محمود شقيريمتطي فرس العائله

 

الرابط : اصدارات ونقد (:::)
بقلم : جميل السلحوت – فلسطين المحتله (:::)
وأخيرا ومع بداية العام 2013صدرت رواية”فرس العائلة”للأديب الكبير محمود شقير عن دار نوفل للنشر والتوزيع في بيروت. وتقع في 310 صفحات من الحجم الكبير.
فرس العائلة: وهي فرس شيخ القبيلة، الذي قتل على نبع الماء من مجهول، وان كانت الشكوك تدور حول أبناء قبيلة أخرى، فعادت فرسه الى مضارب قبيلته، وتركت دون عناية مما اضطرها الى الهرب، لكن نساء القبيلة ورجالها ظلوا يفتقدون هذه الفرس، وبقوا يتخيلونها ويحلمون بها، وبنوا حولها حكايات  وخرافات كثيرة، ومعروف أن الخيول الأصايل كانت ولا تزال من مقتنيات شيوخ القبائل والعشائر، وللفرس التي تردد ذكرها عشرات المرات في الرواية، وبنوا حولها الخرافات أكثر من دلالة ورمز، فبعد مقتل شيخ القبيلة صاحب الفرس، واختفاء الفرس بعده اشارة الى تخلي العشائر موضوع الرواية عن أصالتهم البدوية بتحضرهم كما كانت تعتقد صبحاء مثلا، تلك الأصالة والبداوة التي لا يزال يحن البعض منهم اليها، وهي في ذهن بعض الأشخاص مثل يوسف رمز للثورة الخفية.
زمن الرواية: تمتد الرواية من اواخر العهد العثماني وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
مضمون الرواية: تتحدث الرواية عن عشائر بدوية تعيش في البراري، ورحلت وسكنت أطراف مدينة القدس، وتتابع تفاصيل حياتهم من مخادعهم، الى مراعيهم، الى معتقداتهم، وصراعاتهم القبلية، وحياتهم البدائية، وبداية تحضرهم وتركهم حياة الترحال والتنقل، وعملهم في المدينة، واحتكاكهم ببيئة المدينة المختلفة عن بيئتهم ومفاهيمهم، وتأثرهم بها، وبدايات التعليم عندهم في الكتاتيب، وطريقة زواجهم، وتعدد الزوجات عندهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وبساطتهم وسذاجتهم، وايمانهم بالخرافات، وعالمهم الخاص بهم.
كما تتحدث عن هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى من خلال فهم هذه العشائر البدائي لتلك الحرب، ودخول الانجليز كمنتدبين استعماريين على فلسطين، ومحاولتهم التدخل في حياة هذه العشائر، وتسهيلهم الهجرات اليهودية الى فلسطين، ومن ثمّ مقاومة الشعب الفلسطيني للغزاة الجدد وعدم اطمئنانهم لهم، حتى أن بعضهم التحق بقوات الفرسان البريطانية، لكنهم ما لبثوا أن هربوا بأسلحتهم، واشترك بعض أبناء هذه العشائر في المقاومة، واطمأن بعض قادة الثورة لهم، حيث أخذوا يترددون عليهم، مثل القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، والقائد الراحل فؤاد نصار.
شخوص الرواية: في الرواية عشرات الشخصيات من نساء ورجال، وكلها شخصيات متخيلة، تماما مثلما هي العشائر متخيلة أيضا”العبداللات، الرواجفة والمطالقة” غير أن الشخصيات العامة التي وردت في الرواية هي شخصيات حقيقية-كما نبّه الكاتب الى ذلك في مدخل الرواية- مثل:بندلي الجوزي، الحاج أمين الحسيني، عبد القادر الحسيني،  بهجت ابو غربية، جمال الحسيني،خليل السكاكيني وزوجته سلطانة، محمد اسعاف النشاشيبي، فؤاد نصار، الشيخ عز الدين القسام، الشيخ حسين السرخي، محمد أبو دهيم، عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي، ابراهيم طوقان، جادالله الخطيب وغيرهم.
الخيال والواقع: خلط الكاتب الواقع بالخيال، بحيث يصعب التفريق بينهما، وفي روايته هذه يكتب عن واقع عاشته المنطقة التي ينتمي اليها، وولد وترعرع فيها، وهي عشائر عرب السواحرة، التي تمتد أراضيها من قمة جبل المكبر جنوب القدس القديمة، وحتى البحر الميت، وهي عشائر تحضرت، وسكنت البيوت الحجرية في بدايات العقد الثاني من القرن العشرين، وعاشت في البداية صراعات وخلافات حول الرحيل من البراري، والاستقرار قرب المدينة المقدسة، وكان السبب الرئيس في ذلك هو الرغبة في الحاق أبنائهم بالمدارس، تقليدا منهم لأبناء القدس، عندما اشتغلوا في التهريب بين فلسطين والأردن زمن الانتداب لصالح تجار القدس، حيث لم تكن وقتئذ ضرائب في الأردن، وساعدهم في ذلك سيطرتهم ومعرفتهم بطرق براريهم التي لم يسيطر عليها الانجليز سيطرة مباشرة، كما كانوا يسطون على ملّاحات البحر الميت، ويحملون على دوابّهم ما استطاعوا من الملح، ويبيعونه في المدينة وقراها، وحتى وصلوا رام الله وقراها أيضا. ونتيجة للجهل الذي ساد في أواخر العهد العثماني، فقد انتشرت الخرافة، وآمن الناس بها، نتيجة عدم قدرتهم على فهم وتفسير بعض الظواهر، ومعروف أن قرية”رأس النبع” التي ابتدعها الكاتب لاستقرار العشائر البدوية، هي قرية متخيلة، وغير موجودة على أرض الواقع، وكأني به يهرب من الواقع كي لا يقع في اشكالياته.
الشيخ حامد: وهو قبر اتخذته العشائر مقاما دينيا، ونسجت حوله قدرات وخوارق عجيبة، فكانوا يقدمون له النذور وغيرها طمعا في بركاته، ومعروف أن المقامات انتشرت في بلاد الشام-ومنها فلسطين- زمن الأيوبيين، ولا تكاد مدينة أو قرية في فلسطين تخلو من مقام، وأشهرها مقام النبي موسى القائم ما بين القدس وأريحا، والذي كان يقود المواسم فيه زمن الانتداب البريطاني المرحوم الحاج أمين الحسيني مفتي القدس والديار الفلسطينية، ومعروف أن هذه المواسم كانت تتزامن مع عيد الفصح عند المسيحيين. وفي عرب السواحرة هناك مقام الشيخ سعد، القائم على الامتداد الأخير لجبل المكبر، ولا يزال المقام قائما حتى أيامنا هذه، وكان البعض يضيء هذا المقام بزيت الزيتون، ويُحنّون جدرانه بالحنّاء، ويقدمون له النذور والهدايا، وينسبون اليه خوارق كثيرة، وقد أوضح الكاتب في أكثر من حكاية معتقدات الأهالي حول مقام الشيخ حامد، حتى التاجر المتنقل المجهول الذي توفي في مضاربهم ودفنوه قرب المقام، وأسموه”حميد” ألصقوا به هو الآخر قدرات لم يكن أهلا لها، بل انه استغل احدى النسوة جنسيا بحجة ملكيته أدوية للحمل.
عادات وتقاليد وقصص وحكايات وخرافات: بنى الكاتب روايته على مئات الحكايات والقصص التي سمعها من سابقيه، والتي عايش بعضها أيضا، لكن هذا لا ينفي أنه ابتدع حكايات وقصصا أخرى ليخدم البناء الروائي، ومن هذه العادات الحقيقية: رمي عباءة أخ المتوفى على أرملته، مما يعني أنه سيتزوجها بعد انقضاء عدّتها، تعدد الزوجات-الذي كان سائدا- الزواج البدائي “انتِ على حجر وأنا على حجر، هل تقبليني لك ذكر” رجال المدينة كانوا يلبسون الطرابيش، ونساؤها يرتدين الفساتين، عادات الخطبة والفاردة والزفة، والأغاني الشعبية، الزواج المبكر للذكور والاناث، زواج كبار السن من بنات قاصرات، افتتاح كتّاب في المضارب، والتعليم المختلط فيه، التحاق بعض أبناء العشائر بسلاح الفرسان زمن الانتداب، وهرب بعضهم بأسلحتهم، والتحاق البعض بالثورة، حمام العين في القدس واستحمام النساء فيه، اشتغال البعض بالتجارة البسيطة، عمل بعض النساء خادمات في بعض بيوت أثرياء المدينة، تقليد نساء القرية الوليدة لنساء المدينة في اللباس واستعمال مواد التجميل، وَشْمُ بعض النساء كنوع من التزين، استعمال بعض الشتائم الشعبية مثل”مزنبره يا قبرت سلالتها”ص111 و”يصلي على ذيالها”ص114، الاحتفال بختم القرآن في الكُتّاب، الايمان بالخرافات والشعوذة، الخوف من الغرباء، العلاقة بين الرجل والمرأة، وسطوة الحماة على الكنة، وسطوة المختار ودوره…..وانحسار دوره في مرحلة لاحقة…الخ. ويلاحظ أن الكاتب كان يورد بعض من يشككون ولا يؤمنون بالخرافة والشعوذة كلما وردت في الرواية، وكأني به يقول”أنا لا أكرس الخرافة، وانما أروي لكم ما كان يحدث في مرحلة زمنية معاشة، وكيف كان للخرافة سطوتها على أذهان الناس في مراحل الجهل والتخلف، وغياب التعليم.
علي أوغلو: شخص تركي من بقايا الجيش العثماني الذي هزم وانسحب، فالتجأ علي أوغلو الى العشائر واحتمى بهم، وأصبح واحدا منهم، ويلاحظ أنه تزوج اكثر من مرة ولم ينجب إلا متأخرا، وكأني بالكاتب هنا يرمز الى بقايا العقلية التركية في المنطقة، لكنها انتهت بانتهاء من عايشوا مرحلتها، وإن بقيت لها ذيول في مراحل لاحقة.
أبطال الرواية: في الرواية عشرات الشخصيات، وقد سيطر عليها الكاتب وتركها تتحرك بحرية تامة، ويصعب تحديد البطل الرئيس في الرواية، لأن لكل شخص فيها -سواء كان ذكرا أم أنثى- دوره الذي قام به، ولم يكن هناك تمايز كبير بين هذه الأدوار وشخصياتها، ونستطيع القول بأن البطولة هنا كانت جماعيىة، فرضتها شروط الحياة البدائية التي عاشتها الجماعة وقتذاك، وهذا معروف في العشائر، فاذا كان التميز من صفات شيخ القبيلة، إلا أن البطولة تبقى فيها جماعية.
المرأة: لم يكن دور المرأة هامشيا في الرواية، بل كان فاعلا وايجابيا، تتفاعل مع الأحداث وتتأثر بها وتؤثر فيها، تبدي رأيها وتدافع عنه، وتربي بناتها وأبناءها وتوجههم، وتحب وتكره، وتتزوج، وكانت تشارك في رعي الأغنام وحلبها وبيع منتوجها في اسواق المدينة، كما كانت تعمل في الحقول، بل كانت مبادرة، فنجمة بادرت الى العمل خادمة في أحد بيوت اثرياء المدينة، وأقنعت زوجها بالرحيل معها الى المدينة حيث عمل حارسا في أحد البنوك، وهي التي سمحت لابنتها نوال في مواصلة تعليمها في الكتاب، ولاحقا في المدرسة في القدس، والنساء هن من ارتدن حمام العين قبل الرجال.
القدس مدينة التعددية الثقافية: وردت القدس في الرواية مرات كثيرة، فداخلها يرى المسجد وبجانبه كنيسة، وقد ورد ذكر الكنيس مرّة واحدة، وهذا يعني أن المدينة مهد الديانات السماوية الثلاث، وهي مدينة التعدديات الثقافية.
اللغة والأسلوب: استعمل الكاتب اللغة الفصيحة البليغة السلسة في غالبية صفحات الرواية، ولجأ الى اللغة المحكية على لسان بعض الشخصيات الشعبية، وكان استعماله لها موفقا وغير مقحم، واعتمد الكاتب في أسلوبه على السرد الروائي، كما لجأ الى أسلوب الحكاية أحيانا، وتجلت روعة السرد في أسلوب الاسترجاع “Flash back” حيث كان يترك بعض الأحداث والقصص، ثمّ لا يلبثؤ أن يعود اليها بعد عشرات الصفحات ليستكملها، وليتابع تطوراتها، وأحيانا كان يسترجع أشياء من الماضي، وهذا يسجل لصالح الرواية والكاتب، فالسيطرة على هذه الشخصيات المتعددة خلال 310 صفحات ليس أمرا هينا.
وماذا بعد: لا يمكن وصف هذه الرواية بأنها تاريخية، فالتأريخ ليس من سمات الرواية، لكن يمكن وصفها بأنها ملحمة روائية سجلت عادات وتقاليد فئة اجتماعية من مكونات شعبنا في مرحلة معينة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة