أندلس الروح واندلس الواقع

الرابط : فن وثقافة [([:::)
شوقية عروق منصور – فلسطين المحتله (:::)
( كسر الصندوق الاسود)
من حق الأجيال العربية أن تعرف التاريخ وتعرف تفاصيله، خاصة التاريخ المشرق المنير، حين كان للعرب القمة والقيمة، ومن حقنا أن ننام في داخل التاريخ ونتجمد في أحداثه، ما دام الواقع لا يقدم لنا البديل. وحين تصاب الأجيال في انفصام تاريخي، فهي ترى التاريخ مستيقظاً وواقفاً رافعاً راية الانتصار والفخر، والواقع رافعاً راية الانكسار والهزائم. علينا أن نعذرهم ونعتذر لهم، لأننا نخدعهم ولم نتخل حتى اليوم عن خداعهم، بل نمارس فوق ذاكرتهم طقوس الرقص الكاذب، ونمنحهم الخيال الجامح ونخدرهم.
في الذكرى الصامتة 1/ 2 / 2013 مر521 سنة على خروجنا من الأندلس، ففي هذا التاريخ من عام 1492 خرجنا مهرولين من تلك الأراضي التي حضنت تاريخنا, وسلمنا المفاتيح لفرناندو ملك قشتالة وزوجته ايزابيلا الأولى. وبكى عبد الله الصغير كالنساء على ملك ضاع ولم يحافظ عليه كالرجال. ومنذ ذلك الحين ونحن نبكي بصمت أحياناً وبصراخ أحياناً أخرى. وبين البكائين نفرش الأوراق لنقرأ سطور الخيبات الملتصقة بنا.
لم نحتفل في ذكرى سقوط الأندلس، لأن السقوط أصبح جامعتنا المفضلة، والدخول إليها بحاجة إلى أوراق اعتماد أمريكية- إسرائيلية ودول غربية، لتدخل الصفوف وتتبوأ الكراسي الأولى. لكن رغماً عن أنفسنا نقف أمام الحنين التاريخي النائم داخل ذاكرتنا المشوشة. يمر السيف الحاد ويقطع الشرايين, ليندفع الدم ليصب في برك الوجود الراهن. لم نعد نجرؤ على الوقوف أمام مرايا التاريخ، ولم نعد نتقن السباحة في محيط الكبرياء والفخر، نعم كنا.. ولكن اليوم أين نحن؟! هذا هو السؤال الذي يكسر الصندوق الأسود فوق رؤوسنا, ويدفعنا للتحديق في عيون الحقيقة الصعبة.
عندما دخلت مدينة قرطبة، وعلى الجسر الذي يعتلي نهر الوادي الكبير, شعرت أن هذا المكان يحمل الأصوات العربية الهادرة. أصغيت لكن خذلتني الأصوات، لأنها همست بأذني وعاتبتني على تفاؤلي الفارغ, فهي لم تعد تحمل في ملامحها أية ملامح عربية, وكل ما نقوله هو حفلات شواء للذاكرة التاريخية. فهي لم تعد عاصمة الدولة الأموية، بل هي مدينة سياحية, تحاول شراء اهتمام السائح بتمرير صور عن الوجود العربي، وعن بصماتهم التي يحاولون زجها في بطاقات الصور وفوقها بصماتهم. والمضحك في شوارعها تنتشر قارئات الكفوف، وعندما هجمت عليّ أحداهن وحاولت قراءة كفي ضحكت ومددت يدي. هي لا تعرف اللغة العربية, وأنا لا أتقن اللغة الاسبانية، لكن عندما نظرت في ملامحها السمراء وجدت فيها خطوطاً وتعاريج أشبه بالعجائز العربيات. تكلمت في الاسبانية ولم أفهم شيئاً. هي تحرك شفتيها وأنا أحرك خيالي، قد تكون هذه المرأة من جذور عربية..! ناولتها النقود وناولتني قصفة حبق… حبق..! عندها شعرت أن هذه القصفة من حوض أحد البيوت العربية. شتمت اللغة التي وقفت بيننا حاجزاً، لكن المرشد السياحي قام بإطفاء نور الخيال الذي تدلى من ذاكرتي، قائلاً: هؤلاء النساء, اللواتي يفتحن في الكفوف, من أصل غجري ولا تصدقونهن، أنهن يكذبن ولا يقلن الصحيح.
جامع قرطبة بأعمدته وفخامته وأبوابه الحديدية الصلبة وجدرانه وساحاته, التي تتكئ على بقايا أشجار تعاني من الجفاف، هو المدخل للحزن الذي يداهمك ويشدك الى حنجرة مرشد يحاول لملمة التفاصيل والخوف العربي الهارب، حيث يشرح عن طريقة البناء والهندسة التي تكللت بأعمدة ضخمة، وقاعات فسيحة مزخرفة بالآيات القرآنية. لكن سرعان ما يأخذك المرشد الى الكاتدرائية التي تتوسط الجامع وتتبع الكنيسة الكاثوليكية، ليس لتشعر بالتآخي بين الاديان بل لتسقط تحت عجلات الواقع التاريخي, الذي يؤكد أن المنتصر هو المسيطر وهو الذي يقرر وهو الذي يغيّر. قرطبة معناها في اللغة العربية “العدو الشديد” والقرطب السيف، وقد فتشت بين السيف والعدو عن ابن زيدون وولاّدة بنت المستكفي وعباس بن فرناس وابن حزم وغيرهم فلم أجد أحداً أبكي معه, بل وجدت الجدران تئن وتقدم الولاء للحاضر. والذي يقول أن الماضي هو لنا نضحك معه على خيال جميل, يزين كعكة الواقع المعجونة بالتنازل المزري..!
في مدينة غرناطة نحط الرحال، لكن لن تهدأ النفوس، لأن الغضب يمسك برقبتك ويجرك إلى بئر الكبرياء الطافحة بالدم والعار. لن ينقذك من الألم وفجيعة الحاضر لا قصر الحمراء وزخرفاته البديعة وعباراته المنسوجة فوق الجدران بطريقة الحشو الجميل لدرجة الذهول. لماذا هذا الكم الهائل من العبارات, التي حاول العلماء تفسيرها بالفزع من الجدران الفارغة، فالعرب كانوا يخافون من الجدران الخالية؟!! لذلك كانت الكتابة على الجدران لسد ثغرات الخوف. لن ينقذك من الألم لا حدائقه الرائعة فهي الطراز الفريد للرفاهية والتمتع بالطبيعة، ولا مدينة بنو الأحمر المحصنة بالأسوار العالية. حتى الهواء المحيط بهذا العلو والشموخ لن يمنحك إلا المزيد من الوجع، لأن مخالب الأخوة كانت حادة حتى تحولوا الى طوائف وشراذم تتقاتل وتستنجد بالأعداء لدحر الأخوة الأعداء، ثم ترهلوا وذابت أجسادهم في مستنقع الهروب.
الأندلس لم تعد لنا, لنا فقط أندلس الروح والذكريات وصفحات التاريخ. لنا فقط عبق الخيالات والقصائد والوجوه والكتب المتراكمة فوق الرفوف، التي تتناسل يومياً وتنجب الأبحاث والقصائد العصماء. لكن محطة الزمان واقفة على رصيف الضعف والهزال.. في اسبانيا احتفالات وأعياد بمناسبة الخروج العربي، ونحن نبلع الحروف ولا نتكلم، وأيضاً لا نتعلم، كم أندلس أضعنا!! كم عبد الرحمن الداخل قتلنا وما زلنا نقتل!! وكم ابن زيدون سجنّا وما زالت الزنازين تستقبل يومياً أحفاد ابن زيدون!! في ذكرى الخروج أو الهروب نكسر الصندوق الأسود، لأن هذا الصندوق الذي يحفظ الذاكرة, لم يقدم لنا العبرة والمثل، ولم يقدم لنا الأيدي التي تمنع تساقطنا. فنحن ما زلنا منذ الخروج الاندلسي نتعثر ونسقط وننهزم ونكسر السيوف, ثم نسلم البنادق والخرائط ونسلم المفاتيح لغيرنا.
الاحتفالات في اسبانيا تمر، ونحن نقول: الأندلس كانت لنا يوماً، حتى لم نجد جهة عربية تحافظ على الآثار هناك. حاولت قراءة اللافتات المثبتة على الجدران في قصر الحمراء وفي الجامع الكبير في قرطبة أو في الأحياء فلم أجد أية وزارة ثقافة عربية تتبنى المحافظة على التراث والتاريخ. جميع الآثار عرضة للذوبان والطيران والمسح والاندثار، ولولا الدخل السياحي والمحافظة على الأجواء السياحية لما بقينا هناك دقيقة. هذا ليس قولي، بل هو قول الحجارة الناطقة، وقول الشبابيك التي تبيع بطاقات الدخول لكي نرى جروحنا المفتوحة على مصراعيها، لنتعلم, ولكن لا نتعلم لأننا لا نجيد الا لغة التآمر والطعن في الظهر..!!

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة