هل عادت تونس الى المربع الثوري الاول ؟

الرابط : اراء حرة (:::::)
محمد الحمّار – تونس (:::::)
هل نحن على أبواب ثورة حقيقية وسنعمل بمقتضاها من أجل البديل عن المشروع الإخواني الامبريالي الغادر والكاذب؟ هذا ما سنحاول تقصّيه في هذه الورقة القصيرة.
إنّ المربع الأول المقصود هو ذاك الذي يرتكز على مبدأ آمنا به وآمن به الدستور المتخلي عنه وجسده قانون الأحزاب القبلي لثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي ألا وهو عدم جواز الحزب الديني في المجتمع المسلم.
لكن الذي حصل في الواقع يتباين للأسف مع هذا المبدأ حيث إنّ القوى السياسية الجديدة التي أفرزتها الثورة تبنت تمشيا معاكسا لهذا المبدأ وذلك بإيعاز وتهيئة من طرف دوائر خارجية تقودها الولايات المتحدة. فكانت النتيجة  عنيفة بقدر عنف التباين بين المبدأ الصحيح وبين ما روجت له هذه  الدوائر على أنه مبدأ ولكنه في الحقيقة فكرة مغشوشة ألا وهي اعتبار أنّ الشعب المسلم في تونس، وفي أي بلد آخر، بحاجة لسلطة إسلامية لكي ترضيه وتلبي حاجياته .
ومن أعراض هذا التضارب العنيف فشل السلطة الإسلاموية التي تأسست إبان انتخابات 23 أكتوبر 2011 في تحقيق أهداف الثورة أي في الانسجام مع طموحات الشعب المسلم (في غالبيته). ونحن الآن نعاني من ذروة هذا التناقض وتداعياته على الحياة العامة والخاصة. وقد أبرزت الأحداث والإحصائيات مدى تنامي ظاهرة العنف السياسي والاغتيالات السياسية، و استشراء الأمراض النفسية ، وتزايد مطالب الهجرة فضلا عن استشراء الفساد بمختلف أصنافه، وتدني مستوى المعيشة، وغلاء الأسعار.
في ضوء هذا الانخرام نعتقد أنه ينبغي من هنا فصاعدا فسخ كافة الأكاذيب والمغالطات المترتبة عن الخلط الحاصل بين الإسلام كديانة والإسلام كعقيدة حزبية ضيقة. و تبني الولايات المتحدة بمساعدة عملاء تونسيين فيهم من يحمل الجنسيتين التونسية والأمريكية فكرة التطبيع مع ما يسمى بالإسلام المعتدل يمثل أُمّ المغالطات وأخطرها. والشروع في تطبيق هذا التطبيع في تونس ثم تصديره إلى مصر واليمن فليبيا لا تعدو أن يكون تجربة مخبرية (ومخابراتية) غير علمية بالمرة.
في المقابل نلاحظ والحمد لله أنه لمّا تعثرت المرحلة السورية في تصدير التجربة التونسية، وذلك بوقوف النظام السوري (رغم كل نواقصه) وقفة حازمة أمام ما يسمى بالثورة أو بالأحرى أمام الترسانة الدعائية والحربية التي تم تجهيزها لتحويل وجهة الثورة، بدأ التونسيون أنفسهم يرتابون بمصداقية الفكرة الإسلاموية وينتقدونها بشدة.
ففي هذا السياق بالذات تمّ اغتيال المناضل شكري بلعيد. وليس من باب الصدفة أنّ الاغتيال استهدف رمزا للحرية ولحقوق الإنسان غير عارٍ عن الدفع الإيماني الإسلامي فضلا عن تشبعه بالحس العروبي. بهذا المعنى نشدد على أنّ حادثة التخلص من شكري بلعيد كان المقصود بها ضرب الوعي بالكذبة الكبرى الذي أخذ طريقه إلى التشكل بكل ثبات لدى العديد من الشرائح الاجتماعية. وتتمثل الكذبة في محاولة إقناع الشعب التونسي قسرا بأنّ تقدم بلاده رهنٌ بقبوله بحكم إسلاموي بينما هو شعب مسلم تاريخا وثقافة وديانة. كما تتمثل الكذبة تباعا في محاولة الأطراف الدافعة إلى اعتناق هذه العقيدة السياسية الخاطئة عرقلة الجهود الشعبية و الوطنية الرامية إلى تشييد المشروع العربي الإسلامي الصحيح البديل عن المشروع المغلوط.
وما يزيدنا أملا في أنّ تونس تقع الآن على مشارف ثورة حقيقية تبدأ من أصل المربع الأول (لا للحزب الديني ولا للحكم الديني) هو أنّ الحراك الذي يحدث حاليا على المواقع الاجتماعية و كثافة النشريات والانتقادات المسجلة هنا وهناك تدل على أنّ منسوب الوعي بالكذبة الكبرى في تزايد مُطّرد وأنّ مُغتالي شكري بلعيد قد خسروا الرهان.
بالمحصلة ستُظهر لنا الأيام القليلة القادمة مدى استعداد الشعب التونسي لأخذ مصيره بيده وتولي نخبه الوطنية قيادة الجهود الرامية إلى النهوض الحقيقي بعيدا قدر الإمكان عن المزايدات الملوثة بمكونات الكذبة الكبرى. أما المحرار لذلك فسيكون ما سيسفر عنه ماراطون المشاورات والمناورات في ما أصبح يسمى بمسلسل التحوير الوزاري.
محمد الحمّار

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة