أي شرع لله تطبقون .؟


الرابط : اراء حرة (:::)
رشيد شاهين – فلسطين المحتله (:::)
في خطوة اعتبرها الكثير من المراقبين والمتابعين غريبة وغير مسبوقة، وربما “صاعقة”، اتخذت إدارة جامعة الأقصى في قطاع غزة، ما يمكن ان يعتبر من اغرب القرارات التي يمكن أن تصدر عن مؤسسة أكاديمية ليس فقط في فلسطين، وإنما في أي مؤسسة أكاديمية محترمة.

يتساءل البعض، لماذا لوم بعض المؤسسات أو الدول في الغرب “الكافر” لاتخاذ قرارات قد تبدو مجحفة بحق المسلمين والمسلمات، حيث تم اتخاذ قرار من قبل جامعة الأقصى، يفرض على الطالبات في تلك الجامعة أن يرتدين ما وصف بأنه “الزي الشرعي” تحت ذريعة عدم إظهار مفاتن الطالبات، وان ذلك القرار يهدف إلى عدم  إظهار المفاتن والانضباط، والظهور بمظهر يمثل الواقع الديني والحضاري للمجتمع الفلسطيني.

القرار الذي تم اتخاذه، يذكرنا بما يعرف بتلك التي تتخذها مؤسسة “دينية”، تدعى “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في بلد كالعربية السعودية، تسير على  مذهب ونهج و “خطى” محمد بن عبد الوهاب، أو ما بات يعرف بالوهابية، حيث يكفر هذا كل من لا يتبع ممارسته و فهمه للشأن الديني، وهو بهذا إنما يخرج ما يزيد على 95% من أمة الإسلام من الملة، حيث وصل به الأمر أن يخرج كل من لا يتبعه، من ذمة الإسلام.

حقيقة الأمر، ان مثل هذا القرار كان له من المقدمات التي حذرنا وغيرنا منها ومن تداعياتها، وحيث كنا نستشعر إلى أين ستؤول الأمور، وهذا ما نعتقد بأنه يتحقق الآن على ارض الواقع، فلقد كانت التفجيرات التي تجري لصالونات التجميل ومنع النساء من السير مع الرجال إلا من خلال إثبات بأوراق تثبت صفة العلاقة، ومنعهن من تدخين النرجيلة وفرض الحجاب على المحاميات،إلى غير ذلك، كانت كلها مقدمات لمثل هذا القرار.

لا بد من الاعتراف، ان هنالك شعور يمكن ان نسميه “بالصدمة”، لان السبٌاق في اتخاذ مثل هذا القرار “المتخلف”كان مؤسسة أكاديمية “كانت” تحظى بالاحترام والتقدير من مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني.

موضوع الزي الشرعي، ليس رغبة هذا أو مزاج ذاك، فالقضية اكبر من كل هؤلاء وأولئك.

بداية في هذا الموضوع، لا بد من تحديد ما هو الزي الشرعي، وهل هذا الزي الذي يدعو إليه هؤلاء هو ما شرعه الله، ومن الذي يمكن ان يحدد ان هذا هو الزي الشرعي أم سواه، وهل هنالك فعلا ما يمكن ان يطلق عليه الزي الشرعي، وهل حدد الدين الحنيف شكل هذا الزي، وان حصل متى وكيف؟.

ألا يختلف هذا الزي “ان وجد” بين ما هو موجود في بلد كالعربية السعودية، وما تلبسه النساء المسلمات في إيران او باكستان او ماليزيا او غيرها؟ إذن كيف يمكن الحديث عن زي شرعي غير متفق عليه؟ وهل يمكن ان يكون الزي الشرعي هو المانع الساتر للنساء المسلمات؟ الا يعلم هؤلاء ان اللباس لم يك يوما مانعا للانحدار الى الرذيلة؟ او لا يعتقد من اصدر مثل هذا القرار ان الموضوع يتعلق “بالإيمانيات” والقناعات، وان لا مانع الا الله والإيمان والقناعة التامة الشخصية من الانحدار إلى الرذيلة التي يدعون بأنهم يرغبون بمنعها!؟

من غير المنطقي أن تتعامل إدارة الجامعة على انها وصية على أخلاق الطالبات خاصة وان الحديث يدور عن طالبات بلغن سن الرشد وسيصبحن خلال سنوات معدودة قائدات في المجتمع، وبالتالي فان من المفهوم أن هؤلاء الطالبات يدركن تماما ما هي مسؤولياتهن تجاه أنفسهن، ويعلمن أيضا ضمن أي مجتمع يعشن، وما هي الضوابط والمعايير والعادات والأعراف والتقاليد التي تمنعهن من الممارسات غير المقبولة، ليس فقط دينيا، وإنما مجتمعيا، وأما من شاءت الانحراف، فلن يمنعها لا أنظمة ولا قوانين ولا تعليمات ولا دين ولا عبادات.

يعيدنا هذا القرار إلى قرار نعتقد جازمين بان من يقف وراءه ليس سوى شخص موتور ومنحرف، له علاقة بمنع عرض “المانيكان” في واجهات المحلات بحجة انه يثير الشهوات والغرائز، وكنا قد كتبنا في حينه ان من غير الممكن لإنسان سوي ان يفكر بان “المانيكان” يثير الشهوات، وان من خطرت في باله تلك الفكرة ليس سوى إنسان مريض منحرف يجب ان يعرض نفسه على الأطباء المتخصصين.

في الوقت الذي تتنافس فيه جامعات العالم على البحوث والاختراعات والدراسات، نجد في هذا الوطن من لا زال يحصر تفكيره في قضايا بعيدة كل البعد عن الاكاديميا والعلم والتعليم، ولا همٌ له سوى كيف يحاصر المجتمع وحرياته بأفكار لا تمثل سوى ظلاما عمٌ هذه الأمة منذ قرون.

ان أحد أهم أسباب التخلف التي تعيشها أمم الإسلام، هو عدم وجود من يجتهدون في الشأن الديني وما يتعلق بتطورات الحياة المعاصرة والارتقاء بالمجتمعات العربية والإسلامية وفقا لهذه التطورات، والبحث عن السبل التي من خلالها يمكن للإسلام مواكبة العصر وعدم البقاء في قعر الدنيا، والبقاء عالة على ما يصنعه ويخترعه العالم.

كنا نتوقع من جامعة الأقصى و”غيرها من الجامعات” ان تتخذ قرارات لها علاقة بتطوير الأبحاث، ومدى جدية وعلمية ما يقوم به الطلبة من دراسات، كأن تقرر تقديم منح ومكافئات مجزية للطلبة الذين يظهرون تميزا فيما يعملون عليه، لا ان تقرر استحداث “أجهزة أمنية” من الجنس “الناعم” لملاحقة “المنحرفات” أو “الخارجات على القانون” اللواتي يلبسن ما لا تشتهيه الجامعة، وأن تكتفي بما تواجهه الطالبات والمرأة بعامة من أجهزة “قمعية” في كل أنحاء المجتمع، جميعها موجهة تجاه المرأة وتعمل على اضطهادها وقمعها والحد من قدراتها وإبداعاتها.

المشكلة في مجتمعاتنا، هو توجيه كل القدرات “الذكورية” في العادة، تجاه البحث عن طرق للتفنن في التضييق على النساء، انه عصر الجاهلية بشكل ولبوس مختلف، انه وأد للبنات لكن وهن ناضجات وكبيرات في السن وبعد ان وصلن الى المرحلة الجامعية.

هذه ليست دعوة إلى الانحلال، الذي نقف كغيرنا ضده، والعمل على منعه، لكنها ليست الطريقة الأمثل التي نعتقد بأنها سوف تحول دون ذلك، انها دعوة إلى “العقلنة” في المعاملة والتعامل مع هذا “النوع” الإنساني، وهي دعوة إلى الخروج من هذا العقل “التناسلي” الذي يرقد في جماجمنا.

ان أي مراجعة لكل الفتاوى والاجتهادات التي تصدر منذ سنين طويلة، سوف تبين مدى الهوس الذي يستحوذ على شيوخنا وعلماءنا  في موضوع النساء والجنس واللذات والفجور وشيطنة النساء والرجال الداعين إلى الخروج من هذه القوقعة التي لا زلنا نمكث بها منذ قرون، والتي تتسبب في مثل هذا الانحطاط والتخلف.

هل حاول احدهم ان يسأل لِمَ يتقدم العالم مسافات عن عالمنا العربي تحديدا، حيث ان في العالم من الدول الإسلامية من هم يتقدمون على امة العربان أيضا مسافات من الزمن، لِمَ يبق التخلف ملازما لأمة العربان، لِمَ تحتل امتنا ذيل قوائم العلم والابتكار والاختراعات والكتابة والترجمة والاطلاع.

هل تساءل احدنا لم تتنافس الدول والجامعات فيما بينها على من يقدم أعدادا من البحوث الجادة والابتكارات،فيما لا زلنا نناقش أي الملابس تلبس النساء، وهل هذا كاشف للعورة أم ساتر لها، وما هو الزي الشرعي وما هو غير الشرعي.

ان تصبح الجامعات وصية على حريات الناس والطالبات في حالتنا هذه، وان تقوم بدور الحارس والحامي لحمى الله والمستخلفة في الأرض، فهذا دور لم نألفه في جامعات العالم بعد، خاصة وان هنالك من الجهات التي تدعي منذ زمن انها هي من استخلفها الله، فهل من دال لنا من نتبع أو من نصدق؟

الجامعات ليست أماكن للعبادة بقدر ما هي أماكن للتنوير والعلم والبحث والتطوير، فلا تحولوها إلى مراكز للعبث ونشر الأفكار السوداء والفكر الظلامي الذي يرفضه الواقع والذي لن يخلق جيلا من العلماء بقدر ما سيؤدي إلى مزيد من التراجع والتردي.

أخيرا، قال تعالى “قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون”، والخراصون هم المرتابون والمشككون وأصحاب الظن، والخرص هو الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه، فهو معرض للخطأ في ذلك الظن، وهو على أية حال كناية عن الضلالة، وان ما يقولون ناشئ عن خواطر لا دليل عليها، وعليه فانه لا داع للتشكيك وسوء الظن بحرائر فلسطين، اللواتي قدمن في كثير من الحالات أكثر بكثير مما قدمه أصحاب العقول التي فكرت بأن “المانيكان” يثير الشهوات.

27-1-2013
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة