الثورة السورية : الاباء المزعومون

 

الرابط : اراء حرة (:::)
الدكتور: حسين رحيّم الحربي – الرياض (:::)
مشكلة الثورة السورية بأن من يدعون أبوتها كثر، وهي في واقع الحال  يتيمة، أو كالفطر نـَمت بشكل طبيعي في تربة خصبة شريفة. انطلقت من مجتمع البسطاء والفقراء والمسحوقين، وعامة الشعب، وهي كسائر ثورات الربيع العربي لم تكن ثورة نخبة، أو معارضة تقليدية.
تفردت الثورة السورية بطول عمرها، وهذا نفع من جهة وأضرّ من جهات كثيرة، فمن الناحية الإيجابية افتضح أمر أولئك الانتهازيين، والمتسلقين، والطفيليين الذين ركبوا موجة الثورة، بغية تحقيق طموحات شخصية أو مجد ذاتي، وهم عددٌ لايستهان به أيضا. لكن بالمقابل يجب أن نعي أن كل ساعة تمر دون تخليص البلاد من حكم الطاغية تعني المزيد من الدم المسفوك، والمزيد من الدمار للبلد، وهذا ما كانت تحلم به الدول المعادية لسوريا.
طول عمر الثورة السورية أيضا كان سببا بأن يدّعي أبوتها كثيرون؛ فكل من أطل من شاشات التلفزة ينظّر ويحلل، ويبدي رأيا غير قابل للنقاش أبدا، ورأيه لا يأتيه الباطل لا من بين يديه أو من خلفه، وهو الوحيد الذي له اتصال بالداخل ويعرف ماذا يجري هناك لحظة بلحظة. وعلى شاكلة هذا من كان معارضا تقليديا أو سجنه النظام لأي سبب كان، هو الآخر يطالب بـ(تعويض) مقدم قبل سقوط النظام، وأن يكون هذا التعويض معنويا، أي أن يكون رمزاً وربما يبنى له تمثال تخليدا لنضاله، مع أن كل ما قاله يوما ما، ربما لا يتعدى (فشة خلق) أو انزعاج من موظف لم ينجز له معاملته. أيضا هناك الذين تبرعوا ببعض المال لإخوانهم في الداخل –وهذا واجب- أصبحوا  يخلقون المناسبات للحديث عن أياديهم البيضاء والتدليل على وطنيتهم، وأنهم السباقون، وغيرهم متخاذل. ظاهرة تخوين الآخرين انتشرت للأسف مع أن الأغلب غايتهم واحدة، وهي اسقاط النظام الشمولي المتسلط، لكن نزعة البعض للظهور دفعته لأن يقزم الآخرين وينكر جهودهم، و بقي مسكونا بعقيدة المناضل الأوحد والبطل الأوحد، والمواطن الشريف الوحيد.
الثورة السورية وسائر ثورات الربيع لم تعتمد على الإعلام الرسمي، أو الإعلام المحترف في نقل وقائعها والتوثيق لها. كان عصب هذه الثورات الإعلام غير الرسمي أو إعلام المهمشين، أو المواطنين العاديين، أو الهواة، أو الذين دفعتهم لذلك المعاناة. أصبح كل من يمتلك هاتفا نقالا أو كاميرا صغيرة قادرا على توثيق حدث دقيق، وربما يسترعي بذلك انتباه الرأي العام العالمي، أو الصحافة العالمية، وقد فرض كثير من الشباب المتحمسين والمناضلين والمرابطين في جبهات القتال أنفسهم كمراسلين حربيين جريئين.
في ظل هذه الظروف كبرت رؤوس البعض وأصبحوا ينظرون إلى ما دونهم على أنهم شياطين أو خونة، وحسبوا أنهم بلغوا سنام المجد والوطنية وأنهم الوحيدون المخولون بإصدار صكوك مواطنة حقة وبراءات من رجس أولئك الذين ركبوا موجة الثورة، وبذلك أصبحوا هم وزبانية النظام سواء من حيث ممارسة الفكر الإقصائي وعدم تقبل الآخر، حتى وإن اختلفنا معه في الطرح.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة