استشهاد شكري بلعيد أو المنعرج نحو بناء الدولة التعدديه


الرابط : اراء حرة (:::)
محمد الحمّار – تونس  (:::)
قلناها ونعيد قولها: لو يعي اليسار السياسي أنّ اضطلاعه يإيمانه الديني مطلوب من طرف الشعب وجماهير الناخبين، لأصبح قوة محترمة تساهم في اختراق ما يسمى بالاستقطاب الثنائي (بين الإسلام السياسي والعلمانية) وفي القضاء عليه ومن ثمة في تلبية شروط التعددية والتعايش التعددي.
 ومن المؤسف أن ينتظر المجتمع التونسي واقعة استشهاد واحد من أبرز رموز اليسار حتى يتبيّن له من جهة أنّ الإيمان ليس حكرا على الإسلام السياسي ومن جهة ثانية أنّ كل واحد من المؤمنين، بما فيهم اليساريون، يحق له الاضطلاع بإيمانه وبآثار هذا الإيمان طالما أن يتوفر لديه المنهاج المناسب.
 رحمك الله يا شكري بلعيد وعسى ألا يذهب دمك المهدور هباءً بل تحدث واقعة فقدانك النقلة النوعية لدى يسار مؤمن يكنُّ له الشعب كل الحب الذي يستحق.
في هذا السياق نعتقد أنه ليس من باب الصدفة أن صرحت السيدة بسمة الخلفاوي أرملة الراحل الكبير شكري بلعيد في يوم تشييع جنازته بالذات إنّ واجبنا العربي الإسلامي يملي على القوى الديمقراطية الآن أن تتحد. وهي تدري ما تقول كزوجة لزعيم يساري مؤمن راحل، وكناطقة (رمزية) باسمه.
 إذن بعد أن استشهد بلعيد، ها أنّ اليسار التقدمي يبدو مهيئا لاسترجاع وعيه “العربي الإسلامي” بما يتضمنه هذا الأخير من بُعدٍ ديني لطالما أثار الجدل كلما اقترن بمفهوم “اليسار” ولطالما تعرض للنسف على امتداد عقود بسبب عوامل عدة. فالحرية إيمان والإيمان حرية وبالتالي فإنّ حادثة اغتيال بلعيد قد تكون منعرجا حاسما على طريق التحرر والانعتاق لهذا البلد ولأهله وربما أيضا للعرب قاطبة.
من هذا المنطلق نأمل أن يكون حدث استشهاد المناضل السياسي اليساري فرصة تاريخية لتفادي الحرب الأهلية في تونس والتي يهدد بها من حين لآخر الانقسام الحالي بين الإسلام السياسي  والعلمانية. ومن هنا نطرح فكرة أنّ الطرفين مطالبين بإقناع بعضهما البعض بالحق وبالحقيقة قدر المستطاع. وهذا بحد ذاته صراع ليس بالهيّن. أما أن يتمادى الطرفان في السير العشوائي على نهج الإقصاء من غير الاحتكام للمنهج العلمي فذلك لن يقود البلاد إلا إلى الهاوية لا قدر الله.
ومن الآليات العلمية التي تقع على خط يساري مؤمن هادف إلى تأليف الوسطية الحق، نقترح مفهوم جمهورية الخلافة الديمقراطية. وهذه الأخيرة ديمقراطية تونسية وعربية نابعة من صميم الثورة الحقة.
إنّ نظام الجمهورية كان دوما موجودا في الدستور التونسي وفي مؤسسات الدولة . لكن الكثير من المواطنين كانوا غير راضين به لأنه لم يحقق لهم طموحاتهم. ومن أسباب هذا الفشل في إقناع هذا الشق الواسع من المجتمع (الذين أصبحوا سلفيين وأصوليين على الأخص) هو عدم توفير النظام الجمهوري لهم الضمانة المعنوية وما تفترضه هذه الأخيرة من سلوكيات ومعاملات (من سياسة) متجذرة في الذات ونابعة من الذات.
في هذا المستوى ولكي يكون المؤمن والدهري منسجمَين في داخل نظام حكم يوفر لهما حظوظ التصالح مع الذات وبالتالي درأ الانقسام، نلوذ بمزج مفهوم “الديمقراطية” مع مفهوم أصلي لا مفرّ من التعامل معه بجدية ألا وهو مفهوم “الخلافة”. لكن الفرق بين هذه الرؤية والطرح الإسلامي هو أننا اخترنا أن تكون “الخلافة” مظلة لترسيخ المبدأ الإسلامي المركزي المسمى “الاستخلاف”، أكثر منها غاية أو استنساخا للنموذج التاريخي للدولة الإسلامية.
 فالاضطلاع بالاستخلاف هو الذي سيعطي المواطنين الذين لم ينسجموا مع الدولة الحالية (غير المتوازنة) فرصة تمكين ذواتهم، مما سيجعلهم يمارسون سيادتهم الاستخلافية فيصبح نظام الحكم معبرا عنهم ومنسجما مع تحقيق إرادتهم.
 فقط من هذا المنظور ستفنى الحاجة للتحزب باسم الإسلام. إذ إنّ التحزب الإسلامي في القلب وفي العمل وفي السلوك وفي العلم، لا في المؤسسة السياسية.
محمد الحمّار

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة