منصـــــــور حســــــــــــن


الرابط : اراء حرة (:::)
بقلم: محمد هجرس** مصر (:::)
لا أعتقد أن هناك من المصريين، من اختلف حول شخصية السيد منصور حسن، الذي رحل عن عالمنا السبت 22 نوفمبر، بهدوء، دون أن يأخذ حقه، وهو الذي اختفى تماماً عن المشهد السياسي طيلة سنوات حكم مبارك، عن عمد وبسوء نيّة، مثل كثير من الشرفاء الذين أقصاهم النظام السابق.
عاد الرجل كشخصية توافقية عقب ثورة 25 يناير، ورأس المجلس الاستشاري، قبل أن يستقيل، ليعتزم الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، بعد وعود وضمانات بأن يكون رئيساً لمرحلة انتقاليةـ يتم فيها إنجاز دستور جديد، وانتخابات برلمانية وتشريعية، ويضع البلد على عتبات الاستقرار.. هكذا تصوّر الرجل، وهكذا أقنعه البعض ليقبل.
هاتفته لأول مرّة، وبعد تبادل عبارات ودية، رحب بإجراء حوار صحفي معي، لجريدة (اليوم) السعودية، وتحدث بوضوح طيلةأكثر من نصف ساعة، عن الدور السعودي المأمول في مساعدة مصر على استعادة نفسها، بمعاونة عربية، وأفصح لي عن أنه لا يرغب في المنصب، ولكنه يتطوع لإنقاذ البلد، وكشف ـ طالباً عدم النشر ـ عن توافقات كثيرة معه، بل وأنه حصل على تأييد كبير من جماعة الإخوان المسلمين، والمجلس العسكري أيضاً، بجانب قوى مدنية وسياسية مصرية عديدة.
كان يتحدث بثقة واطمئنان كبيرين، وقال لي إن هدفه الرئيسي، إرساء مصالحة وطنية شاملة، وبناء مصر الجديدة، التي تقوم على كل المصريين، باختلاف تياراتهم السياسية وانتماءاتهم، دون إقصاء لأحد، وشدد على أنه سيكون رئيساً لكل المصريين، ويكفيه أنه لم يخرج من عباءة حزب، فيُحسب عليه، ولا يعمل لحساب فصيلٍ يشتدّ به.
سألته بخبث “صحفي” عن حقيقة ما إذا كان مرشح المجلس العسكري؟ فغضب بشدة، واحتدّ في الحديث، ما دعاني لأن أسأله بحدة طبعا، لماذا يضيق صدره هكذا لمجرد سؤال صحفي.. فماذا يفعل عندما يصبح رئيساً ويكون مطالباً بالإجابة عن أسئلة 90 مليون مصري؟.
ضحك الرجل، وقال لي: معك حق.. أنا آسف؟
ذهلت من سرعة اعتذاره، لأني كعربي، وكمصري، لم أتعود على سماع مسؤول ما، أو رجل بحجم وقيمة منصور حسن، يعتذر بهذه السرعة، ويعرب عن أسفه.. فزاد إكباري وتقديري له.
ناقشت معه، ظروف الترشح، وعرضت عليه تكوين فريق يخوض مع الانتخابات، وعرضت عليه أن يجعل من القيادي الإخواني السابق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح نائباً له، ويطرح برنامجه المتكامل بالأرقام والأفكار والشخصيات وآليات التنفيذ، والمراحل الزمنية وخططها القصيرة والمتوسطة و بعيدة المدى.
اسمتع لي بإنصات، مع إبدائه ملاحظات على الأفكار، ووعدني بالمناقشة فيها عندما نلتقي، ثم ضحك بصفاء وقال لي: على فكرة يا محمد.. انت تنفع وزير إعلام ناجح.
ابتسمت بخجل، وقلت له:”يا منصور بك.. أنا آخر واحد يصلح لمنصب سياسي” وشكرته.
انتهت المكالمة بالاتفاق على موعد للحوار الصحفي، وكان الأربعاء على ما أذكر، وقبل الموعد بـ24 ساعة، انتفضت الأخبار باعتذار منصور حسن عن الترشح، فصدمت جداً، اتصلت عليه، فلم يرد.. أرسلت له رسالة، لأجد بعد دقائق اتصالاً منه، يعتذر فيه عن عدم الرد، وعلل ذلك، بأنه في وضع صحي غير مناسب.
أدركت أن الرجل في أزمة، تبادلنا الحديث، حتى نجحت في إخراجة عن صمته، وسألته عن سبب تراجعه، فقال لي أنه مصدوم من الحالة السياسية الراهنة للبلاد، وحالة التشرذم والانقسام السائدة، فهمت من حديثه أنه تلقى طعنة من الخلف، وتحدث بشكل ضمني عن نقض جماعة الإخوان المسلمين لاتفاقهم معه، وعزمهم التقدم بمرشح منهم رغم وعودهم بعدم الدفع بمرشح رئاسي في هذه المرحلة.. هكذا أعلنوا وقالوا صراحة.!
قلت له: لماذا لا تكشف ذلك؟ ولماذا لا تستمر في المواجهة؟ أجاب بهدء وأسى: إننا نعيش الآن في مناخ سيء.. وأكمل بالحرف الواحد: “هل ترضى لي يا محمد البقاء في هذه القذارة”؟ احترمت في الرجل طهارته وشرفه، ورغبته في أن تكون الأجواء نظيفة سياسياً ـ مع عدم إيماني بذلك ـ وأدركت أن الرجل بأخلاقه لا يستطيع تحمل مناخ التقاطعات والصفقات السفلية والأعمال الليلية التي رأيناها بعد ذلك.
طلبت منه تنفيذ وعده بالحوار، وكشف ما لديه من حقائق يضعها أمام الناس، ليعرفهم بما يجري، ويفضح طبيعة المرحلة السوداء التي أدخلتنا في نفق لا نعرف متى ولا كيف سنخرج منه.. لكنه اعتذر وقال لي بهدوء ومرارة : لست أنا من يفشي الأسرار أو يساهم في صنع فرقة لا تتحملها البلد. ثم أضاف: لقد اتخذت قراري ولن أتراجع عنه.. ولا رغبة لدي في الحديث عن أي شيء.. ربما يأتي يوم ويعرف المصريون الحقيقة بعد أن يعيشوا نتائجها العبثية.
بين حين وآخر.. كان بيننا اتصال للاطمئنان فقط، حديث عادي، يتناول الوضع في البلاد، وما آلت إليه الأمور، كان يتحدث بحزن شديد ويكرر: إن مصر لا تستحق ذلك الذي يحدث.
في آخر اتصال قبل 10 أيام تقريباً من وفاته، اتصلت عليه، جاءني صوته متعباً  ومرهقاً، حاولت الظفر منه بأي تصريح، أو ظهور للإعلام حتى.. لكنه كرر اعتذاره، وقال إنه لا يرغب في مجرد الكلام عن أي شيء، اكتفى بالقول إن ما يجري على الساحة من انقسام بين المصريين يغني عن أي توصيف أو شرح أو تحليل، ثم أردف :”هذا ما كنت أخشى منه.. فاكر يا محمد؟”
…….
…….
للأسف.. تذكرت ذلك الآن..
مات الفارس النبيل منصور حسن، دون أن يجرح أحداً، أو يسئ لأحد، ومات حلمه في أن يكون جامعاً لكل المصريين، دون مصلحة شخصية أو حزبية.
وللأسف أيضاً.. بقي ما كان يخشى منه.. ويبدو أنه سيستمر إلى أن يشاء الله.
ـــــــــــــــــ
** كاتب وصحافي مصري
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة