساد ،  وتضيع  الفرص  على  النجاح  والإبداع والتقدم  ، إذن : الاتصال  الفعال  والصراحة  والرغبة  الجارفة  بالانجاز والشفافية وتوضيح  الأمور  ووضعها  في  سياقها  الصحيح ، وفضح  ممارسات  الإدارة البيروقراطية  ونمط  تفكيرها (بنشر  هذا  المقال  مثلا ! ) ،  ثم التوعية و التفكير  أولا  وأخيرا  ،  هي  العناصر  الفعالة   لمقاومة  البيروقراطية  وشرورها الفتاكة  في  الإدارة  العربية ، ولنكن  واقعيين ونعترف  أن  كثيرا  من  ممارسات  الفساد المتنوعة في  جسم  الإدارات  العربية والتي استشرت  كالسرطان بتأثير تولي وتوارث البيروقراطيين  العرب ( الفاسدين  في  معظمهم ) لمناصب  قيادية  في  كافة  المؤسسات  العامة  والخاصة ، وهي  التي  ساهمت  في  المحصلة ( ولحد  ما  ) في حدوث  احتقان  شعبي جارف أدى  لتأجيج  ربيع  الثورات  العربية  .  ولكن  لنكن أيضا موضوعيين ونعترف أن البيروقراطية  ليست  حكرا  على  الشركات  المحلية  والعربية  كما  يعتقد  غالبا  ، فقد  تعشش في  بؤر  مخفية  وفي  ثنايا  الواجهات  البراقة   للشركات  الأجنبية  الكبيرة العملاقة  ،  ولا  يلزم   إلا  البحث  والتمحيص  لكشف  ذلك  ،  وأخيرا  كن  حذرا  ،  فقد  يتربص  لك  البيروقراطيون بالمرصاد  إذا  ما  كشفت  لعبتهم ،  وقد  تخسر  وظيفتك  !!
مهند  النابلسي
كاتب  وباحث
Mmman98@hotmail.com

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة