الازمة في العراق وطنية لا سياسيه

الرابط : سياسة واخبار (:::)
بقلم نقولا ناصر* – فلسطين المحتله (:::)
يعاني النظام المنبثق عن الاحتلال الأميركي في العراق من أزمة سياسية بين فرقاء “العملية السياسية” الذين وضعتهم دبابات الاحتلال في سدة الحكم ببغداد، وتبدو هذه الأزمة مزمنة ومستفحلة ومستعصية على الحل وتبقي شبح الحرب الطائفية والانفصال الإقليمي سيفا مسلطا على رؤوس العراقيين، وهو ما خطط الاحتلال الأميركي له عندما وضع أسس هذه “العملية السياسية” لنظام يفتقد في بنيته المقومات الأساسية لنظام وطني.

وهو ما يجعل الأزمة السياسية الحالية مجرد حلقة في سلسلة من الأزمات التي لن تكون لها نهاية إلا بالقضاء على أسبابها في “العملية السياسية” ذاتها.

وهذه الأزمة وإن كانت تهدد بإسقاط حكومة نوري المالكي، فإن سقوطه لن يحلها، إلا إذا كان سقوطه مقدمة لإسقاط العملية السياسية ذاتها، فاستمرار هذه العملية التي تنطوي على استمرار الأزمة كجزء بنيوي لا يتجزأ منها يعني فقط تأبيدا لأزمة يكمن حلها الوحيد في الخلاص من الدستور والقوانين التي تؤطرها وتنظمها باعتبارها البنية الفوقية للاحتلال الذي رسمها كي يضمن وجود وكيل محلي له يؤمن وجود نظام موال للولايات المتحدة يرتبط ارتباطا لا فكاك منه بالاستراتيجية الأميركية.

ولذلك كان المالكي محقا عندما قال في مقابلته مع قناة الميادين الفضائية يوم الجمعة الماضي إن التحالف الذي يربطه بفرقاء “العملية السياسية” هو تحالف “استراتيجي” مهما بدت صراعاتهم في إطاره حادة وغير قابلة للتوفيق.

فالأزمة السياسية في العراق بنيوية، والنظام، أو اللانظام، الذي بني على أساس طائفي كان سيفشل حتما في إرساء محاصصة طائفية قابلة للحياة، وكان الحكم الطائفي سيقود حتما إلى رد فعل طائفي عليه، وكان طرفا الاستقطاب الطائفي سيستقويان إن عاجلا أو آجلا بتحالفات إقليمية تعزز هذا الاستقطاب وتعمقه وتجعل حله مستعصيا وتحوله من أزمة وطنية إلى صراع إقليمي يستقطب بدوره تحالفات دولية تجعل حله مستحيلا، والصراع الإيراني – التركي المحتدم حاليا على تركة النظام الوطني الذي أسقطه الاحتلال الأمريكي في العراق مثال حي غني عن البيان.

وكذلك “النظام الفدرالي”، فإنه جزء “دستوري” لا يتجزأ من بنية النظام، وهو إن كان يوفر مخرجا “دستوريا” لانفصال قائم بحكم الأمر الواقع في “إقليم” كردستان العراق ينتظر الفرصة السانحة فحسب لتحويله إلى انفصال سياسي كامل على أساس “قومي” أو “عرقي”، فإن تطبيقه في “أقاليم” اخرى، اقتداء بسابقة “الإقليم” الكردي، لكن على أساس “طائفي”، قد أصبح مسألة وقت فقط.

فمطالبات محافظات صلاح الدين وديالى والأنبار والبصرة بإنشاء اقاليم حسب “الدستور” هي مطالبات معلنة إن تحققت فإنها سرعان ما “تقرأ الفاتحة” على وجود أي حكومة مركزية في بغداد وبالتالي على أي وجود لأي عراق موحد، وتفتح باب جهنم على صراعات قد تعرف بداياتها لكن نهاياتها سوف تظل في علم الغيب على حدود هذه الأقاليم في المناطق التي وصفها المالكي في مقابلته المشار إليها ب”المختلطة”، مثل المناطق “المختلطة” بين عرب العراق وكرده في كركوك وغيرها.

إن استمرار الأزمة السياسية بين فرقاء “العملية السياسية” بعد مضي عشر سنوات على إرساء الأسس الطائفية و”الفدرالية” لبنية النظام المنبثق عن الاحتلال الأمريكي، ثم دسترتها لاحقا، يثبت بانها سوف تظل أزمة مزمنة ومستفحلة ومستعصية على الحل تبقي شبح الحرب الطائفية والانفصال الإقليمي سيفا مسلطا على رؤوس العراقيين يهدد بقاء الدولة الوطنية في العراق.

وهو ما يحولها فعلا إلى أزمة وطنية ويثبت أن فرقاء “العملية السياسية” إياها، الذين انفرط العقد الأميركي لشراكتهم فيها، هم جزء من هذه الأزمة ولا يمكن أن يكونوا أبدا جزءا من حلها.

وهو أيضا ما يفسر “رهاب” المالكي وحلفاؤه “الاستراتيجيون” من “خطر” البعثيين، فكرا وتنظيما، وهو الرهاب الذي يدفعه إلى المسارعة للبدء في حملة جديدة على البعثيين ومن يرى رأيهم فور انتهاء حملة قديمة عليهم، باعتبار حلهم للأزمة القائم على أساس وطني، وليس طائفيا أو إقليميا، هو النقيض للوضع القائم بنظامه ودستوره وفرقائه.

ويتذكر العراقيون اليوم وهم يبحثون عن حل للأزمة الوطنية، وليس عن حل لأي أزمة سياسية بين فرقاء “العملية السياسية”، أن الأزمة الوطنية بدأت فعلا بالأمر رقم 5 الذي أصدره رئيس الإدارة المدنية للاحتلال الأميركي، بول بريمر، في السادس عشر من أيار / مايو عام 2003 ب”اجتثاث” حزب البعث، ثم أصدر بعد أيام، في الرابع والعشرين من الشهر ذاته، قراره بحل الجيش الوطني العراقي.

ويثبت اليوم أن إلغاء القرارين سوف يكون، منطقيا، هو البداية لحل للأزمة الوطنية يعيد التوازن الوطني للعراق، مثلما كان إصدارهما هو البداية لهذه الأزمة التي أخلت بالتوازن العراقي وطنيا وإقليميا.

وقد أدرك الشعب العراقي هذه الحقيقة بدليل تبني الاحتجاجات الشعبية السلمية العارمة التي تجتاح العراق اليوم لهذين المطلبين، وبتبنيها المطالبة الصريحة بإلغاء دستور الاحتلال أو بتعديله، على سبيل المثال لإلغاء المادة 135 في الدستور “الدائم” التي “دسترت” اجتثاث البعث مكررة البند 49 في قانون إدارة دولة العراق الذي أصدره الاحتلال عام 2004، وبدليل رفعها لعلم العراق الوطني قبل الاحتلال ذي النجوم الثلاثة التي تتوسطها عبارة “الله أكبر”، كمثال آخر، وهو ما لم يستطع التغطية عليه ركوب بعض فرقاء “العملية السياسية” لمد هذه الاحتجاجات رافعين علمهم بعد الاحتلال.

أما تذرع المالكي وحزبه “الدعوة” وقائمته “دولة القانون” وحلفاؤهم ب”استحالة” إلغاء أو تعديل دستور الاحتلال بحجة أن ذلك يتطلب استفتاء يشترط “الدستور” الموافقة بأغلبية الثلثين على إجرائه من ثلاثة “أقاليم” في الأقل فإنه إنما يعكس إصرارا على استمرار الأزمة الوطنية لأن حلها بإلغاء دستور الاحتلال أو بتعديله سوف يعني فقط انتهاء مرحلة من تاريخ العراق بدأت بالاحتلال الأميركي بدستورها وقوانينها ورموزها وأزماتها السياسية وفشلها وآلامها ونظامها الذي يالكاد يستر عورة كونه وكيلا محليا للولايات المتحدة، وامتدادا طائفيا للحكم في إيران، لن ينجح يوما في إقامة علاقات ندية سليمة مع أي من البلدين.

في الثاني عشر من الشهر الماضي نشر رئيس وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع العراق، ستروان ستيفنسون، تقريرا خلص فيه إلى أن أمام المالكي واحد من خيارين، إما أن “يتنازل” أو “يلجأ إلى القوة”، من دون أن يذكر ستيفنسون بأن النتيجة واحدة في الحالتين.

* كاتب عربي من فلسطين
* [email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة