تونس : اية حكومة جديده في ظل فكر سياسي جامد ؟

 

الرابط : سياسة واخبار (::::)
محمد الحمّار – تونس (::::)
أعجب لتواتر المحاولات لتشكيل حكومة جديدة في تونس ولكني لا أعجب لاستحالة التوفيق في إنجاز هذا المرفق الأساس التي سجلناها على امتداد أشهر. فهل ينفع تحديد صنف الحكومة المزمع تشكيلها، إن حكومة كفاءات أم إنقاذ وطني أم ائتلاف (ومحاصصة) أمام التحدي الأكبر والمتمثل في إيجاد السبل المؤدية إلى إحياء الفكر السياسي بعد أن عاينا اهتراءه وعدم نجاعته وبقاءه في حالة جمود؟
فالمتأمل في كيفية تناول الطبقة السياسية لأزمة الحكومة على امتداد الأشهر التي خلت يسهل له التأكد من أنّ كل شيء تقريبا يحصل بطرق التفكير وبطرق الممارسة القديمة أي الموروثة عن العهد البائد. وفي ما يلي بعض الأمثلة على الاجترار: الأحزاب السياسية (عدا الجبهة الشعبية) تعاطت مع مقترح رئيس الحكومة المستقيل حمادي الجبالي لتشكيل حكومة كفاءات بتسرع مفرط يدل على غياب رؤية للحكم وللإصلاح تكون سابقة لهذا العمل لكي تتوفر للحكومة المشَكلة فكرةٌ محركة ودافعة نحو الأمام؛ ليس لهاته الأحزاب أيّ برنامج نابع من فكر سياسي مستقبلي؛ ليس لحزب حركة النهضة هو الآخر أيّ برنامج يمكنه من جلب الأنصار له ومن تفنيد الاتهامات التي يوجهها له الشارع باستمرار والتي مفادها أنه حزب يخدم أجندات أجنبية ولا علاقة له بالمسار التاريخي والحقيقي للشعب ولا بالهوية الاجتماعية للبلاد، مما جعله يتوجس خيفة من مغبة هزيمة شعبية وشيكة فيُنصّب مؤخرا، قبل استقالة الحكومة، العديد من الكوادر في الأماكن الحساسة من جهاز الدولة على غرار وزارة الداخلية بمختلف مفاصلها؛ عموما حزب الأغلبية يلجأ بصفة لاشعورية إلى إعادة إنتاج النظام السياسي المتنحي في ثورة 14 ديسمبر- 14 جانفي.
هذه الأعراض وغيرها تزيدنا يقينا أنّ التغيير الثوري لن ينجح في ظل الغياب الموصوف لأيّ منهاج للارتقاء وأنّ تأسيس العلم السياسي الثوري المستقبلي في صدارة أولويات المرحلة الحالية من المسار الانتقالي لتونس الجديدة. وبالتالي فهي تزيدنا يقينا بخصوص ضرورة إرساء ثقافة جديدة ترمي إلى تدريب الشعب والشباب على الأخص، ومنه الطبقة السياسية الصاعدة، على كيفية وضع البرامج السياسية الثورية ابتغاء التغيير أي الخروج من حالة الاحتقان.
في هذا السياق يتوجب إدراك أنّ البلاد بحاجة لأناس مدربين على ممارسة التغيير ليقودوها إلى بر الأمان. كما ينبغي أن تكون من بين خصال المنقذين الإلمام العلمي والميداني بمعارف وتجارب نلخصها في ما يلي:
أ. نظرية “الفوضى” وما ترتب عنها من نظريات وتطبيقات مجتمعية على غرار “الفوضى الخلاقة” التي هي من مرتكزات السياسة العالمية المهيمنة والتي بواسطتها تتم الآن محاولة إنجاز النظام العالمي الجديد ورافده الأساس “الشرق الأوسط الكبير”.
ب. النظريات والتوجهات العالمية (على غرار حركة “استوطن وال ستريت”) المناهضة للعولمة الثقافية وخصوصا لعقيدة الرأسمالية المتوحشة ولتداعياتها على شعوب العالم عموما وعلى الانتقال الديمقراطي في بلدان نامية مثل تونس.
ج. النظريات المتعلقة بالحركة وعلى الأخص تلك التي تتناول الماضي كعامل إيجابي لتأسيس الحاضر وبناء المستقبل.
بالنهاية سواء تشكلت لتونس حكومة جديدة في الأسابيع القادمة أو لم تتشكل، وسواء آلت رئاستها، في حال التوافق على تركيبها، للسيد علي العريض بصفته الشخصية التي عينت (في 22-2-2013) رسميا للقيام بذلك أو، لو افترضنا جدلا، للزعيم اليساري السيد حمة الهمامي، فلن تحظى هاته الحكومة بأية حظوظ للنجاح في مهمة إخراج البلاد من طور الجمود إلى طور الحركة طالما لم يقع ضخ دماء جديدة في العقل المجتمعي وعلى الأخص في عقل الطبقة السياسية.
بل ونذهب إلى الاعتقاد أنّ جهود تكوين الحكومة ستتعثر مرارا وتكرارا ما لم يتم التطرق إلى موضوعها وحيثياتها وشروط إنجازها، لا داخل الإطار الإجرائي والسياسوي الضيق والجامد التي تأبدت فيه، وإنما في الإطار الحضاري الشامل، وهو الإطار الذي يبدو الأكثر انحيازا لحركة التاريخ.
محمد الحمّار

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة