قبل ان تسقط المدينة المقدسة

الرابط : فلسطين  (::::)
نواف الزرو – الاردن (::::::)
   قد يثير العنوان غضب البعض، فينتقدوه، وقد يذهب آخرون ليقولوا “صح النوم..القدس سقطت من زمان” ولكننا ومن اجل الذاكرة والتذكير دائما، نعود ونقول مجددا، ان هذا الذي يجري في قلب المدينة المقدسة من اجتياحات تهويدية مرعبة، يفوق كل تصور محتمل، دون ان يواجه باي رد فعل عربي او اسلامي او دولي مناسب، بل ان الاحتلال يتجاوز في تماديه كل الحسابات الفلسطينية والعربية وكل المواثيق الاممية، وهو يمضي غير آبه ابدا بكافة ردود الفعل الهزيلة من هنا او هناك، وما يجري في المدينة المقدسة، كان الدكتور مهدي عبد الهادي من القدس المحتلة قد عبر عنه بصرخة مدوية اطلقها-تصوروا- في ختام محاضرة  القاها تحت عنوان”القدس من الداخل “في اطار ندوة القدس التي عقدت عام/2005 في المركز الثقافي الملكي حيث قال:”القدس لم تسقط عام 1967- القدس تسقط الان في هذه الايام ..القدس تسقط الان…”، وكانت صرخة مهدي رسالة التي وجهها الي الخارج العربي والاسلامي،”القدس تسقط الان…” في ظل الهجوم الاستيطاني التهويدي الشامل الجارف الذي تشنه دولة الاحتلال على المدينة المقدسة “القدس تسقط الان …”، في ظل فرجة عربية اسلامية دولية .
   وما بين الامس واليوم، ونحن في مطلع العام/2013،  تتجدد وتتكرر الصرخة المقدسية  مضاعفة مرات ومرات، وهذه المرة على لسان اهل القدس الذين يحذرون العرب والمسلمين، من ان الهجوم الاستيطاني التهويدي الجارف انما اخذ يختطف القدس والمقدسات ومنها الاقصى على نحو حصري…!
    ففي المشهد المقدسي يمضي الاحتلال بتنفيذ مخططاته ومشاريعه التهويدية غير آبه بكل الاصوات والاحتجاجات الفلسطينية-العربية-الدولية المنددة، او بالقرارات والمواثيق الاممية، بل انه يقوم كما جاء في تحليل سابق في صحيفة الخليج بتمزيق ما يطلق عليه”دفتر القدس العتيقة”ورقة ورقة، فهو يقوم على مدار الساعة ذلك الدفتر العريق الذي يروي حكايات المقدسات والانبياء والتاريخ والتراث والحضارة والشوارع والازقة، لقد فتح الاحتلال كل هذه الصفحات المضمخة بعبق التاريخ وبدأ يمزقها، ويستبدلها بصفحات مزورة تحكي تاريخاً يهودياً أسطورياً، لا وجود له على وجه الأرض ولا في أعماقها.
  وفي المشهد المقدسي في هذه الايام، تطورات خطيرة ووجودية تهدد الاقصى المبارك، فوفق التقارير الفلسطينية فإن عدة منظمات يهودية متشددة  تنضوي تحت سقف العمل من اجل بناء الهيكل-المزعوم-، اخذت تكثف من نشاطها الميداني و”التعبوي” في محاولة لتسريع بناء الهيكل، على حساب المسجد الأقصى المبارك، فعقدت تلك المنظات مؤتمرا تحضيريا وتطبيقيا لكيفية تقديم” قرابين الفصح” العبري على”جبل الهيكل” – وهي التسمية الاحتفالية للمسجد الأقصى وذلك مساء يوم 11/02/2013-في مركز”منهيجوت يهوديت-أي القيادة اليهودية”، في إحدى ضواحي القدس، وشارك فيه عدد من”الحاخامات” وأعضاء الكنيست، منهم “موشيه فيجلين-الاشد تطرفا في الليكود”، كما وعرض خلال المؤتمر فيلم يوثق محاولات سابقة لتقديم” قرابين الفصح” العبري،   وعلى نحو مكمل فأن الاحتلال يواصل دعم المنظمات والجماعات اليهودية التي تنشط في عمليات اقتحام المسجد الأقصى، وتدنيسه بمحاولات تأدية شعائر تلمودية وصلوات توراتية في باحته، وأن كل اذرع الاحتلال السياسية والقضائية والاعلامية والدينية تتسابق وتتساوق فيما بينها إمن اجل تسويق مشروع تقسيم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، وفي هذا السياق تم توثيق اقتحام المدعو “يهودا قليج” – رئيس صندوق الهيكل- وأحد نشطاء “الليكود بيتنا” في مستوطنات الضفة الغربية،  للمسجد الأقصى، وهو يقوم بتصوير فيلم ترويجي لاقتحامه للأقصى وتفصيلات عن بناء ” الهيكل المزعوم”، كما قام العشرات من جنود  ومستعمري الاحتلال باقتحام باحات الأقصى المبارك، بل ان المسجد الأقصى تعرض خلال العام الماضي الى الاقتحام والتدنيس مئات المرات من جانب جنود الاحتلال والجماعات الاستيطانية بأشكال وطرق مختلفة”، وقالت مؤسسة الاقصى”أن حوالي 11 ألف مستوطن وجندي اقتحموا المسجد الاقصى، وهذا ضعف الاقتحامات التي جرت في 2011 وهي خمسة آلاف”،  وقد ترافقت الاقتحامات مع تنظيم حفلات تلمودية انجلو- صهيونية متعددة بجوار المسجد الأقصى تحت شعار تسريع بناء الهيكل المزعوم، موضحة أن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد إدخال نحو 300 ألف سائح أجنبي الى المسجد الأقصى خلال العام الماضي .
  وكافة هذه التحركات التهويدية توجت بفيلم انتجته وزارة الخارجية الإسرائيلية يظهر عملية هدم لقبة الصخرة وإقامة الهيكل المزعوم مكانها، ضمن حملة إعلامية لتحسين صورة إسرائيل في العالم، والترويج للخطاب الصهيوني، وكشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن نائب وزير الخارجية الإسرائيلية، داني أيلون، من حزب”إسرائيل بيتنا”، هو نجم الفيلم، إذ يظهر على خلفية هدم قبة الصخرة وهو يتحدث عن العلاقة بين اليهودية والقدس، وموقع الحرم القدسي الشريف، وهو ما يسمى إسرائيليا بـ “جبل الهيكل”.
   وهناك الكثير الكثير، فالمشهد المقدسي مثقل بالجراح والخناجر الصهيونية التي تعمل في جسده على مدار الساعة، والصرخة المقدسية تنطلق مدوية بان القدس تتهود وتتحول الى مملكة توراتية..وانها تسقط الآن في هذه الايام، اذا لم يتدارك الفلسطينيون والعرب الموقف قبل فوات الأوان…؟!

مرحلة تهويد المواقع التاريخية والاثرية…؟!
   في اقرب واخطر تطورات المشهد المقدسي في البعد التهويدي، انتقل الاحتلال في الآونة الاخيرة الى ترميم وتهويد المواقع التاريخية والاثرية، فقال رئيس مركز القدس الدولي الدكتور حسن خاطر “إن الحكومة الإسرائيلية تعتزم الشروع في تنفيذ مشروعها المتعلق ‘بترميم وتحسين’ 296 موقعا تاريخيا وأثريا موزعا على الأرض الفلسطينية، وترجع إلى عهود تاريخية مختلفة”، محذرا من أن طرح هذا المشروع ميعكس تصميم سلطات الاحتلال على المضي قدما في استهداف تاريخ ومعالم ومقدسات الفلسطينيين التي ما زالت إلى اليوم  شاهدا عريقا وشامخا على هوية هذه البلاد وجذورها التاريخية رغم كل الجرائم التي ارتكبها الاحتلال في حقها”، وكشف خاطر عن أن الحكومة الإسرائيلية اعلنت أن ميزانية هذا المشروع والمقدرة بـ(700 مليون شيقل مرصودة بالكامل من اجل”الحفاظ على تراث الآباء والأجداد وعلى التراث الذي يؤكد الوجود اليهودي في هذه الأرض”.
   وفي هذا السياق الاستراتيجي الخطير الذي يهدد بالاختطاف الشامل والكامل لفلسطين وقدسها، نستحضر بعض ادبياتهم التي كنا كتبنا ونشرنا عنها تباعا، وذلك للذاكرة والتذكير بخطورة ما يجري، وهومخطط مع سبق النوايا والتحضير منذ اكثر من قرن من الزمن، اذ كان نبيهم مؤسس الحركة الصهيونية ثيودورهرتزل قال في إحدى خطبه في المؤتمر الصهيوني الأول في أغسطس – آب/ 1897]: ” إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسأحرق الآثار التي مرت عليها قرون”، واليوم، وما بين زمن وبعد نحو قرن وخمسة عشر عاما، يعتلي  نتنياهو المنبر السياسي الايديولوجي الصهيوني ليعلن تباعا:”اليوم لن اتحدث عن فك الارتباط، وانما عن الارتباط بتراثنا وبالصهيونية، وبماضينا وعن مستقبلنا هنا في ارض اجدادنا، التي هي ارض ابنائنا واحفادنا، ومن اجل ان نواصل السيطرة على مصيرنا، يجب ان نؤسس قدراتنا الشاملة في الامن والاقتصاد والثقافة والتعليم، واذا اردنا ان نتحدث عن شىء اكثر اساسية، فانني ساتحدث عن ثقافة قيم الهوية والتراث، ثقافة معرفة جذور شعبنا، ثقافة تعميق ارتباطانا الواحد مع الآخر في هذا المكان، واعتقد ان الثقافة تبدأ اولا في التناخ، لدينا حوال 30 الف معلم تاريخي(يهودي) يجب ان نحييها من جديد، ان شعبا لا يتذكر ماضيه، فان حاضره ومتقبله يبقى ضبابيا-من خطاب نتنياهو امام هرتسليا”، ثم يواصل نتنياهو بعد ذلك”إن القدس لليهود منذ 3000 عام وستبقى لليهود”، وفي حفل وداع لوزير خارجيته اقيم عند حائط المبكى على طريقة الدعاية الانتخابية، قال نتنياهو في شريط بثه التلفزيون الاسرائيلي-15 / 12 / 2012″قبل ايام قال ابو مازن في الامم المتحدة ان القدس والحرم القدسي مناطق فلسطينية محتلة، وقالوا قبل ايام- في اشارة لمشعل- انهم سيطردون اليهود من هنا، وانا اقول لهم اني اتحدث اليكم من هنا من هذا المكان واقول ان هذا المكان منذ 3000 عام لنا والان هو بايدينا وسيبقى بايدينا”، وليواصل بعد ذلك مسلسل تصريحاته التي تحمل في احشائها موقفا صريحا يخلد الاحتلال ويزيف الرواية والحقائق التاريخية، فيقول على سبيل المثال:”أن الروابط القائمة بين الشعب اليهودي والقدس اقوى من اي روابط تقيمها شعوب اخرى بهذه المدينة وقد صمدت على مدى الاف السنين”، مستندا الى التوراة مزيفا للحقائق قائلا:”ان القدس واسمها العبري البديل “صهيون” وردت 850 مرة في العهد القديم او التوراة، اما بالنسبة لعدد المرات التي وردت فيها القدس في الكتب المقدسة للاديان الاخرى أوصيكم بأن تراجعوا هذا”،  مضيفا:”ان القدس ذكرت 142 مرة في العهد الجديد ولم يرد في القرآن اسم واحد من بين 16 اسما عربيا للقدس”، مؤكدا:” لن نتنازل عن البناء في القدس حشاشة قلبنا”. 
    الى ذلك، هناك زخم هائل من الادبيات الصهيونية التي تلتقي كلها على اختطاف فلسطين والقدس وتزييف التاريخ  والتاريخ وكافة المواقع  والمعالم العربية،  ولكل ذلك، لا نبالغ ان قلنا ان الاحتلال الصهيوني يعمل على اختطاف المدينة المقدسة مرة واحدة والى الابد،ف”التهويد الكبير في فلسطين والقدس قد بدأ” حسب احدث وثيقة عبرية، والاحتلال يصعد حرب ابتلاع فلسطين و القدس، ويعمل ليلاً نهاراً على فرض الأمر الواقع الاحتلالي عبر ما يمكن ان نطلق عليه اضخم حملة تزوير للتاريخ والتراث تستهدف اختلاق قدس ومملكة يهودية على انقاض المشهد المقدسي، ودولة الاحتلال تتحرك على مدار الساعة على امتداد المساحة المقدسية  بهدف احكام قبضتها الاستراتيجية على المدينة واخراجها من كل الحسابات الفلسطينية والعربية والدولية، وهي ايضا في سباق مع الزمن مستثمرة حالة التشظي والتفكك والضعف والانشغالات العربية في حروبها الداخلية، من اجل استكمال مخططاتها ومشاريعها قبل ان تأتي الصحوة العربية العروبية، والواضح ان لاشيء حتى الآن  يردع الاحتلال عن”التطهير العرقي” وعن”تزييف التاريخ والتراث”.
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة