رفقا باطفالكم

 

الرابط : العائلة العربية (::::)
بقلم : وليد رباح (::::)
فى وقت ليس بالبعيد .. وربما زاد على الاسبوع من هذا الزمان .. طفقت انظر الى اطفال فى الشارع يضحكون ويهزجون ويغنون .. وسمعت أحدهم يتحدث اللغة العربيه قائلآ : لقد ضحك ابى .. اقسم انه ضحك .. تلك اعجوبه لم تحدث فى هذا الزمان .. ثم يضرب الاطفال اكف بعضهم بالبعض فرحين مثلما يفرحون عندما يفتشون عن لعبه جديده .
ولما كنت فضوليا فقد سألت احد الاطفال عن سر فرحه .. فقال : عمو .. لقد ضحك ابى .. عمرى الان عشر سنوات .. ولم ار ابى فى لحظه مسرورا مثلما هو اليوم .. لقد ضحك وظهرت اسنانه فرأيتها لاول مره مهترئه مسوسه باهته صفراء .. بل دعنى اقول متعفنه .. ثم غادرنى مسرعا ..
تلك اول مره سمعت بها بمثل هذه النكته (العرجاء) .. رجل يمضى عمره فى بيته مكشرا كأنما هو قطعه من الصخر وحجته فى ذلك انه يربى اولاده على الجد لا الهزل .. وعلى الحياه القاسيه لا على المرفهه .. وعلى جدية القول دون هزل المزاح .. وكما هى عادتى بدأت بالبحث والتنبيش ووصلت الى استنتاجات ربما كانت غريبه على اذن السامع او لسان القارئ او فمه..
(اولا وقبل ان اتحدث بشئ من الافاضه على ان اسوق مثلا عن رسول الله صل الله عليه وسلم عندما كان يتعامل مع الصبيه وخاصة الحسن والحسين رضي الله عنهما .. فقد كان يسمح لهما بامتطاء ظهره ابان صلاته ..وعندما ينهرهما احد يؤشر لهما ان يتركاهما وشأنهما .. وكان الحسن والحسين يسيران بين المصلين فى اوقات الصلاه فلا ينهرهما ولا يؤنبهما على ما يفعلان .. ثم يبتسم ويضحك لهما ويهش واضعا كفه الشريفه على رأسيهما داعيا لهما بالخير والبركه .. مما يوحى لنا بان التعامل مع الطفل بمثل تلك الصوره ربما زاد الطفل فرحا فيخرج الى الحياه سويا دونما تعقيد ..
اما صاحبنا العربى الجاد .. فان الطفل فى عرفه بضاعه لينه يمكن ان تشكلها بالتكشيره التى ترغبها .. دون مزاح او هزل .. ورأيه فى ذلك الامر معروف ومشهور ..انى اربى ابنى على ان يكون رجلا فهذا نافع له فى هذه الحياه .. فان تزوج فتعامله مع زوجته يجب ان يكون تعاملا جادا .. وان تعامل مع اولاده فبالامر وليس بالمعروف .. وان كبر وصاحب الناس وزاملهم فانه لا يخطئ او تندرج افعاله تحت قائمة الهذر .. وخلاصة القول : انى اربى ذلك الطفل ان يكون مثل ابى الهول فلا يتحدث الا بما فيه نفع..
وتضادا مع الطبيعه الانسانيه .. فان تربية الطفل بهذه الطريقه يورثه الكثير من المشاكل حتى مع اسرته عندما ينمو .. فالطفل بحاجه الى الحنان والابتسامه والمواساه ..مما ينبت فيه روح التفاؤل والمرح .. وعندما يكبر سوف ينظر الى الحياه بمنظار اكثر زهوا وافتخارا .. اما ان ربيته على الامور الجاده فى كل وقت دون ايجاد متنفس له من الراحه والحنو فانه يعامل الناس كما كان يعامله ابوه .. وبالتالى تنشأ المشاكل فى حياته ولا يترحم عليه الناس عند مماته ..
يقول احد الابناء لرجل تكشيرته مثل تكشيرة المرأه الحديديه : لم اشاهد ابى يوما وقد ضحك سنه ..كان يأتى من العمل مساء ويدخل البيت فيركن كل منا فى زاوية لا نأتى بحركة ما .. فان تجرأ اصغرنا فى ان يأتى بحركة او نأمة وجد خدة عرضة لصفعه قويه .. وان طلب شيئا اثناء تناول ابى للطعام ملأ ابى الدنيا صراخا بحجة انه لا يهنأ فى هذا البيت بطعام او شراب .. يأكل ابى ثم ينام وقت القيلوله .. وعلينا اثناء نومه ان نتحدث همسا .. فان اخرج احدهم صوتا ارتعبت امى خشية ان يفيق ابى فيطعمنا الصفعات والركلات ولا تستطيع الدفاع عنا .. وكنا ننتظر وقت صحوته لكى يلبس حذائه ويخرج الى اصدقائه فى مقهى القريه .. يلعب الورق او الطاوله ويغيب حتى ما قبل منتصف الليل بقليل .. ثم يأتى بمثل ما ودع به ليقوم بسؤال امى عما فعلته فى غيابه (طبعا فى المطبخ) يأكل .. ثم ينام ..
وتسير الحياه بمثل ما سارت به فى اليوم السابق دونما تغيير .. حتى بتنا نعتقد بان خلق الله كلهم على هذه الشاكله ..
وفى مره زرت احد الاصدقاء الصغار فى منزله .. فرأيت العجب .. اب يضع كفه على رأس ابنه ويحتضن الصغير من ابنائه ويحكى لهم النكت ويصرخ على زوجته ان تأتيه بالاصغر لانه مشتاق لان يراه .. وتأتى الزوجه لتقول له : انه يدلع الاطفال كثيرا .. وانهم سوف يخرجون الى هذه الحياه بلهاء نتيجة الدلع .. ثم تنفصل عن كلماتها لكى تحضن اصغر اطفالها وتشبعه تقبيلا .. انها الحياه .. وانها الحريه .. وانه التوافق بين البيت والنفس والالفه والمحبه التى تجعل الاطفال اسوياء على مدار تربيتهم منذ ان يفتحوا عيونهم على هذه الحياه وحتى اغماضتها . وعندما تجرأت وقلت ذلك لابى حلف على امى بالطلاق ان لا ازور تلك العائله (الفلتانه) كما سماها .. فعولت ان لا اتحدث اليه بأمر قد يزعجه .. وحتى اليوم فانى لا اثق بان اقول له شيئا رغم اننى اصبحت فى عداد الرجال .
بعض من رجال هذا الزمان يعتقدون ان الرجل لا يصبح رجلا مهابا ولا مطاعا الا اذا كانت تكشيرته رطلا او اكثر من ذلك .. اولئك يفتقرون الى عمق الشخصيه ولا يثقون بانفسهم بصوره كافيه .. وقد يقودنا هذا الامر الى الزمن القديم عندما كان الرجل يعامل زوجته وعائلته مثلما يعامل شيئا او قطعة اثاث فى المنزل .. ولكن الزمان تغير .. وثبت عدم صحة ما كانوا يقومون به ..
بعض من رجال هذه الجاليه مازال يعتقد بانه يعيش عصر (سى السيد) الذى كان يمد قدميه لزوجته لتقوم بغسلهما بالماء والملح عندما يأتى من عمله .. وما زال اطفاله يعيشون عصور الظلام فلا يجرأون على التحدث اليه الا بما هو مفيد .. وقد نسى ذلك الرجل انه كان طفلا .. وانه كان يحترق شوقا الى كلمه حلوه من ابيه لكى يفضى اليه بما يعتمل فى نفسه..
ولكننا نحمد الله على ان اولئك قلائل فى هذا الزمان .. فقد ذهب الوقت الذى كان فيه الرجل يقاس بطول شواربه .. وتكشيرته .. و (عنقرة) عقاله سواء كان مقصبا ام اسود اللون .. وغدا الناس يفهمون بالقدر الذى يفهمون فيه الحياه حتى ولو كانوا غير متعلمين او مثقفين ..
الدنيا تتغير .. والناس تتغير .. واساليب الحياه تتغير .. والخطأ بين كما هو الصواب بين .. فالتعامل مع العائله غدا ايضا متغيرا .. ولا تصح حياة الاطفال الا اذا منحناهم من الحب والحنان ما هو من حقهم ..
فالى البعض اقول .. غيروا اساليب حياتكم .. فعائلاتكم من صنف الانسان وليس من اصناف اخرى .. ولكم فى رسول الله اسوة حسنه

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة