شعريار او ( قلب العقرب ) (5)

الرابط : فن وثقافة (:::)
محمد حلمي الريشه – فلسطين المحتله (:::)
الكيدُ الجميلُ
هَل يحتاجُ  الشِّعرُ إِلى إِلهامٍ/مُعاناةٍ كيْ يستريحَ، بعدَها، علَى خدِّ القصيدةِ؟ كانَ اعتقادٌ/ظَنٌّ/توهُّمٌ، حينَ الجاهليَّةِ، أَنَّ ثَمَّ شيطانٌ لكلِّ شاعرٍ يُقيمُ فِي (وادِي عَبقر) يُمْلي عليهِ! هذَا يَعني؛ أَنَّ الشَّاعرَ محضُ مُتلَقٍ/ناسخٍ/مبلَّغٍ/مبلِّغٍ، ويَعني بدقَّةٍ أَكثرَ؛ أَنْ لاَ شاعرَ بَشرًا، بَلِ الشَّيطانُ هوَ الشَّاعرُ!
إِذًا؛ مسأَلةُ الإِلهامِ ليستْ قائمةً، أَيضًا، حسبَ هذَا، بافتراضِ أَنَّه ابْتداعٌ مطوَّرٌ لموضوعةِ شيطانِ الشِّعرِ/الشَّيطانِ الشَّاعرِ! إذًا؛ مَا مِن إِلهامٍ/مِن وحيٍ، أَيضًا. بالنَّسبةِ إِليَّ/إِلى طَوالِ عَملي الشِّعريِّ، لَمْ أَرَ شيطانًا/مُلهِمًا/وَحْيًا، بلْ رأَيتُ الشِّعرَ يَخرجُ منْ داخِلي، ساكبًا ذاتَهُ في إِناءِ القَصيدةِ؛ القصيدةُ وعاءُ الشِّعرِ.
قلتُ متسائِلاً ومجيبًا:
“هيَ وحيٌ؟ إِلهامٌ؟
لاَ..
أَنتَ تَشعرُها
أَنا أَرَاها أَكثرَ مِنكَ:
هيَ لسانُ احتراقِكَ خارجًا مِنكَ/
منْ فمِ الرُّوح.”
لَمْ تكُنْ تلكَ المسأَلةُ تَعنِي (المحبُوبة) كمَا عَرفَتْها، ولكِنْ كانَ لهَا أُسلوبُها الخاصُّ الَّذي اخترعَتهُ سريعًا جدًّا، فِي كيفيَّةِ أَنْ تكُونَ إِلهامًا يأْتي إِليَّ/وحْيًا يهبطُ عليَّ؛ المُعاناة! فَبِانْتباهةٍ عاديَّةٍ/خِبرةٍ بسيطةٍ، ونحنُ لَمْ نَزلْ في بداياتِ العَلاقةِ، اكتَشفتْ/رأَتْ أَنِّي أَعودُ بنَصٍّ شعريٍّ، أَغلبَ المرَّاتِ/الحالاتِ، بعدَ أَنْ تَفتعِلَ أَلمًا عاطفيًّا لِي!
لَمْ أَكنْ أَشعرُ بذلكَ “الكَيدِ الجميلِ” طوالَ مدَّةِ الدِّراسةِ الجامعيَّةِ!
كيفَ لَمْ أَستطعِ اكتشافَ لعبتِها الجِديَّةِ/مناوراتِها العاطفيَّةِ إِلاَّ بعدَ أَن كشفَتْها هيَ لِي؟!

ماذا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ؟
مَا زالتِ المحبوبةُ/الزَّوجةُ تصرُّ كثيرًا علَى الاحتفاظِ بدفترِها البُنِّيِّ، والَّذي كانتْ تنسخُ فيهِ قصائدِي فِيها/لَها/عَنها، إِضافةً إِلى قصائدَ أُخرى جمعتُها مؤخَّرًا فِي كرَّاسةٍ عنونتُها: “ماذَا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ؟” (أَشعرُ برغبةِ أَنْ أَجعلَها ملحَقةً فِي نهايةِ هذَهِ السِّيرةِ، بدونِ أَنْ أَعرفَ سببًا مَا، بعدُ، لهذهِ الرَّغبةِ)، وقدْ أَضحتْ زميلَتي الجامعيَّةَ منذُ الشَّهرِ الثَّاني للسَّنةِ الدِّراسيَّةِ الأُولى؛ شاءَ لنَا القدرُ وحدَهُ، وبدونِ نيَّةٍ منَّا، إِذْ لَمْ نكُنْ تعرَّفنا، منْ قَبلُ، إِلى بعضِنا، أَنْ يغيِّرَ كلانَا تخصُّصَهُ المختلفَ كَي يجمعَنا تخصُّصٌ دراسيٌّ مشابِهٌ، ويكونُ الِّذي كانَ بينَنا، وَلاَ يَزَالُ؛ بجَمالهِ الجارفِ، وأَناقتهِ الأَنيقةِ.
أُشيرُ إِلى أَنَّ بعضًا مِن تلكَ القصائدِ ظهرَتْ فِي مجمُوعتي الشِّعريَّةِ الأُولى: “الخيلُ والأُنثى” (1980).
لَمْ أَجدْ أَدقَّ مِن توصيفِ/نظرةِ/رؤيةِ الشَّاعرِ محمَّد الفَيتُوري إِلى قصائدهِ الأُولى؛ رؤيةٍ تتشابهُ جدًّا عندَ كَثيرٍ مِن شعرائِنا وشعراءِ العالمِ الثَّالثِ/الدُّولِ النَّاميةِ، كمَا قرأْتُ لكثيرٍ مِنهم، وكمَا لَمْ يزلْ يُطلَقُ، كأَنَّهُ رصاصُ الرَّحمةِ، علَيْنا/علَيْهم:
“كلَّما عدتُ إِلى قراءةِ قصائدِي الأُولى أَكتشفُ منْ جديدٍ كَمْ كنتُ ساذجًا وبسيطًا فِي تصوُّراتي الطُّفوليَّةِ؛ تلكَ الَّتي وقفتْ بِي طويلاً تجاهَ حاجزِ اللَّونِ، فلَمْ أَعرِفْ، إِلى الآنَ، أَنَّ ثمَّ حواجزَ أُخرى تحولُ بينَ الإِنسانِ وتاريخِه الشَّخصيِّ، وبينَ الإِنسانِ وكرامتِه الاجتماعيَّةِ، وبينَ الإِنسانِ والإِنسانِ، وتلكَ هيَ حواجزُ الفقرِ والامتلاكِ والاستلابِ، والمعرفةِ والجهلِ، والحرِّيَّةِ والقهرِ، والعبوديَّةِ والانعتاقِ.”

الأُولى؛ خيلُها وأُنثاي
كنتُ أَحسُّ/أُلاَحظُ/أَسمعُ أَنَّ مُوسيقى غِبْطتِها بِي شاعرًا، تعلُو خفقاتِها، وكانَ ذلكَ يُضايقني؛ الحبُّ أَهمُّ، بالنِّسبةِ إِليَّ، منَ الشِّعرِ، فالقصائدُ الجاهزةُ طيورُ الشَّاعرِ باسْمهِ فقطْ، ولكنَّها ليستْ لهُ، سواءٌ أَطلقَها فِي فضاءَاتِها، أَمْ أَبقاها فِي عَتمِ أَقفاصِها!
لقدْ شجَّعتني الزَّميلةُ الجامعيَّةُ/المحبوبةُ/ربَّةُ الشِّعرِ، علَى إِصدارِ مجمُوعتي الشِّعريَّةِ الأُولى حينَ أَخبرتُها عنْ توفُّر إِمكانيَّةٍ لنشرِها. كنتُ تردَّدتُ لأَكثرَ من سببٍ: أَنا ما زلتُ فِي البداياتِ، وطالبًا جامعيًّا، ومضمونُ نسبةٍ لاَ بأْسَ بِها منَ القصائدُ عاطفيٌّ، وهذَا لاَ يَتساوقُ وظروفُ الوطنِ المحتلِّ إِذ أَدبُ المقاومةِ لهُ الحضورُ الأَعمُّ فِي المشهدِ الفلسطينيِّ، والعربيِّ أَيضًا، لذَا لَمْ يكُنْ لأَيِّ شاعرٍ أَن ينشرَ قصائدَ عاطفيَّةً مهمَا كانتْ مَرتبتُه الشِّعريَّةُ.
تناقَشْنا فِي كلِّ القَصائدِ، واتَّفقْنا علَى الَّتي يمكِنُ أَنْ تظهرَ؛ قصائدُ سياسيةٌ/وطنيَّةٌ وأُخرى عاطفيَّةٌ. الأَمرُ المدهشُ آنذاكَ، رأْيُها المفاجئُ لِي كمَا لَو أَنَّها ناقدةٌ أَدبيَّةٌ:
سوفَ يَقرؤُونَ قصائدَكَ قراءةً سياسيَّةً، لأَنَّ الافتراضَ المُسبقَ عندَ أَكثريَّةِ قرَّاءِ الشِّعرِ الفلسطينيِّ؛ أَنَّ كلَّ شَاعرٍ فلسطينيٍّ لاَ يكتبُ، أَو إِنْ كتبَ قصائدَ أُخرى، فلاَ ينشرُ إِلاَّ القصائدَ السِّياسيَّةَ/الوطنيَّةَ!
هذَا الرَّأْيُ النَّقديُّ لهَا، كانَ حقيقةً قرائيَّةً واقعيَّةً لدَى كلِّ مَن قرأَ المجموعةَ الشِّعريَّةَ الأُولى، حتَّى أَصدقائِي الشُّعراء والكتَّاب آنذاكَ، وأَذكرُ مِنهم: عَلي الخَليلي، وعَادل الأُسطة، وسَامي الكِيلاني، وداعِس أَبو كِشك.
وهكَذا؛ انتبهتُ، مبكِّرًا جدًّا، إِلى فكرةِ تأْويلِ النصِّ مِن حيثُ تعدُّد قراءَاتهِ.
“الشِّعرُ؛ صانعُ الفَرحةِ، وصانعُ القُرحةِ، أَيضًا. أَتَتهُ “الخيلُ والأُنثى” فِي (1980) بخطِّ يدهِ؛ ساخنةَ اللَّهثِ والعشبِ والتُّرابِ، ودونَ أَن يُريحَها مِن سفرِها المُبلَّلِ بالمطرِ الخشنِ مِن أَسوارِ عكَّا إِلى جِدارَي نَابُلس، ركبَ خيلَهُ وصعدَ بِه إِلى أُنثاهُ.
كانَ يَشعرُ أَنَّ قلبَها قَاب قَوسينِ أَو أَدنى منهُ، ومِن مُتعتِه المُشتَّتةِ، ورجفتِه “كَما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ”، عندَما تطلُّ علَيْهِ مِن زجاجِ النَّافذةِ الرَّطبِ.
صوتٌ: أَنتِ هُنا.. فِيها..
صدًى: أَنا هُنا.. فِيكَ..”
لَمْ تكُنْ قراءةٌ سياسيَّةٌ/وطنيَّةٌ للمجموعةِ الأُولى فقطْ، بَل كانَ ثَمَّ تركيزٌ منْ كثيرٍ علَى ظاهرةِ الغموضِ الشِّعريِّ فِيها لدرجةِ الانحرافِ نحوَ إِبهامِها! وهذهِ الظَّاهرةُ توسِّعُ كثيرًا المسافةَ بينَ المتلقِّي/القارئِ والقصيدةِ، علَى اعتبارِ أَنَّ مِن حقِّهما فهمَ المعنَى، مباشَرةً، مِن خلالِ وضوحِ المضمونِ مِن فِعلِ القراءةِ الأُولى!
أَتذكَّرُ الآنَ مقولةً لِـ(ت. س. إِليُوت): “أَكتبُ القصيدةَ فِي أَربعة أَشهر، لِمَ لاَ يخصِّصُ القارئُ أَربعَ ساعاتٍ لقراءَتها؟!”
أَلاَ يَعني هذَا أَن يَفرِضَ الشَّاعرُ علَى “أَناهُ” الشَّاعرةِ أَن تكُونَ بكاملِ وعيهِا أَثناءَ الكتابةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ هذَا مضادٌّ للشِّعريَّةِ، والَّتي تولدُ مِن اللاَّوعيِ أَصلاً، مقابلَ وصولِ المعنَى/المضمونِ؟ وأَلاَ يَعني هذَا أَن يكونَ الشِّعرُ مثلَ الكتاباتِ الأَدبيَّةِ الأُخرى؟
“الغموضُ المدروسُ، المؤسَّسُ، الأَصيلُ، صفةٌ مِن صفاتِ الجمالِ؛ فالجسدُ الَّذي تلفُّه عباءةٌ محيِّرةٌ قلِقةٌ، تُراودها الرِّياحُ مِن حينٍ لآخرَ أَجملُ مِن الجسدِ المستَلْقي عاريًا تحتَ شمسٍ حارقةٍ علَى شاطئٍ عاديٍّ؛ هذَا الشَّاطئُ الَّذي لنْ ينظرَ إِليهِ إِلاَّ الَّذي ينزلُ الشَّاطئَ أَوَّلَ مرَّةٍ، فيَراهُ بشهوةِ عينَيْهِ، إِذْ لاَ يحتاجُ أَكثرَ مِن هذهِ، فهوَ الجسدُ الَّذي مرَّتْ عليهِ عيونٌ مشرئبَّةٌ كثيرةٌ، انتهكتهُ منَ النَّظرةِ الأُولى الَّتي سُرعانَ مَا تفرُّ منهُ إِلى الجبالِ الرَّائعةِ حينَما يُقبِلُ نحوَها شاكرًا.”

مفهومُ الشِّعرِ أَمِ الشِّعرُ المفهومُ؟
منذُ عمَلي الأَوَّل، “اشْتكى” كثيرٌ منَ القرَّاءِ بسببِ غموضِ/عدمِ فهمِهم شِعري! وكنتُ أَضطرُّ لشرحِ رُؤيتي الشِّعريةِ، لاَ شِعري لأَنَّ الشَّرحَ يفسِدُ الشِّعرَ، مِن أَجلِ قراءَتهِ بأُسلوبٍ مغايرٍ تمامًا لِما أَلِفوهُ فِي التَّعليمِ المدرسيِّ والجامعيِّ؛ شرحُ القصيدةِ بيتًا بيتًا (معَ أَنَّه تشريحُ القصيدةِ). المناسبةُ. الأَفكارُ. العواطفُ…الخ. هذَا الفعلُ/التَّشريحُ كانَ يُمقِتني كثيرًا؛ لأَنَّه يُعدِمُ بوحشيَّةٍ الجمالَ الكلِّيَّ للقصيدةِ، كمَا تفتِيتُ وردةٍ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّها قدْ تكونُ نظمًا، لاَ شِعرًا.
هذَاِ إِشكالٌ مؤرِّقٌ لكثيرينَ “يتعاطونَ” الشِّعرَ بدونِ شكٍّ. لذَا يقِفُ السُّؤالُ: “مفهومُ الشِّعرِ أَمِ الشِّعرُ المفهومُ؟” أَمامَ الشَّاعرِ مثلَ سورٍ شائكٍ؛ بِمَ يَعتنِي، بالمفهومِ أَم بالفهمِ؟ بشعرهِ أَم بقارئهِ؟ وظلَّ السُّؤالُ/العبارةُ الأَخيرةُ يَعنِي/تَعنِي، بمَنْ يضحِّي؟
بنظرةٍ إِلى الوراءِ، نَرى أَنَّ الشِّعرَ ارتبطَ بدايةً بالنُّطقِ، ثمَّ كانَ الإِنشادُ، ذلكَ أَنَّ الأَمرَ تعلَّقَ بأَكثر مِن جانبٍ؛ الأُميَّةُ والتَّعلُّمُ.. الشَّفاهةُ والكتابةُ، وغيرُهما.
مِن هذَا؛ كانَ لاَ بدَّ أَن يضحِّي الشَّاعرُ بمفهومِ الشِّعرِ لِتصلَ رسالتهُ/قصيدتهُ بساعٍ واحدٍ؛ اللِّسان.
حينَ كتبَ الشَّاعرُ المجدِّدُ أَبو تمَّام شعرًا مغايرًا تمامًا لِما كانَ سائدًا آنذاكَ، وأَنشدَهُ/أَلقاهُ أَمامَ مُستمِعينَ، انبرَى لهُ مَن يقولُ: “لماذَا لاَ تقولُ مَا يُفهم؟” وكانَ جوابُ الشَّاعرِ: “ولماذَا لاَ تَفهم؟”
ثمَّ كانَ أَن “جاءَ رجلٌ إِلى الشَّاعرِ أَبي تمَّام وهوَ يحملُ بينَ يدَيهِ وعاءً، وقالَ لهُ: أَعطني قليلاً مِن ماءِ الملامِ الَّذي جاءَ فِي قولِكَ: لاَ تسقِني ماءَ الملامِ فإِنَّني/صبٌّ قدِ استعذبتُ ماءَ بُكائي. فردَّ عليهِ أَبو تمَّام قائلاً: هلْ قرأْتَ قولَهُ تعالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}؟ قالَ: نعمْ. فقالَ أَبو تمَّام: إذًا لاَ أُعطيكَ ماءَ الملامِ حتَّى تأْتِيني بريشةٍ مِن جناحِ الذُّلِّ.”
كانَ يمكِنُ أَن يقولَ اللهُ تعالَى، بدلاً مِن {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}، كلمَتينِ مباشَرتينِ: تَواضعْ لهمَا. إِلاَّ أَنَّ الصُّورةَ الشِّعريَّةَ المبدَعةَ، الَّتي أَنشأَها اللهُ، جاءَتْ أَجملَ، وأَكثرَ نعومةً فِي فعلِ الأَمرِ، فِي وقْعِها علَى النَّفسِ البشريَّةِ، إِذِ الخطابُ موجَّهٌ لمخيلةِ الإِنسانِ، وفِي هذَا تكريمٌ لهُ.
هذهِ “الواقعةُ” كانَ لهَا أَثرُها الجليُّ/المقنِعُ فِي تكوينِ شعريَّتي، منذُ بداياتِها؛ شعريَّتي التَّي جَعلتني أَنفرُ- طبقًا لفَهمي لمفهومِ الشِّعرِ- منْ شرحِ الشِّعرِ بعدَ خروجِ قصيدةٍ لِي مِن فضائِها الدَّاخليِّ/الذَّاتيِّ إِلى فضائِها الخارجيِّ/الذَّاتِ القارئةِ.
كانتْ أَسئلتي دائمًا: لماذَا الفهمُ أَوَّلاً؟ ماذَا بعدَ الفهمِ؟ لماذَا يصرُّ القارئُ أَن يكونَ/يظلَّ متلقِّيًا فقطْ؟ معَ أَنَّنا نعرِفُ “جرائمَ” التَّلقِّي الَّتي ترتكبُ باسمِ التَّعليمِ، والَّذي لاَ يعدُو كونهُ تَلقينًا؛ إِفراغُ محتوًى فِي محتوًى آخر، وبِمعنَى آخر أَكثرَ تحديدًا/تركيزًا/شبَقًا؛ اغتصابُ ذكورةِ نصٍّ لأُنوثةِ تلقٍّ.
كيفَ يفهَمُ الإِبداعُ بشكلٍ آليٍّ؟! لاَ أَفهمُ!
إِنَّ قارئَ الشِّعرِ بأُذنيهِ الَّذي لاَ يزالُ يسأَلُ: لماذَا لاَ تقولُ مَا يُفهَم؟ أَردُّ بكلِّ تفهُّمٍ وبراءَةٍ: حينَ تفهمُ الموسيقَى. إِنَّ كلَّ الفنونِ الإِبداعيَّة تحترمُ الإِنسانَ؛ قارئًا، مُستمِعًا، مُشاهِدًا، محرِّكًا كلَّ حواسِّهِ فِي سَعيِها إِلى رُقيِّ عقلهِ، ورفعةِ ذوقهِ، تحريضًا علَى إِنسانيَّتهِ وتثبيتًا لهَا، وحضًّا علَى القتالِ الأَبيضِ مِن أَجلِ امتلاكِ حرِّيَّتهِ فِي الرَّأْيِ والتَّعبيرِ عنهُ، وقراءةِ الحياةِ ووجودهِ فِيها قراءَةً إِبداعيَّةً/واعيةً، دونَ جبرٍ أَو إِكراهٍ.
يقولُ الشَّاعرُ أُنسي الحاج: “أَكتبُ كيْ أُبرهنَ أَنَّ القارئَ موجودٌ. لمْ أُقابلهُ، إِنَّه أَنا، إِنَّه أَنتم.” وفِي الدِّراساتِ الحديثةِ: “لاَ نصٌّ دونَ قارئٍ.” إِذًا، لاَ توجدُ كتابةٌ متعاليةٌ- كمَا يطرحُ الكثيرُ- علَى القارئِ المطلوبِ. أَنا أَبحثُ عنْ قارئِي؛ قارئِي الَّذي أُريدُ منهُ أَن يعلُوَ عنِ الكلامِ الرَّثِّ/المبتذَلِ/الفقيرِ إِلى الكلامِ/اللُّغةِ الَّتي تدركُ مخيلتهُ، فيصيرُ عِندي شاعرًا بفعلهِ القِرائيِّ. أُريدُ منهُ أَن يُنشئَ نصًّا آخرَ؛ نصَّهُ هوَ، لاَ أَن أَفرضَ عليهِ نصِّي، كأَنَّه لوحُ قانونٍ/نظامٍ/دستورٍ. هذَا مَا أَعتقدهُ حقًّا طبيعيًّا لهُ، ولذَا أَكتبُ نصِّي الخاصِّ بِي، بدونِ أَن أُنازعَهُ علَيْهِ أَبدًا.
لستُ ضدَّ فهمِ الشِّعرِ الإِبداعيِّ، ولكنْ أَن لاَ يكونَ الفهمُ هوَ النَّتيجةُ الوحيدةُ منهُ. هذَا مَا أَرجو أَن يُستخرجَ مِن حديثِي.
أَنا ضدُّ كتابةٍ شعريَّةٍ تقرأُ بالأُذنينِ وحدَهما أَو بالكفَّينِ، إِذْ أَراها أَنَّها كُتبتْ لتلكَ الأَعضاءِ فقط! ومَا أَن تغادرُ هذهِ الأَعضاءُ مكانَ حضورِها، حتَّى يغيبَ رنينُ تصفيقِها معَها. لهذَا لاَ يؤمنُ الشَّاعرُ بُول شَاؤول بأَنَّ يتسلُّقَ منصَّةً كيْ يُلقيَ مِنها شِعرَهُ.
وبِما أَنَّني ضدُّ تلكَ الكتابةِ الشِّعريَّةِ سيِّئةِ (…)، فأَنا معَ كتابةٍ شعريَّةٍ تقرأُ بوعيٍ، وإِدراكٍ، وحواسّ، ومخيلةٍ إِنسانةٍ عاملةٍ/فاعلةٍ.
إِنَّ خسارةَ متلقِّينَ مقابلَ القبضِ علَى الجمالِ بالنَّواجذِ، لهيَ أَقلُّ فداحةً مِن خسارةٍ كبيرةٍ؛ خسارةِ الشِّعرِ والشَّاعرِ معًا.

بُطءٌ فتوقُّفٌ
لَمْ أَجدْ كثيرًا منَ القصائدِ الَّتي كتبتُها، عقبَ المجموعَةِ الشِّعريَّةِ الأُولى، خلالَ الفترةِ مِنَ العامِ (1980) إِلى العامِ (1982)، ولَولا دفترُها البُّنِّيُّ، الَّذي أَشرتُ إِليهِ قَبْلاً، وجمعتُه فِي “ماذَا قالَ العصفورُ صباحًا للوردةِ”، لَمَا وجدتُ شيئًا مِن قصائدِي لهَا، ولكنِّي فقدتُ القصائدَ الأُخرى؛ غيرِ العاطفية! خلالَ تغييرِ سَكنِنا العائليِّ، إِذ كانَ علَيْنا الانتقالُ إِلى بيتٍ مستقلٍّ، نؤطِّرُ فيهِ مشاعرَنا المشتَّتةَ/عواطفَنا المتنافرةَ/صدَى إِيقاعِ خفقاتِنا المشرَّدَ، حيثُ كنَّا تزوَّجنا فِي (5/5/1983)، وكانتْ خطبتُنا فِي (24/12/1982). أَذكرُ هذَا هُنا لأُظهرَ المفارَقةَ الزَّمنيَّةَ المدهشةَ؛ فقدْ كانتِ الخطبةُ بعدَ أَربعِ سنواتٍ تامَّاتٍ مِن لفظةِ الحبِّ الأُولى فِي (24/12/1978).
عَدَدْتُ سِنِينَ أَشْوَاقِي
أَقولُ: وَجَدْتُهَا أَرْبَعْ
وَخَامِسَةٌ سَأُدْرِكُهَا
بُعَيْدَ البُعْدِ.. مَا أَصْنَعْ؟!
سَأَدْمَعُ لَحْظَةً أُخْرَى
لَعَلَّكَ تُوقِفُ الـمَدْمَعْ
فَرَغْمَ النَّار فِي كَبِدِي
تُقَطِّعنِي، وَلاَ أُصْرَعْ
كَنِصْفِ الشَّيءِ أَنْتَ مَعِي
سَأَحْرِصُ حِينَمَا نُجْمَعْ
هذهِ الأَبياتُ هيَ المقطعُ الأَخيرُ مِن قصيدةِ “كنصفِ الشَّيءِ أَنتَ مَعي”، والَّتي خُطَّتْ فِي (30/8/1981).

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة