اكتمال الغياب

الرابط : القصة (:::)
قصة : سعيد الشيخ – السويد (:::)
عندما حلّ المساء لم يسجل الرجل حضوره في البيت، لذا ظلت المائدة على حالها كما رتبتها المرأة قبل قليل .. الا ان البرودة بدأت تسري في الطعام وتتسلل مع مرور الوقت الى أوصال المرأة.
يخدشها هذا المساء على غير عادة ، في المساءات الماضية كان لحضور الرجل ظلالا وارفة من الطمأنينة ، إلفة تنسكب بينهما مما يجعل البيت يشع تحت ألق الرجاء ومنتهى الاماني بحياة زوجية مكسوّة بالمسرات.
لهذا المساء كان وعد بالمسرة وخصوصية .. قالت له منذ الصباح: عد باكرا لو استطعت. وهو لم يكن ينسى ان هذا اليوم تصادف به الذكرى الاولى لزواجهما، لذلك تحيّن عند الظهر فرصة الغذاء وانسلّ من مكان عمله قاصدا السوق القريب، حيث ابتاع اسوارة ذهبية على أمل ان يقدمها هدية لها في هذا المساء الذي ينقضي دون ان يسجل حضوره في البيت.
تتسمّر المرأة عند النافذة ونظراتها لا تفارق المكان الذي يركن به سيارته.
أين عساه ذهب؟ وما الذي شغله عن العودة الى البيت؟ –
تتلاعب الاسئلة والظنون في خاطرها فتشعر بتهشّم نفسها .. عشرات المرات هاتفته على هاتفه الخليوي وتجده مغلقا. اتصلت بزميله في الصحيفة فأفادها بأنهما خرجا سويا عند وقت الانصراف المعتاد وافترقا عند مدخل البناية.
التزامات الرجل الفكرية والحياتية تجعله على نقيض سياسات النظام. يكتب معترضا على الفساد المستشري في مؤسسات الدولة دون ان يكون حزبيا. يعتقد ان المواطن الصالح هو صالح بالفطرة ولا يحتاج لحزب يدله الى الطريق.
للرجل حضوره، فلمَ هذا الغياب؟
أين عساه ذهب؟ وهو الذي من قبل لم يكن يتأخر عليها ولو لمرة واحدة ، وكانت تحفظ أوبته بالدقيقة . وذلك أمر يندرج في أولويات التزاماته الحياتية التي تمنحه ان يكون نادرا في نوعه من بين الرجال.
روحها طافحة بالقناعة بأنها محظوظة بارتباطها من هكذا رجل يعرف كيف يصنع المسرّة وينشرها على كل المحيطين به.
هل حدث مكروه لوالديه العجوزين أثناء عودته للبيت وهرع اليهما حيث يقيمان مع شقيقته العزباء، تتساءل المرأة في سرها. ولكن شقيقته اكدت لها حينما هاتفتها للسؤال بأنه لم يأت اليهم والوالدين بخير. وقد أوصت الشقيقة بأن لا تخبر الوالدين عن غيابه خوفا من التأثيرعلى صحتهما.
القلق شاهق كجبال في روحها يجعلها تنهار على الاريكة، ولكن سرعان ما تقوم بخطوات بدأت تثقل نحو النافذة لعلها تلمحه في الطريق عائدا اليها … لن تعاتبه على تأخره حين يعود اليها ، بل سترتمي في أحضانه بلهفة المحروم ، باكية بحرقة ، لتعبر له كم تفتقده ان هو غاب عنها.
لكن عبثا ان يطل الرجل، أو ان تتلقى جوابا على مهاتفاتها المتكررة ليخبرها عن سبب تأخره في هذا الليل الذي بدأ يجثم على جسد المدينة.
يتقدم الليل ولا يرتسم الامل ، المرأة في ضيق كامل ومآقيها تسح دموع حارة. لم يعد بوسعها ان تتنفس. قدماها لم تعد تقويان على حملها ، والشحوب قد مسح جمال وجهها.
وهي منهارة كليا واعضاؤها مبعثرة ، تحاول برجاء أخير مهاتفته، فتسمع اشارة الرنين من محموله لأول مرة منذ المساء ، يخفق قلبها بسرعة، ثم يأتيها الصوت الآدمي جافا وغليظا وليس به ميزات أصوات عمال السنترال:
– صاحب الرقم المطلوب غير موجود لدينا، وهو غير موجود فوق تراب البلاد كلها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة