التخطيط الصهيوني لترحيل العرب واستقدام الصهاينه الى فلسطين

الرابط : دراسات (::::)
د.غازي حسين – فلسطين المحتله (::::)
تقوم الإيديولوجية الصهيونية على هجرة يهود العالم إلى فلسطين العربية والاستيطان فيها بترحيل العرب إلى البلدان العربية ومصادرة الأرض والثروات والممتلكات والحقوق العربية، ونقل ملكيتها من العرب إلى اليهود، ونزع الطابع العربي عنها وتهويدها وتشييد المستعمرات اليهودية عليها، وتحقيق الاستعمار الاستيطاني، وفرض الهيمنة الصهيونية العسكرية والسياسية والاقتصادية على البلدان العربية، وإقامة “إسرائيل العظمى” واستغلال الأرض والمياه والثروات والأموال والأسواق العربية لصالح الكيان الصهيوني ويهود العالم والولايات المتحدة الأميركية.
وتنطلق التعاليم التوراتية والتلمودية التي اعتمدت عليها الصهيونية من تهجير اليهود إلى فلسطين بحجّة “عودة المنفيين إلى أرض الميعاد” إلى “أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات” وفرض السيطرة اليهودية على الشعوب الكنعانية أي العرب.
وتعتبر الصهيونية “الترحيل”، ترحيل عرب فلسطين المرتكز الأساسي لإقامة دولة نقية لليهود، والمرتكز الأساسي في الفكر والممارسة الصهيونية.
واعتمدت التخطيط بعيد المدى وتشكيل لجان الترحيل وتسخير القوة والإرهاب والإبادة والحروب العدوانية والاستعمار الاستيطاني لاقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من وطنه بالترحيل الجماعي للبلدان العربية المجاورة لفلسطين.
ونجحت الحركة الصهيونية في بلورة الحلم الصهيوني بترحيل العرب في برامج ومخططات وفي المؤتمر الصهيوني العشرين إلى أن أصبحت حقيقة واقعية نفذتها العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة والجيش الإسرائيلي في عامي 947 و948 وفي حرب حزيران العدوانية عام 1967.

ومرّ الترحيل في ثلاث مراحل:
1)  مرحلة الحلم انطلاقاً من الأطماع والخرافات والأكاذيب التوراتية والتلمودية والصهيونية.
2)  مرحلة البرامج والمخططات التي ترسخت في المؤتمر الصهيوني العشرين ولجان الترحيل والخطة دالت.
3)  مرحلة التنفيذ بممارسة الإرهاب والحروب العدوانية والإبادة الجماعية.
وضع المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 القرارات السرية (بروتوكولات حكماء صهيون) والعلنية لتحقيق هدف واحد وهو تهجير يهود العالم إلى فلسطين العربية وترحيل العرب منها.
وتنبأ تيودور هرتسل بأن اليهود سيهبون في الهجرة إلى فلسطين، وباقتلاع جاليات يهودية بأكملها من أوروبا، وغرسها في فلسطين، وترحيل الشعب الفلسطيني إلى البلدان العربية المجاورة.
وعبّر هرتسل في رسالة وجهها إلى دوق بادن، ابن عم القيصر الألماني عن رغبة الصهاينة في العودة إلى “وطنهم التاريخي” كممثلين للمدنية الغربية، حاملين تقاليد الغرب وعاداته.
وأصبحت الهجرة اليهودية، أي تهجير اليهود وترحيل العرب أهم النقاط على جدول أعمال الحركة الصهيونية العالمية.
وعندما زار يسرائيل زنغويل، أحد مساعدي هرتسل فلسطين في عام 1897 ورأى أنها مسكونة بالعرب الفلسطينيين، أصحاب البلاد الأصليين وسكانها الشرعيين أكد أن:
“1- أرض “إسرائيل” (فلسطين) أضيق من أن تتسع لكلا الشعبين.
2- اليهود والعرب لن يعيشوا في سلام. وتوصل إلى استنتاج، مفاده أن لا مفر من إخلاء العرب، ونقلهم بالقوة إلى البلاد المجاورة.(1)
وأعلن زانغويل في خطبة له في نيويورك عام 1904 بوقاحة وهمجية منقطعة النظير قائلاً:
“علينا أن نكون مستعدين لطردهم من البلاد بقوة السيف، كما فعل أجدادنا بالقبائل التي استوطنت فيها”.
بلور هرتسل في مذكراته فكرة “ترحيل العرب” عن دولة اليهود المزمع إقامتها بطردهم عبر الحدود وحرمانهم من فرص العمل في فلسطين لتسهيل عملية الطرد. وقابل القيصر الألماني عام 1898 وعرض عليه أن يقوم اليهود في خدمة المصالح الألمانية لقاء توفير الحماية الألمانية للمستعمرات اليهودية.
وكتب في يومياته يقول:
“علينا أن نستولي وبصورة لطيفة على الملكية الخاصة في الأراضي التي تخطط لنا، سنسعى لتهجير السكان المعدمين عبر الحدود من خلال تدبير الوظائف لهم في بلاد الانتقال، لكننا سنمنعهم من القيام بأي عمل في بلدنا (فلسطين). وعمليتا الاستيلاء على الملكية وترحيل الفقراء ينبغي أن تجريا معاً بصورة محكمة وحذرة.”(2)
وأخذ زعماء الحركة الصهيونية يتبنون فكرة هرتسل ويعملون على تحقيقها. فطالب يسرائيل زنغويل أحد مساعدي هرتسل بوجوب ترحيل العرب من فلسطين العربية وقال:
“علينا أن نستعد إما لطرد القبائل العربية، صاحبة الملكية، بحد السيف كما فعل أجدادنا، وإما أن نتعامل مع مشكلة وجود عدد كبير من السكان الغرباء ومعظمهم من المحمديين الذين اعتادوا ولقرون كثيرة على ازدرائنا.(3)
وآمن زعماء الحركة الصهيونية أن ترحيل العرب عن فلسطين هو تحقيق للصهيونية وإفساح المجال أمام المهاجرين اليهود للاستيطان فيها.
ورفع المؤسسون الصهاينة شعار: “إن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وتحدث الزعيم الألماني الصهيوني ماكس نورداو قبل الحرب العالمية الأولى عن فلسطين بأنها الأرض التي بدون شعب للشعب الذي لا أرض له، وذلك على الرغم من أنه يعرف بأن فلسطين العربية ليست خالية من السكان، بل مأهولة بسكانها العرب، سكانها الأصليين وأصحابها الشرعيين.
وهكذا تبلور الفكر الصهيوني منذ البداية على أساس أن الشعب العربي الفلسطيني لا وجود له، وبالتالي لا حقوق وطنية أو قانونية أو إنسانية لشعب غير موجود.
واعتقد القادة الصهاينة أنه لا يمكن ترحيل العرب إلاّ بالقوة وأن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب لإجبارهم على الرحيل عن وطنهم. وقرروا اعتماد القوة المسلحة لتحقيق ترحيل العرب ومصادرة الأراضي العربية والاستيطان فيها.
وأكد الزعيم الصهيوني آحاد هاعام، الذي صاغ قرارات المؤتمر الصهيوني الأول والمعروفة ببروتوكولات حكماء صهيون هذا الموقف الصهيوني الوحشي وكتب بعد زيارته فلسطين يقول:
“إن الرواد الصهاينة يعتقدون أن اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة، فهم يتصرفون تجاه العرب تصرفاً عدائياً شرساً، ويعتدون على حدودهم من دون حق، ويضربونهم على نحو مشين، ومن دون سبب، بل يتباهون بذلك، ولا يقف أحد لمنع هذا المنهج الحقير والخطير”.(4)
تجاهلت الصهيونية وجود وحقوق سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين وأظهروا استعلاءً عنصرياً تجاههم وإنكاراً لحقوقهم الوطنية والقومية والدينية لاقتلاعهم من وطنهم.
وكان الحاخام يهودا القلعي قد نادى بدولة لليهود في فلسطين عندما اشتد التنافس الأوروبي الاستعماري على النفوذ في إمبراطورية الرجل المريض العثمانية.
وأكد الحاخام تسفي هيرش كاليشر أن الخلاص يتم بالجهد الإنساني وموافقة الأمم ولا يحتاج إلى مجيء المسيح. ودعا إلى تأسيس جمعية لاستيطان اليهود في فلسطين تقوم بتمويل الاستيطان اليهودي، وإنشاء حرس لحماية المستوطنين فيها.
وربط موزيس هيس، نبي الإيديولوجية الصهيونية الاستيطان والتوسع اليهودي في إطار الاستعمار والتوسع الأوروبي وعلى التحديد فرنسا التي كانت مهتمة بمشروع قناة السويس وقال:
“ألا تزالون تشكون في أن فرنسا ستساعد اليهود على إقامة مستعمرات قد تمتد من السويس إلى القدس، ومن ضفتي نهر الأردن حتى البحر المتوسط. إن فرنسا ستوسع مهمة التحرير لتشمل الأمة اليهودية. ويبدو أن الفرنسيين واليهود قد خلق كل منهما للآخر في كل شيء.(5)
وأنهى موزيس هيس كتابه “روما والقدس” بالقول “إن الساعة قد دقت لإعادة الاستيطان على ضفتي الأردن، حيث يكون اليهود هناك حاملي لواء المدنية لشعوب آسيا البدائية والوسطاء بين أوروبا والشرق الأقصى، لفتح الطريق المؤدية إلى الهند والصين، تلك المناطق التي يجب أن تفتح حتماً أمام المدنية الأوروبية”(6)
ونصح هيس اليهود بالعمل على تثقيف “القطعان العربية المتوحشة والشعوب الإفريقية”.
ويمكن القول أن المفكرين اليهود والمؤسسين الصهاينة رفضوا اندماج اليهود في مجتمعاتهم وأصروا على عزلهم عنها وتهجير اليهود إلى فلسطين واستيطانهم فيها وإقامة دولة استيطانية تعمل على حماية مصالح دول أوروبا الاستعمارية ومعادية لشعوب المنطقة.
وركّز هرتسل على الاتصالات مع الدول الأوروبية وكتب يقول:
“إذا منحنا جلالة السلطان (العثماني) فلسطين، يمكننا بالمقابل تنظيم مالية تركيا بأكملها.
وسنشكل هناك جزءاً من متراس أوروبا تجاه آسيا، وقاعدة أمامية للمدنية ضد البربرية.
وسنظل، كدولة محايدة على اتصال مع أوروبا كلها، التي يتعين عليها أن تضمن وجودنا”.(7)
وقرر المؤتمر الصهيوني الثاني الذي ترأسه هرتسل تأسيس بنك الاستعمار اليهودي.
وتأسس في عهده أيضاً الصندوق القومي اليهودي، الذي تمت المصادقة على تأسيسه في المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901.
وطالب ماكس نورداو، أحد مؤسسي الحركة الصهيونية بالاستيطان في فلسطين والأقاليم المجاورة والتي توفِّر متسعاً من المكان لاستيعاب ما بين 12 و15 مليون يهودي. وكتب يقول:
“نحن ننوي الذهاب إلى فلسطين بمثابة الحملة المعتمدين للمدنية والتحضر، ورسالتنا هي توسيع الحدود الأخلاقية لأوروبا حتى تصل إلى نهر الفرات”(8)
وانفجر الخلاف حول الاستيطان داخل الحركة الصهيونية إبان عهد هرتسل بين تيار الصهيونية السياسية الذي يمثله هرتسل وتيار الصهيونية العملية بتشجيع الاستيطان اليهودي الفعلي في فلسطين، مهما كانت الظروف، ثم السعي للحصول على الضمانات السياسية والاعتراف الدولي بالاستيطان والدولة اليهودية في فلسطين. وتصاعد الخلاف في المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905 على أرضية مشروع الاستيطان اليهودي في أوغندا، ولكن المؤتمر حسم الخلاف وأكد على برنامج مؤتمر بازل وقرر الاستيطان في فلسطين وجاء في القرار: “تتمسك المنظمة الصهيونية من دون تردد بالمبدأ الأساسي لبرنامج بازل، وترفض، سواء كان ذلك غاية أم وسيلة، النشاطات الاستعمارية خارج فلسطين والأراضي المحاذية لها”.
وتصاعد نفوذ تيار الصهيونية العملية إلى أن سيطروا على الحركة الصهيونية في المؤتمر العاشر عام1911. وعززوا الاستيطان في فلسطين تحت إشراف د. آرثر روبين.
واقترح روبين، مدير دائرة الاستيطان في مذكرة بعثها في أيار 1911 إلى الهيئة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، ترحيلاً محدوداً للسكان من الفلاحين الفلسطينيين الذين تنتزع منهم الأرض إلى مناطق في سورية الشمالية. وكرر اقتراحه في أيار 1914 في رسالة بعثها إلى فيكتور جاكسون، رئيس المنظمة الصهيونية في اسطنبول أكد فيها أن اقتلاع الفلاحين العرب وترحيلهم أمران حتميان، “إذ إن الأرض هي الشرط الذي لا بد منه لاستيطاننا في فلسطين”.
واقترح الصهيوني البارز ليون موتسكين، والذي شارك في تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية وفي صياغة برنامج بازل حلاً للمشكلة الديمغرافية العربية في فلسطين وذلك في تموز 1912 وكان رأيه “أن الحل يكمن في إطار عربي أوسع يشترط قبول الفلسطينيين ببيع أراضيهم للمستوطنين اليهود وإعادة توطينهم على أراض يتم شراؤها في الولايات العربية المجاورة”(9)
وكتب يسرائيل زنغويل في كتابه “صوت القدس” عن ترحيل العرب يقول:
“علينا أن نقنعهم بلطف بأن يرحلوا نحو البادية. أليست جزيرة العرب ومساحتها مليون ميل مربع كلها لهم، ليس ثمة ما يدعو العرب إلى التمسك بهذه الحفنة من الكيلومترات، فمن عاداتهم وأمثالهم المأثورة طيَّ الخيام والتسلل. دعهم الآن يعطون المثل على ذلك”.(10)
وكان البارون إدموند روتشيلد أقل وحشية من القادة الصهاينة من أمثال هرتسل وزنغويل ونورداو وروبين، إذ أيد فكرة ترحيل العرب ولكنه اقترح تقديم الأموال لهم لكي يبتعدوا عن فلسطين ويرحلوا عنها ويشتروا لهم أراض أخرى.

وطالب نحمان سيركين، مؤسس الصهيونية الاشتراكية بعقد صفقة تبادلية رائعة: “ففي مقابل الدعم الذي سيقدمونه والمقاتلين لحرب تحرير شعوب الإمبراطورية العثمانية المستعبدة، يحصل اليهود على “أرض إسرائيل” (فلسطين).(11)
واقترح د. يهوشواع بوخميل، أحد مساعدي هرتسل عام 1911 بأن يشتري اليهود أراض في شمال سورية وفي بلاد الرافدين لترحيل عرب فلسطين ونقلهم إلى هناك.
ساد الاعتقاد لدى قادة الحركة الصهيونية بوجوب ترحيل العرب من فلسطين وتهجير اليهود إليها واستيطانهم فيها وجعلها يهودية بقدر ما هي إنكلترا إنكليزية. وعبّر عن هذا الاعتقاد حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية أمام الاتحاد الصهيوني الإنكليزي عام 1919 وقال: “عندما أقول وطناً قومياً يهودياً فإنني أعني خلق أوضاع تسمح لنا، بأن يدخل إليه العدد الوفير من المهاجرين، وأنْ نقيم في نهاية الأمر مجتمعاً في فلسطين بحيث تصبح فلسطين يهودية كما هي إنكلترا إنكليزية أو أميركا أميركية”.(12)
وانطلاقاً من تصميم وايزمان لجعل فلسطين يهودية بقدر ما هي إنكلترا إنكليزية اعتمد اليهود على القوة لترحيل العرب منها.
وطالب الزعيم الصهيوني أهرون أهرونسون، (الذي كان يعمل لصالح المخابرات البريطانية) في مجلة أراب بوليتين التي كانت تصدرها المخابرات البريطانية بوجوب تطبيق الترحيل الإجباري للمزارعين العرب.
وقدم الاقتراح التالي: “في حين أنه يجب أن تصبح فلسطين دولة يهودية، فإن وادي العراق الواسع الذي يرويه دجلة والفرات قد يصبح جنة العالم، لذلك يجب أن يُعطى عرب فلسطين أرضاً هناك، ويجب إقناع أكبر عدد ممكن من العرب بالهجرة إلى تلك الأراضي”.(13)
وتابعت الحركة الصهيونية مساعيها لترحيل العرب بمساعدة بريطانيا وأكد ذلك ونستون تشرشل الذي كتب في 25 تشرين الأول عام 1919 يقول: “هناك اليهود الذين تعهدنا إدخالهم إلى فلسطين والذين يفترضون أن السكان المحليين سيطردون توفيراً لراحتهم”.(14)
وأكد اللورد وثبي فيما بعد في برنامج بثته الإذاعة البريطانية “أن تصريح بلفور الأصلي تضمن نصوص أحكام تقضي بترحيل العرب إلى مكان آخر”.(15)
ناقش يسرائيل زنغويل فكرة ترحيل الفلسطينيين مع جابوتنسكي والذي كان يعتقد أن الفلسطينيين لن يتركوا مسقط رأسهم طوعاً، ولا بد من استخدام القوة لإجبارهم على الرحيل.
آمن الإرهابي جابوتنسكي بوجوب ترحيل العرب بالقوة، لأن ترحيلهم بحسب رأيه شرط أساسي لتحقيق الصهيونية. فاقترح في رسالة بعث بها إلى السناتور الأميركي غراسنبيرغ “إن تأسيس أكثرية يهودية في فلسطين يجب أن يتم عنوة عن إرادة الأكثرية العربية الموجودة في البلاد. وسيرعى عملية إنجاز هذه الأكثرية جدار حديدي من القوة اليهودية المسلحة”.(16)
وتوقع جابوتنسكي بأن النمو الطبيعي العربي سيحبط جهود الصهاينة الرامية لخلق دولة يهودية. وادخل المشكلة الديمغرافية العربية في الفكر والنشاط الصهيوني. واعتبر العنصري والإرهابي جابوتنسكي أن العرب لم يساهموا في تقدم الحضارة الإنسانية، وهم غير قادرين على إقامة دولة مستقلة، ولا يحق لهم البقاء في الأرض المقدسة، لذلك يجب ترحيلهم منها.
وأقنع البارون إدمون روتشيلد باقتلاع العرب من أراضيهم وكتب جابوتنسكي بعد اجتماعه معه في باريس عام 1929 يقول:
“إن البارون يطالب بأن تكون فلسطين يهودية بالكامل، إنه على استعداد لبذل المال للعرب لتمكينهم من مغادرة فلسطين، ويؤمن إيماناً راسخاً بأننا سنجعل فلسطين يهودية بقدر ما هي فرنسا فرنسية”.(17)
وعبّر الإرهابي جابوتنسكي عن ازدراء عنصري مقيت تجاه العرب والإسلام لإقناع اليهود بترحيل العرب وقال: “نحن اليهود والحمد لله لا شأن لنا بالشرق، يجب تكنيس “أرض إسرائيل” من الروح الإسلامية”.(18)
وتجلت عنصرية ووحشية جابوتنسكي ليس فقط بالمطالبة بترحيل الفلسطينيين بالقوة “وتكنيس” فلسطين من الإسلام وإنما أيضاً بالقول: إن العرب رعاع يزعقون، ثيابهم رثة، ذات ألوان صارخة متوحشة.
وعلى إثر أحداث البراق عام 1929 شكلت بريطانيا لجنة شو للتحقيق، واتبعتها بلجنة هوب ـ سيميسون. وأكدت اللجنتان في تقاريرهما أن الهجرة اليهودية واستيلاء اليهود على الأراضي العربية واللتان تؤديان إلى طرد الفلاح العربي من أرضه وإلى فقدانه العمل سببا الخوف العربي من استيلاء اليهود على البلاد. وأعلن سيميسون أنه لا مكان في البلاد لأي مستوطن يهودي واحد آخر.
وانطلاقاً من تقاريرهما نشرت الحكومة البريطانية في آب 1930 الكتاب الأبيض الذي فرض قيوداً صعبة على الهجرة اليهودية وشراء الأراضي. وظهر وكأن الصهيونية ماتت في مهدها.
وتجاوز العداء للعرب والإسلام زعماء اليمين اليهودي وشمل أيضاً قادة حزب ماباي (العمل)، حيث عبّر يتسحاق تابنكين وبن غوريون عن تأييدهم فكرة الترحيل بالقوة واحتقارهم للعرب والحضارة العربية. وأن الفلسطينيين برأي زعماء الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية بن غوريون ووايزمان وبن تسفي وغيرهم سكان عرب في فلسطين، لا حقوق لهم على الإطلاق ويجب ترحيلهم بجميع الوسائل إلى البلدان العربية لتهويد فلسطين وجعلها دولة لجميع اليهود في العالم.
إن إنكار اليهود لوجود الشعب العربي الفلسطيني ولحقوقه الوطنية يضفي الشرعية من وجهة نظرهم على اغتصابهم لفلسطين وترحيل العرب منها وتسهيل عملية اقتلاعهم من وطنهم وترحيلهم خارجه.
وكان حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية قد قدم اقتراحاً إلى مسؤولين ووزراء بريطانيين عام 1930 يدعو فيه إلى ترحيل العرب إلى شرق الأردن والعراق، وتشجيع هجرة الفلسطينيين إلى البلدان العربية وخلق الظروف الملائمة لتوطينهم فيها.
وبعث وايزمان إلى فيلكس غرين، أحد المسؤولين في الوكالة اليهودية في حزيران 1930 يطلب منه أن يرسل إليه فوراً تفاصيل عن أراض يمكن شراؤها في شرق الأردن لإعادة توطين من قد يتم نقلهم من الفلسطينيين وطلب وايزمان من بنحاس روتنبيرغ، عضو الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية، ومؤسس شركة كهرباء فلسطين إعداد خطة مفصلة لترحيل الشعب الفلسطيني إلى شرق الأردن. وأعد روتنبيرغ الخطة وقدمها وايزمان عام 1930 إلى وزارة المستعمرات البريطانية.
رفضت بريطانيا الموافقة على ترحيل الشعب الفلسطيني خارج وطنه لسببين:
الأول : التكاليف المالية الباهظة التي يحتاجها مشروع الترحيل.
والثاني : رفض العرب الشديد لفكرة الترحيل والتوطين.

وأصر زعماء الحركة الصهيونية ومنهم مناحيم أوسيثكين، عضو الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية على فرض ترحيل عرب فلسطين بالقوة ونقلهم إلى بلدان عربية أخرى. وناقش الصندوق القومي اليهودي في حزيران 1930 مشكلة ترحيل الشعب الفلسطيني إلى شرق الأردن.
واقترحت الوكالة اليهودية عام 1931 رسمياً على لجنة تحقيق بريطانية برئاسة لويس فرينش ترحيل مزارعي وادي الحوارث إلى شرق الأردن. ولكن المندوب السامي البريطاني واكهوب رفض الاقتراح اليهودي الوقح.
وطالب بن تسفي بنقل الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا أرض إلى البلدان العربية المجاورة ومنها شرق الأردن، وذلك خلال إحدى اجتماعات الوكالة اليهودية. وعبر موشيه شرتوك، رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية عن دعمه لموقف بن تسفي قائلاً: “إن لدى شرق الأردن أراضي واسعة تخصص للاستيطان اليهودي ولإعادة توطين العرب”.(19)
واعترف بن غوريون في اجتماع لحزب ماباي بأن الفلسطينيين يحاربون من أجل المحافظة على وطنهم كبلد عربي والذي يسعى الآخرون إلى تحويله وطناً لليهود. وبالتالي اعترف صراحة بوحشية المطالب اليهودية بترحيل شعب كامل من أرض وطنه وممتلكاته لتهويد وطنه ومقدساته.
وأكد موشيه شرتوك أخطار هجرة اليهود على الشعب الفلسطيني عام 1937 وقال:
“لو كنت أنا عربياً ذا وعي قومي سياسي، لقمت ثائراً على هجرة (يهودية) من شأنها بعد مضي زمن ما في المستقبل أن تسلِّم البلد وأهله أجمعين إلى الحكم اليهودي.”(20)
وقدمت الوكالة اليهودية في أيار 1937 مذكرة إلى لجنة بيل البريطانية للتحقيق تضمنت فقرة تقترح فيها ترحيل الفلسطينيين إلى شرق الأردن استجابة للمطلب اليهودي.
وتابع روتنبيرغ اتصالاته لإقامة شركة في شرق الأردن لترحيل الفلسطينيين وتوطينهم فيها وتخصيص نصف أراضي الشركة للمستوطنين اليهود.
ونجحت الصهيونية في تضمين تقرير لجنة بيل مطلبين: الأول: النص على تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية. والثاني: ترحيل العرب عنها.
وكان على دولة الانتداب البريطاني في فلسطين أن تحقق لليهود الهجرة والاستيطان والتقسيم وترحيل العرب، مما يجعل ذلك من المستحيل على بريطانيا القيام به والحفاظ على مصالحها في البلدان العربية.
وبرز رأيان صهيونيان: الأول يؤيد التقسيم والترحيل. والثاني: يطالب بأرض “إسرائيل” الكاملة مع دولة ثنائية القومية.
وظهر بجلاء أن ترحيل الفلسطينيين لا يمكن تحقيقه إلاّ بقوة السلاح، فاستخدام القوة والتخويف والاحتلال هو الذي يمكِّن الصهيونية من تنفيذ الترحيل وتحقيق الاستيطان.
اجتمع حزب ماباي قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني العشرين في زيوريخ لتحديد الموقف من فكرة تقسيم فلسطين وترحيل العرب منها. ووافق بن غوريون ووايزمان عليها، بينما رفضها أصحاب فكرة “إسرائيل الكبرى”، الذين طالبوا بدولة ثنائية القومية في فلسطين وشرق الأردن.
وفجأة ارتدتْ الصهيونية حلّة الحمل الوديع وأخذ قادتها يزعمون أنهم لا ينوون طرد العمال العرب (المزارعين العرب) من الأراضي التي حصل عليها اليهود، بل يريدون نقلهم إلى مكان آخر. وأخذوا بالمناداة بنقل السكان (ترحيلهم) إلى شرق الأردن وتوطينهم هناك. ولتحقيق هذا الأسلوب الصهيوني الخبيث اقترح ارلوزوروف، رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية تغيير المفاوضات مع بريطانيا بشأن شرق الأردن وقال: “يجب الادعاء بأن حكومة إنجلترا قد تعهدت في الانتداب بالمساعدة في إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في “أرض إسرائيل” المكونة من شطري الأردن، ورغم أنها أعفت شرق الأردن من هذا الالتزام، فيجب السعي من أجل إزالة ذلك الحاجز الإداري الذي يعيق الحركة الاستيطانية لليهود في شرق الأردن”، “يجب أن يكون اتجاهنا الأساسي هو إدراج منطقة شرق الأردن داخل إطار النشاط الاقتصادي “لأرض إسرائيل””(21) ولكن جاء استلام النازية للحكم في ألمانيا وصعود هتلر ليبعث الحياة في الحركة الصهيونية من جديد.
كشف بن غوريون القناع عن وجهه وفكره الصهيوني العنصري والإرهابي والبشع عندما كتب في مذكراته يقول: “أرى كما كنت من قبل كل الصعوبة الخطيرة في أن نقتلع بقوة أجنبية (بريطانيا) حوالي مئة ألف عربي من قراهم، التي عاشوا فيها مئات السنين… بناء على ذلك، فإن أول خطوة، وربما الحاسمة، هي تأهيل أنفسنا لتنفيذ بند الترحيل”.(22)
ودعم بن غوريون ترحيل العرب بحجة صهيونية تبين أطماعها في الأرض والثروات العربية “تبادل السكان والأرض، بين الدولتين اللتين ستقومان على “أرض إسرائيل” (أجزاء من سورية) الذي ستقوم بتنفيذه بريطانيا”. لأن بريطانيا برأيه تستطيع فرض الترحيل والمدخل إلى الرأي العام العالمي لتبريره والقبول به والموافقة عليه. وهكذا يظهر التضليل والخداع والغش اليهودي بأجلى مظاهره لتحقيق الأطماع اليهودية في الأرض العربية.
——————-

المصادر
(1) ـ شبتاي تيفيت، الترحيل، منظمة التحرير الفلسطينية، الإعلام الموحد، تونس 1989، ص 63.
(2) ـ رفائيل بتاي، المذكرات الكاملة لتيودور هرتسل، نيويورك 1960، المجلد الأول،
ص88.
(3) ـ خطب يسرائيل زانغويل، مقالاته ورسائله، لندن 1937، مطابع سونسيتو، ص 210.
(4) ـ آحاد عام، الحقيقة من أرض إسرائيل، الأعمال الكاملة، القدس 1961، ص 27 ـ 29.
(5) ـ الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، ص 540.
(6) ـ المصدر السابق نفسه.
(7) ـ الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، ص542.
(8) ـ الموسوعة الفلسطينية، المصدر السابق، ص545.
(9) ـ جريدة يودشي روندشاو، برلين في 12/7/1912.
(10) ـ يسرائيل زانغويل، صوت القدس، وليم هاينمان 1920، ص 104.
(11) ـ الترحيل، منظمة التحرير الفلسطينية، مصدر سابق، ص 63.

(12) ـ جريدة جويش كرونكيل في 20/5/1921.
(13) ـ نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1999، ص 18.
(14) ـ مارتين جيلبرت، ونستون تشرشل، لندن، هاينمان 1975، المجلد الرابع، ص 484.
(15) ـ ارسكين تشيلدرز، تهويد فلسطين، مركز الأبحاث الفلسطينية بيروت، ص 189 ـ 190.
(16) ـ ميخائيل بالمبو، كيف طرد الفلسطينيون من ديارهم عام 1948، دار الحمراء، بيروت، 1990، ص 27.
(17) ـ جوزيف شختمان، قصة فلاديمير جابوتنسكي، تل أبيب 1959، دار نشر كارني،
ص 152.
(18) ـ نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين، مصدر سابق، ص 31.
(19) ـ المصدر السابق، ص 42.
(20) ـ المصدر السابق ص 22.
(21) ـ الترحيل، منظمة التحرير الفلسطينية، مصدر سابق ص 95.
22)) ـ المصدر السابق  ص102 ـ 103.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة