لن يتخليا عني


الرابط : القصة (:::)
قصة : عبادة الحمصي : نيوجرسي (:::)
جلس أحمد كئيب الفؤاد، ناكس الرأس، مستندا لحائط إسمنتي هَرِم، زيّنته الأيّامُ بكلمات وألوان، و أخاديد و ثقوب. دافع لعابه و شتم معدته، ردّا على أصواتها المزعجة الشبيهة بمحرّك سيّارةٍ معطوب. لكنّه فكّر، فوجد أنّ المشكلة تكمن في أنفه البائس، الذي راح يمتص الروائح من هنا وهناك، مهيّجا تلك الأعضاء المسكينة.  تناول من جيبه منديلًا، ضغط على أنفه، مفرغًا خلطًا من الروائح  العالقة إلّا أنّ الضجيج عاد مرّة أُخرى مصحوبًا بمزيد من الألم.
نهض من مكانه، عازمًا على إخراس عواء معدته، وتقطيع سياط  العذاب الضاربة في جَوفِه منذ أيّام! حَافَ الرّصيف، ذارعا بلاطه المهشّم بقفزات رشيقة، و سرعان ما انحرف يمينا ملتصقًا بحائط البناء، ليُتَابع الخَطوَ بحذرٍ شديد، بعد أن تذكّر “أبو إبليس” القنّاص الرابض في العمارة المقابلة.
عَطَفَ مساره مُطلِقًا تنهيدةً طويلة، و أكمل هائمًا على وجهه كاسِف البال، شارد النَظرات تراقصت كتل الهواء على جنبات الطريق، مولّدةً تياراً من الصقيع البارد  تلفّع بعباءته البالية، عاضّا على أطرافها بِكَفّيه الصغيرين، و اشرأبّ منخاراه على وقع رائحةٍ لذيذةٍ اصطدمت بغتةً بشعيرات أنفه اندفع على أجنحة من الفرح مُتتبعا أثَر الرائحة، ومترجمًا الحسّ لحركة جادّة ختم الشارع  و انعطف نحو الزقاق، ليتفاجأ بأرتال من الجنود الغلظاء، يجوبون الزقاق ببنادقهم الرشّاشة، حاملين جبالًا من أرغفة الخبز السّاخنة، وهم يقهقون بصخب وضجيج مُغيظ.
تسمّرت قدماه، وامتقع لونه فزعًا، لكنّ خوفه لم يَدُم طويلًا فما إن مضى الجنود حتّى اشتدّ وقع الطبول وعادت زغردة العصافير، رفّت عيناه متخلصة من درن المشهد، و ركض عائدا أدراج الجنود  و ما هي إلا ّخطوات حتى اصطدم بصَرُه بجمع غفيرٍ هَاجَت أمواجه، مندفعة على حائط متفحّم،  بجلبة صاخبة صمّت الآذان
شُدِهَ أحمد، و مدّ خطاه المرتبكة منجذبًا نحو الجموع    “لعنة الله عليهم، أولاد الكلب سرقوا معظم الخبز”  صرخ أحدهم بحنق، متخليّا عن المكان “حسبنا الله و نعم الوكيل، الله أكبرعليهم”
أردف آخر  هَمّ أحمد بالالتحاق بالطابور، لكنّه ألفى يده ممسكة بعمود طويل كان قد انتصب قبالة المخبز، وراح يحوم حوله بابتسامة عريضة، راسمًا عشرات من الحلقات.
تراءى لسمعه صوت أبيه، يهمس بحنان: “ما تعبت من الدوران يا ابني، تعال وساعدني في صفّ الخبز، الله يرضى عليك” تباطأت دوراته، و غارَت البسمة في زوايا وجهه منتحرةً على شفتيه، تلاشى طيفُ أبيه، ليهوي الخيال في قَرَار الحقيقة
و اشتدّ عويل الذهن، مهيّجا كوامن الذاكرة
ارتعشت أوصاله، وانهار جاثيًا على ركبتيه منفجرا بالبكاء، لم يتمكّن من الصمود أمام شبح تلك الذكرى، التي سلبته أغلى ما يملك، والدَيه!
حدث كلّ شيء منذ سنة، حين عاد من المدرسة، ليجد أهل الحيّ محتشدين عند داره، يُكبّرون و يُهلّلون بحرقة، حاول دخول المنزل، لكنّ أيادي سريعة أبعدته عن المكان، صرخ ليلتها و انتحب حتّى دَمِيَت عيناه، لم يرَ أبويه بعد ذلك اليوم، قالوا: ذهبا للجنّة
إلّا أنّ أحمد لم يقتنع بما قيل، فلا يمكن لأبويه أن يتركاه وحيدا، كيف ؟, وقد تعاهدوا على البقاء معًا ! واحتفظ أحمد منذ ذلك اليوم بكلمات ثلاث سمعها صدفة دون أن يفقه معانيها لتظلّ لغزا يؤرّقه: “اغتصبوا المسكينة، وذبحوه”
فما فهم معنى “اغتبصوا” (كما سمعها)، ولا عرف من المذبوح (فوالده لا يذبح الأضحية عادة إلّا في العيد!)
هَدأ نشيج أحمد، و أخذَتِ القرقعة تعلو الزفرات، و اشتدّ ألم الحاضر على الماضي، ليمحو الجوع مرارة الفقدان
عاد عَبَق الرّغيف، مدغدغا الشعيرات، ومهيّجا العصارت سُمِعَ بين الجموع تكبيرات و تهليلات  “الله أكبر، أوّل رغيف منذ سبع ساعات”! صرخ أحدهم فرحا مُتَأبِّطّا ربطة من الخبز الشهيّ، وهو يَنسَلّ بصعوبة من بين زحمة الأجساد
انتشى أحمد، وارتسمت على وجهه أشلاء بسمة، دسّ يده في جيبه مخرجا قطعة معدنية من فئة الخمس ليرات، اعتصرها بقبضته، و نهض عن مكانه ملتحقا بالجموع
اشتدّ تدافع الناس، و تعالى صراخهم، والتحمت الأجساد في كتلة واحدة راحت تترنّح جيئة و ذهابا  رعدت السماء، و خيّمت سحابة سوداء اعتلت الرؤوس، تحوّلت الأبصار، و اشرأبّت العيون، و التَوَتِ الأعناق  زَعَقَ طائر الموت في الفضاء
و ما كانت إلّا لحظات، حتّى تطايرت الرؤوس من الأجسام، وانسحَقِت العظام، وتفتت الأوردة و الأعضاء، مُزِّقت القلوب، و تقطّعتِ الأوصال سَبَحَت الأشلاء ببحرٍ من الدماء، تبدّدت الجموع، وغارت الأحلام في قعرِ الفناء
صُمَّتِ الآذان بالصراخ و الأنّات  امتزجت رائحة الطحين بالبارود، و حَمَلها عَبَقُ الدماء في الأرجاء  اختفى أحمد، طار كالشعاع  حلّقت قبضته عاليا في السماء، مضرجة بشلال من الدماء  انهالت الأمّ على إبنها بالقبلات، و دخل الأب برأس من نور
خَفَقَ أحمد بأجنحته، و ضمّ والديه، هَامِسًا: “قلت لهم، لن يتخلّيا عنّي”
………………………………………………
تابع طائر الموت جولته، مرسلا المزيد من الزوّار  وولِدَ ألفُ أحمدٍ جائع، يؤمن أنّ أبويه لن يتخلّيا عنه !
__________________________________________
بقلم عبادة الحمصي
إيميل الكاتب
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة