ثلاثة اصوات من جيل مختلف

 

الرابط : فن وثقافة (:::)
الموقد الثقافي – الناصره (:::)

أحمد دحبور
لا يشكو مشهدنا الادبي المعاصر من قلة الوفاء، فقد نشأنا على التكافل والتفاهم، والبر بآبائنا الأدبيين، حتى أننا كنا نتسابق على زيارات شعرائنا الكبار مثل ابي سلمى وحسن البحيري ويوسف الخطيب، وغيرهم من الرواد رحمهم الله، مع التسليم بواقع الاختلاف على مستويات التعبير والرؤيا، وكان المعلم ابو سلمى يقول دائما: ان هذا الكبير كان صغيرا، والصغير سيكبر، فليس من جمجمة تحتل مكان جمجمة، بل انه وهو الشاعر العمودي، كان يرى في محمد الماغوط شاعرا ذا خصوصية واهمية.. فالصخب الخاص بصراع الاجيال كان غريبا على خطابنا الادبي، مع ان الطبيعي والمتوقع ان نتوقف بين فترة وفترة عند الانجازات او النكسات، حسب الحالة في كل مرحلة من دورة الحياة الشخصية او العامة.. وها أنذا – وانا المصنف عند من يعنيهم الامر انني من جيل الستينيات – التفت فأرى جيشا من الشعراء الجدد الذين من حقهم ان نتعرف على ملامحهم وخصوصية كل منهم. كما يمكن ان يكون من حقنا عليهم ان يراجعوا تجربة جيلنا منذ اكتشاف الشعر الحديث الى انتشار قصيدة النثر، وان يتلمس كل منا خطوات الآخر ومحاولاته في الحراك الثقافي بحثا عن الجديد في ايقاع الحركة الادبية بشكل عام.
ومن الجدية بمكان، ان نعي تماما ان هذه المقاربة الموضوعية تعني المشهد الثقافي العربي بشكل عام، فلا تقتصر على التجربة الفلسطينية التي هي فلذة من الجسد العربي الكبير..
والآن يبقى علينا ان نختبر استعدادنا للقراءة الموضوعية بقطع النظر عن فكرة الاجيال المختلفة.. فهل احاول؟ .. ها أنذا اجرب وأقرأ.

تميم البرغوثي
لقد كنت اتمنى، لهذه المناسبة لو انني حصلت على مجمل نتاج هؤلاء الشعراء الشباب، ولكن ظروفنا الجغرافية التي زاد عليها الشتات الفلسطيني فرقة، جعلت هذا الامر متعذرا، بحيث لم احصل الا على القليل القليل من نتاج جديد ومواهب لا تخفى، كتميم البرغوثي مثلا، وانا من جيل ابيه عمرا وشعرا، وقد لفت نظري في صاحب هذه التجربة الطازجة المعافاة، متانة اللغة والوزن، على غير ما هو شائع لدى الكثير من ابناء جيله، فقد استطاع ان يفرض حضورا لا خلاف عليه منذ قصيدته المبكرة حول القدس، وقد نالت بعضا من شهرة تستحقها، بل انه عني بالاشارة الى المحرضات الموضوعية التي املت عليه قصائده، وفي هذا انتباه الى ما يتطلبه النقد الثقافي من احاطة بتجارب الشعراء على المستويين الفني والوجودي، وشد اهتمامي في هذه التجربة الشابة ان تميما لم يقطع مع الخطاب الشعري الموروث كليا، فهو اذا كان من ابناء الحداثة، حسب ما يقول شعره وايقاع عمره، فانه وفي للحبل السري الذي يربط استعداداته الثقافية بالتراث بعيدا عن الخطاب التقليدي، بل انه استخلص مما هو قابل للتجدد في القصيدة الموزونة حياة مترعة بالجدة والتنوع، مع حنين الى القصيدة التراثية، تعبر عن ذلك طلعات مفاجئة له في اجتراح القصيدة البيتية، وان ظل مخلصا للشعر الجديد كما تسلمناه من شعراء التفعيلة الرواد امثال السياب والحاوي وقباني وعبد الصبور واذا كان من ميزة الاجيال الشعرية الجديدة مخالفة السير السائد، فإن مخالفات تميم كانت في منتهى الطرافة والاثارة، ذلك انه جمع موهبة لا تخفى الى قدرة على التحديث والتجريب.
وإذا كانت قلة المصادر والنماذج تحد من توسعي في قراءة هذه التجربة لشاعر مولود عام 1977، فإن فرصي ربما تكون افضل مع شعراء حصلت على بعض نتاجهم، وسيحضرني منهم انموذجان، اقدمهما على التوالي:

مايا أبو الحيات
هي من مواليد 1980، وكما هو شأن جيلها من الفلسطينيين والفلسطينيات، تنقلت بين اقطار مختلفة حتى استقرت في فلسطين. كتبت الرواية وقصة الاطفال والشعر.. ولها اصدارات من نوع «حبات السكر» و «عتبة ثقيلة الروح» في الرواية، و «قصة قبل النوم» و «وليد» في قصص الاطفال، اما في الشعر فلها – على ما اعرف – مجموعتان: «ما قالته فيه» وهذه التي امامي الآن «تلك الابتسامة.. ذلك القلب».
واذا كان عنوان المجموعة الاولى، يشي بجسارة متوقعة من صوت متمرد في جيلها، فإن سياق تجربتها بشكل عام، يؤكد هذه الجسارة، تجاه التقاليد الاجتماعية، والذوق السائد، والتجريب الفني الذي لا يعرف حدودا، ما يعني ان علينا الافتراض بأنها تختار الشعر الحر النثري، او ما يسميه الروس بالقصائد البيضاء من حيث خلوها من الوزن… وهذه، كما قد تكون سبقت الاشارة الى ذلك، ميزة عامة لهذا الجيل من الشعراء، حتى لأشك في ان تكون مايا معنية بمعرفة الأوزان اصلا.. وليست هذه مشكلة بحد ذاتها.. فالمهم ان تسيطر على ادواتك التعبيرية قبل اي شيء.. واذا تجاوزنا هذه الظاهرة الى طبيعة الهم الشعري التي هي جزء من طبيعة صاحبة العلاقة، فانها ستجبهنا بتصريح شبه استفزازي يشي بالتعالي المبرأ من التواضع، اذ تقول صراحة: «لا اعرف شيئا عن الثورة» وهذا هو سجل دفاعها عن حقها في الا تعرف غير ما تريد:
الثورة لا تدرس في المناهج
لا ترضعها الامهات لاطفالهن
…..
لا اعرف شيئا عن الثورة
لكني اسمع اصوات الاطفال تبكي في الليل
وهكذا نعي، بوسائل مجازية، انها لا تسمع الخطاب المقرر والانموذج الجاهز، حتى لو كان متذرعا بالثورة، لكنها تصغي عميقا الى ايقاع الحياة، فتفهم ما يغنيها عن الصراخ المدرسي. بل انها من النباهة بما يكفي لئلا تنطلي عليها رصانة الكوافير الذي يلوم اسرائيل، لا لانها عدو يحتل ارضنا، بل لانها لا تسمح بضرب البنات لتأديبهن:
لا اعرف شيئا عن الثورة
لكنني غاضبة من صاحب الصالون
وهي حين تعتمد اسلوب المباغتة للايحاء بالجسارة الاجتماعية، ثم تكشف عن مستوى عفوي يبرئها من الملامة، فانها لا تتحرج من بعض الدلع الفني المجاني الذي لا طائل من ورائه الا تأكيد جرأة في غير موضعها، خذ مثلا تقديمها لنفسها في «زمرة دمي» حيث تنهي دفاعها بالقول:
اعرف عني
طعم دمي في القبل
AB+
وماذا لو كان طعم دمها بعد القبلة هو سي او دال؟ فما الفرق.. وماذا يعنينا من الامر؟ الا ان هذا ليس كل شيء، فهي قادرة على عجن اللغة واستخدامها بتلقائية حتى لتحاذي اللهجة المحكية مع الاحتفاظ بقوام الخطاب الجاد. انها بهذا المعنى تعرف ما تريد من الشعر:
الموت البطيء
موت لا يعرف انه موت
موت مليء بأمل الحياة الى الغد
وهي الى ذلك يقظة الحواس، تجيد استحضار الافعال والحركات الحسية مؤكدة نزعتها الفطرية الى العيش بلا افتعال، واذا كانت هذه الحقيقة لا تكفي، فلها ان تشاكس اللغة ذات الخطاب المذكر، فاذا تعودنا ان نقرأ ما قاله الشاعر في حبيبته، فهي تؤلف مجموعة شعرية لتخبرنا ما قالته هي فيه وليس هذا استرجالا كما قد يدعي المنافقون من حراس الاخلاق، بل هي الانوثة كما يرسمها العمر والاحساس والفطنة.
والى ذلك تظهر المعاناة الفلسطينية بلا صراخ ولا مباشرة.. بل بما هي طريقة في قبول الحياة.

مروان مخول
ومن الجليل الاعلى في فلسطين، البقيعة تحديدا، يدلف صوت مروان مخول المولود عام 1979، وهو فخور على ما يبدو بمجموعة شعرية له صدرت في ثلاث طبعات بعنوان «ارض الباسيفلورا الحزينة» التي يخبرنا انها اعتبرت احدى افضل المجموعات الشعرية للشعراء الفلسطينيين على مستوى العالم، ضمن احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009. وله جهود مسرحية منها مسرحية «مش سفينة نوح» التي وردت اشارة الى انها حاصلة على جائزة افضل عمل مسرحي ضمن مهرجان مسرحي في عكا، عام 2009 ايضا.
اما مجموعته التي بين يديّ الآن، فهي بعنوان «ابيات نسيتها القصائد معي» واللافت في بنائها الايقاعي ان مروان يتعامل مع القصيدة الموزونة والشعر الحر النثري على حد سواء، وهذه بحد ذاتها ظاهرة تحسب له، فالشاعر لا يلزم نفسه بحذاء صيني يقيد خطواته، بل ينحاز الى الحياة بكل ما فيها من تنوع وخصوبة..
وهذا الشاعر الجليلي لا يستمد اخلاصه للحياة من مجرد طريقته في الكتابة، بل هو ابن عصره المتدفق بالحب والالم والتجربة.. ويطالعنا خطابه العشقي منذ المقطع الاول في مجموعته، وكان قد اعطاه عنوان «مسائية»، حيث يغني:
مساؤك ليل محلى
ايا من كقطر الندى،
من على شجر الرند نزّت علي،
لأصحو مع الفجر انفضه،
قبل ان يفتح الصبح عينه او يتلوى
ولأن على صاحب الجمل ان يعلي باب داره كما يقال، فإننا سنطالبه بالدقة في العروض الذي يذهب اليه، اذ يجب عليه حتى يستقيم الوزن ان يقول: عينيه، في السطر الاخير او يبحث كما شاء عن وتد عروضي كأن يقول: يفتح الصبح لي عينه..
اما واننا في ساحة الشعر، فلنتوقف باهتمام عند هذه المخيلة التي تجعل المساء ليلا محلى وتحمله على اعادة تركيب الصباح، بل انه يذهب ابعد في صياغة عالمه الشعري ما دام الحب قادرا على منحه احقية التجاوز والفرح:
على هذا الاساس
لست من يقول لك كلاما جميلا
بل انا من سيقولك للكلام
واذا كان الحب يورثه الجموح بحيث يرنو الى المجهول متخطيا شارات المنطق البارد، فإن الوطن يورثه ألما ساخرا اذا جاز التعبير.. فهذا الوطن و فلسطين لا سواها.. وهو في فلسطين لا خارجها، ولكن دعونا نتريث قبل ان نغبطه على هذا الامتياز، فهو في حيفا مغترب مستلب، وليس هذا اغترابا وجوديا بقدر ما هو مختنق بظرف موضوعي، نعرف اسمه حتى وهو لا يسميه: انه الاحتلال:
انا هنا
مهجور كالعمارات القديمة
في اول حيفا على طرف البحر
في نصف وظيفة في الناصرة
ولاختي اعطي ربعها
واذا كان هذا واقع الحال حسب المستوى الوجودي له ولابناء جيله، فانه لا يتأخر عن فتح الجرح المباشر، اذ يعلن: «اجول البلاد.. بلادهم طبعا.. اكنس لغة الضاد من شوارع التاريخ» وهذا الجرح المفتوح في شعر اهلنا داخل الجليل منذ ان قال محمود درويش في الستينيات: كانت مدينتهم – مدينتنا قديما لا تنام، هو جرح يذكرنا بالجمل الاعتراضية الفادحة التي تذكرنا بأن وطننا ليس وطننا، بل هو بلدهم، ولكن في اي سياق؟ وفي اي منطق؟ وهل على مروان مخول جناح اذا ختم قصيدته بصرخة: فليحي البلد..؟
سيحيا البلد طبعا، ولكن في روحه، اما ما بعد ذلك فليحي البلد مع وقف التنفيذ.. وحتى تقال الجملة كاملة وكما يجب ان تقال، سيقول ساخرا: اؤيد دولة يهودية..!
ويمضي بالسخرية السوداء الى الاشفاق عليـ «ـهم» من ان يخسروا سواعدنا السمراء فـ «هم» يحتاجون اليها لتبني «لهم» ناطحات السحاب.. لقد احتل المحتلون المنطق كما احتلوا الارض، وليس له الا ان يصرخ على طريقته: فليحي البلد.. وليفهموا من الشعار ما يريدون..
وفي هذه التراجيديا التي وجد الشاعر نفسه داخلها، يتجاوز الجرح مداه الوطني ليتحول الى سؤال اجتماعي، بل انساني.. فكيف ينتج وكيف يعمل والى اين.. وله في ذلك ان يكتب في اللامعقول نصا لئيما أليما بعنوان «الحمار ليس كذلك» واذا كان العنوان غاية في الوضوح، فان النص يغمغم ويوحي ولا يتورع عن ان يفضح.. فوضوح السؤال اكبر من غيمة طارئة تحجب الحقيقة.. وهو يجد ضالته التعبيرية في هذا المأزق الوطني الوجودي، في قصيدة النثر المتدفقة اشبه بمقالة صحفية تارة، او يهمس حتى ليبدو النص عنده اشبه بشعر الهايكو الياباني الذي يعتمد على المقطع المكثف الموشح بالظلال حيث يتسع المعنى ولو لم يفصح عنه بصريح العبارة:
صوت الحاكم مبحوح
كونه يخاطبني بصوت صاخب
لا أفهمه
فهل هو لا يفهمه لانه صاخب؟ ام لانه حاكم؟ ام لانعدام اللغة التي تجمع بين البشر.. ناهيك عن ان الصوت المبحوح هو كناية عن الالحاح على امر لا يريده المستمع فهو لا يسمعه.. اولا يفهمه.. اما هو فكواحد من ابناء الضاد، كما اشار يعي مكر اللغة وفداحة الحقيقة، لذا يكتفي بهذه الكلمات وهو يخاطب ارض بلاده.. وهو – ونحن بطبيعة الحال.. على يقين من وضوح ما يقول وما يريد من القول:
لانك جليل ايها الجليل الاعلى
استوطنت في «معالوت»
ولتأخذ التأويلات مداها في مفهم الجليل، والاعلى، وحتى معالوت وهي كلمة من لغة الآخر تفيد معنى العلو وصاحب الخطاب هو مروان المولود في البقيعة من الجليل الاعلى..
يبقى ان نأمل بوصول صاحب هذا الصوت الى حيث يتجه صوته.. فهو شعر من فلسطين بمعنى انه مخالف للسير، في اتجاه الحقيقة بمستوييها الوجودي والفني.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة